عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». (¬١) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. خامسًا- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف: لم يَرْوِه عن أبي بَكْرِ بن حَفْصٍ إلا زيد ُ، ولا يُرْوَى عَنْ عَامِرِ إلا بهذا الإسناد. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. * * * [٣٧/ ٤٣٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَطَاءٍ. عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا لا نُمْسِكُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَأْكُلَ ونَتَزَوَّدَ. * لم يَرَوْهُ عن زَيْدٍ إلا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَمْرٍو. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (١٩٧٢/ ٣) ك/الأضاحي، ب/بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، من طريق زكريا بن عدي. - وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٧٨٦٩)، من طريق هلال بن العلاء الرَّقيّ، عن أبيه. - والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٦٢٧٦)، من طريق علي بن معبد. - وأبو الحسين الشَجَري في "الآمال الخميسية" (٢/ ٧٩)، من طريق هاشم بن الحارث المروزي. أربعتهم عن عُبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيسة، بنحوه، غير هاشم بن الحارث فبلفظه. • وأخرجه الحُميدي في "مسنده" (١٢٩٧)، وأحمد في "مسنده" (١٤٣١٩، ١٤٩٥٦)، والدَّارمي في "مسنده" (٢٠٤)، والبخاري في "صحيحه" (٥٤٢٤) ك/الأطعمة، ب/ما كان السلف يدَّخرون في بيوتهم، وبرقم (٥٥٦٧) ك/الأضاحي، ب/ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يُتزوَّد منها، وبرقم (٢٩٨٠) ك/الجهاد والسير، ب/حمل الزاد في الغزو، ومسلمٌ في "صحيحه" (١٩٧٢/ ٤) ك/الأضاحي، ب/بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، والنسائي في "الكبرى" (٤١٤٠، ٤١٤١) ك/المناسك، ب/التزود من لحوم الهدي، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٧٨٦٨)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٥٩٣١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٩٢٠٩). كلهم من طُرُقٍ، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: "كنا نتزوَّد لحوم الهدي على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة". - وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (١٥٤٩٠)، وأحمد في "المسند" (١٤٤١٢، ١٥٠٤٢)، والبخاري في "صحيحه" (١٧١٩) ك/الحج، ب/وما يُؤكل من البُدْن وما يُتصدَّق، ومسلم في "صحيحه" (١٩٧٢/ ٢)، والنسائي في "الكبرى" (٤١٢٤) ك/المناسك، ب/الأكل من لحوم البُدْن، وبرقم (٤١٢٧) ك/المناسك، ب/كم يؤكل؟، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٧٨٦٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٩٢٠٨). كلهم من طرقٍ عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، بنحو رواية الباب. وقد صرَّح ابن جريج عند البخاري، ومسلم، وغيرهما بسماعه من عطاء؛ فزال ما نَخْشَاه مِنْ تدليسه. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الله بن جعفر الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ قبل أن يَتَغَيَّر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) عُبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٤) زَيْدُ بن أبي أُنَيْسة: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، له أفراد"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٥) عَطَاءُ بن أبي رَبَاح - واسمه أَسْلَم- القُرَشي، الفِهْريُّ، أبو محمد المَكْيُّ. روى عن: جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وعائشة بنت أبي بكر ﵃، وغيرهم. روى عنه: زيد بن أبي أُنَيسة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وعمرو بن دينار، وخلقٌ سواهم. حاله: قال ابن سعد: ثِقَةٌ، فقيهٌ، كثيرُ الحديث. وقال العجلي: تابعيٌّ، ثِقَةٌ، ومفتي أهل مكة في زمانه. وقال ابن معين، أبو زرعة، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ، لكنَّه كثير الإرسال. - وقال يحيى بن سعيد القطَّان: مُرسلات مجاهد أحبّ إليّ من مرسلات عطاءٍ بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب. وقال أحمد بن حنبل: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. وقال ابن معين: ليست مرسلات عطاء بذاك. - وقال علي بن المديني: اختلط بآخرةٍ، فتركه ابن جُريج وقيس بن سعد. وعلَّق الذهبي على هذا في "الميزان"، فقال: لم يَعْنِ ابن المديني بقوله "فتركه" الترك الاصطلاحي، بل عَنَى أنهما بَطَّلا الكتابة عنه، وإلا فعطاء ثبتٌ رضي. وزاد في "السير": ولكنه - أي عطاء - كَبُرَ وضَعُفت حواسه، وكانا قد تَكَفَّيَا منه، وتَفَقَّهَا، وأكثرا عنه فبَطَّلا. ونقل ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن قيس بن سعد ما يؤيّد ذلك. وقال ابن حجر في "التقريب": وقيل إنه تَغَيَّر بآخرةٍ ولم يَكْثُر ذلك منه. وفسَّر الشيخ/ طارق بن عوض الله قول الحافظ ابن حجر: "ولم يَكْثُر ذلك منه"؛ فقال: لعلَّها "ولم يُؤَثِّر ذلك فيه". (¬١) وقال صاحبا "تحرير التقريب": لا نعلم أحدًا روى عنه بعد تغيّره إن صَحَّ أنَّه تَغَيَّر، ولم يذكره أحد ممن أَلَّف في المختلطين. قلتُ: ولعلَّ المراد بالتغيُّر هنا هو نقص الحفظ بسبب الهِرَم والشَيْخُوخة، وليس الاختلاط الاصطلاحي (¬٢)، ويؤكد ذلك أنَّ العلماء لم يُميزوا مَنْ روى عنه قبل الاختلاط، وبعده؛ بل بالعكس فابن جريج وقيس بن سعد لمّا تغيَّر حفظه لم يسمعا منه؛ فهو مِنْ المرتبة الأولى مِنْ المختلطين، الذين لم يَصح وصفهم بالاختلاط، أو الذين لم يسمع منهم أحدٌ بعد الاختلاط، لذا ذكره ابن حجر بصيغة التمريض "قيل". - وأمَّا ما نقله ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن الإمام أحمد أنَّه نُقل عنه ما يدل على أنه كان يُدَلِّس؛ فَلَعَلَّ المراد به الإرسال، لذا لم يذكره في "طبقات المدلسين"، ولم يصفه أحدٌ من أهل العلم بالتدليس. - وأخيرًا، أقول: وصَحَّ سماعه من جابر بن عبد الله، كما في رواية الباب عند البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من طريق عمرو بن دينار، وابن جُريج، عن عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله. وقال البخاري في "تاريخه": وسمع من جماعة، وعدَّ منهم: جابر بن عبد الله. وقال ابن حجر في "الفتح": وهو معروفٌ بالرواية عن جابر وابن الزُّبير. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ، عابدٌ، كَثِيرُ الإِرسال". (¬١) ٦) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، مُكثرٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٢٠). ثالثًا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضعيفٌ"؛ فيه: عبد الله بن جعفر "ثِقَةٌ، قبل أنْ يَتَغَيَّر"، وأحمد ابن خُليد، لا نعلم هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده، ومن كان كذلك فلا يُقبل حديثه إلا إذا تُوبع. مُتَابعات للحديث: والحديث لم يَنْفرد به عبد الله بن جعفر، بل تابعه جماعةٌ مِنْ الثقات (متابعة تامة)، مِنْهم: زكريا بن عدي، والعلاء بن هلال الرَّقي، وعليّ بن مَعْبد، وهاشم بن الحارث المروزي، أربعتهم عن عُبيد الله بن عَمرو، به، وبعض هذه المتابعات أخرجها مُسْلمٌ في "صَحيحه"، كما سبق في التخريج. وتابعه عمرو بن دينار، وابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، به، عند البخاري، ومُسلم - كما سبق في التخريج -. شواهد للحديث: • أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، من حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ المَاضِي؟ قَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا». (¬٢) • وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه"، من حديث بُرَيدة بن الحُصيب الأسلمي ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». (¬٣) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَرَوْهُ عن زَيْدٍ إلا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَمْرٍو. قلتُ: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ صحة كلام المُصَنِّف ﵁. وتَفَرُّد عُبَيْد اللَّهِ بن عَمْرٍو، عن زيد، لا يضر الحديث؛ لكون عُبَيْد اللَّهِ بن عَمْرٍو "ثقةٌ حجةٌ" بالإضافة إلى كَوْنه راوية زيد بن أبي أُنيسة - كما سبق في ترجمته- فله خصوصيته فيه، والله أعلم. خامسًا:- التعليق على الحديث: - اشتمل الحديث على النهي عن أكل وادّخار لحوم الأضحية بعد انقضاء ثلاثة أيام، وأنَّ هذا الحكم قد نُسخ بقوله: "فأمرنا رسول الله ﷺ أن نتزوَّد منها ونأكل منها، يعني فوق ثلاث"، ودلَّ على هذا النَّسخ أيضًا ما جاء في حديث بُرَيدة - عند مسلم في "صحيحه"- "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث" فهذا حكمٌ مُتَقَدِّم، ثم نَصَّ على ناسخه بقوله ﷺ: "فامسكوا ما بدا لكم"، وهذا من ناسخ السُّنَّة بالسُّنَّة، وهو القول الصحيح، وإليه ذهب الجمهور، وهذا يدل على أنّه يُباح للمُضَحِّي في عيد الأضحى أو مَنْ ذبح الهدي من الحجاج - كما دلَّت عليه بعض الروايات- أن يأكل ويدَّخر من الأضحية من العام إلى العام سواءً ادَّخرَ لَحْمًا أو شَحْمًا. - وجاء في بعض الروايات بيان علة النهي عن الأكل والادّخار فوق ثلاث في أول الأمر؛ وهو أنَّ قومًا من ضعفاء الأعراب وفقرائهم قَدِمُوا المدينة؛ فأراد رسول الله ﷺ أن يواسي أهلها من لحوم الأضاحي، فنهاهم عن الأكل والادّخار لأجل مواساة هؤلاء الأعراب؛ لضعفهم وجوعهم، ثم أباح بعد هذا العام الأكل والادّخار من الأضاحي بعد ثلاث، وصُرِّح بهذه العلة في أحاديث؛ منها: ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ»، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ، فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ادَّخِرُوا ثَلاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ»، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا». (¬١) - ونازع القرطبي في "المُفهم" في نسخ النهي عن الأكل والادخار، وأدار الحكم مع علته، وأنّ رفع النهي لارتفاع العلة لا للنسخ، فقال: الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته؛ أن المرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبدا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة، فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يَدَّخِرُوها فوق