رَجُلٌ (¬١): مَا أُبَالِي أَن لا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلامِ إلا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ. (¬٢) وقال الآخَرُ: مَا أُبَالِي أَن لا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلامِ إلا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. (¬٣) وقال آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ. فَزَجَرَهُمْ (¬٤) [عُمَرُ] (¬٥)، وَقَالَ: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَوْمُ الجمُعَةِ (¬٦)، وَلكِن إِذَا صَلَّيتُ الجمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفتيتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (¬١) الآية. * لا يُرْوَى هذا الحديث عن النُّعْمَان إلا بهذا الإِسْنَاد. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢١/ ١٧٥/٢١٥)، وفي "الشاميين" (٢٨٦٧)، عن أحمد بن خُلَيد، به. • وأخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (١٨٧٩/ ١) ك/الإمارة، ب/فضل الشهادة في سبيل الله ﷿ ومن طريقه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٨٤٣)، وابن بَشْكُوال في "الغوامض والمُبْهمات" (٧٥٢) -، وأحمد في "مُسنده" (١٨٣٦٧)، والبزَّار في "مُسنده" (٣٢٣٧)، وأبو عَوِانة في "المُستخرَج" (٧٣٥٣) - ومن طريقه ابن عساكر في "الأربعون في الحَثِّ على الجهاد" (٤) -، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠٠٦٣)، وابن مَنْدة في "الإيمان" (٢٤٣)، والبيهقي في "الكُبرى" (١٨٤٩٠)، والخطيب البغدادي في "الأسماء المُبْهمة" (٧/ ٤٧٢)، والواحدي في "التفسير الوَسيط" (٢/ ٤٨٥)، وفي "أسباب النزول" (ص/٢٤٣)، والبغوي في "معالم التنزيل" (٤/ ٢٢)، كُلُّهم من طُرُقٍ عِدَّة، عن أبي تَوْبة الربيع بن نافع. وفي "مسند أحمد" بَيَّن ابنه عبد الله أن هذا الحديث مِمَّا وَجَدَهُ في كتاب أبيه بخطه، قال - أي الإمام أحمد -: كَتَبَ إِلَيَّ الربيع بن نافع، فكان في كتابه: حَدَّثنا مُعاوية بن سَلَّام، وذكر الحديث. _ ومسلم في "صحيحه" (١٨٧٩/ ٢) ك/الإمارة، ب/فضل الشهادة في سبيل الله ﷿، والبزَّار في "مُسْنده" (٣٢٣٨)، كلاهما (مُسلم، والبزَّار) من طريق يحيى بن حسَّان. وقال البَزَّار: وهذا الحديث لا نعْلَمُه يُروى بهذا اللفظ إلا عن النُّعمان بن بَشِير من هذا الطريق، ومُعاوية بن سلَّام، وزيد، وأبو سلَّام مشاهيرٌ لنقل الحديث. _ وابن حبان في "صحيحه" (٤٥٩١)، من طريق مُعَمَّر بن يَعْمُر. ثلاثتهم (أبو توبة، ويحيى بن حسَّان، ومُعَمَّر بن يَعْمُر) عن مُعاوية بن سلَّام، بسنده، وبلفظه، والبعض بمثله إلا أَحْرف يَسيرة، إلا ابن حِبان فَمختصرًا بدون قَوْل الرجل الأول، وبدون زَجْر عُمر وقوله لهم. • وعزاه ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ١٢٣)، والسيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ١٤٤): إلى مسلم، وأبي داود، وابن جرير، وابن مَرْدويه، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، من حديث النُّعمان. قلتُ: أمّا رواية أبي داود، فقد أخرجه من طريقه الواحدي في "أسباب النزول" (٦/ ٢٤٣)، والبغوي في "معالم التنزيل" (٤/ ٢٢)، ولم أقف عليْه في "سننه"، ولم يهتد إليه غير واحدٍ من المحققين، كالشيخ محمود شاكر، وغيره، ولم يذكره المزي في "التحفة"، ولا ابن الأثير في "جامع الأصول"، فلعله في غير "السنن". • بينما أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦٥٥٧)، قال: حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني معاوية بن سلَّام، عن جده أبي سلَّام، عن النُّعمان بن بشير، بنحوه. فسَوَّاه الوليد بن مُسلم، وَرَواه بإسقاط زيد بن سلَّام، بالعنعنة، وقد صَرَّح ابن حجر: أنَّ التَّسْوية ليست خاصَّةً بإسقاط الضعيف، بل قد يُسْقِط المُدلس الثقةَ كما يُسْقِط الضعيف. (¬١) فلعلَّ هذا من تدليس الوليد بن مُسلم، وهو مع ذلك مُخالفٌ لِما رواه الثقات عن مُعاوية بن سلَّام، ومُخالفٌ لِما هو مُخَرَّجٌ في "الصحيح" فروايته "شاذةٌ". والله أعلم. طريقٌ آخر للحديث عن النُّعمان بن بَشِير: • أخرجه عبد الرزَّاق في "تفسيره" (١/ ٢٦٨) - ومن طريقه ابن بَشْكُوال في "الغوامض المُبْهمات" (٧٤٩) -، عن مَعْمَر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رَجلٍ، عن النُّعمان بن بشير، بنحوه. • بينما أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦٥٦٠)، قال: حدثنا الحسن بن يحيى بن الجَعْد، قال: أخبرنا عبد الرزَّاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن النعمان بن بشير، بنحوه. قلتُ: وعلى كل حال فالطريق الأول ضعيفٌ للجهالة بالرجل المُبْهم بين يحيى بن أبي كثير، والنُّعمان. وأمَّا الطريق الثاني فضعيفٌ أيْضًا لانقطاعه، فيحيى بن أبي كثير لمْ يسمع من أحدٍ من الصحابة شيئًا، إلا أنس بن مالك رَآه رؤيا - صَرّح بذلك غير واحدٍ من أهل العلم على الصحيح - لذا قال الحافظ ابن حجر في "التقريب": ثقةٌ، ثبتٌ، لكنه يُدَلِّس ويُرْسل. (¬٢) وعليه فلا يصحّ هذا الطريق، عن النُّعمان بن بَشِير. والله أعلم. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ٦) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٧) أبو توبة الربيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ عابدٌ"، تقدم في الحديث رقم (١). ٨) معاوية بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٩) زيد بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ١٠) أبو سلّام مَمْطُور الأسود الحُبْشِيُّ: "ثِقَةٌ، مُتَّفَقٌ على توثيقه، لكنَّه يُرْسِلُ"، تقدم في الحديث رقم (٢). قلتُ: وقد صرّح أبو سلّام بسماعه من النُّعمان بن بَشير، في جميع طرق هذا الحديث، والإسناد إليه صحيح، بل وأخرجه مسلم في "صحيحه" مصرِّحًا فيه بسماعه، لذا قال العلائي - بعد أنْ نقل قوْل أبي حاتم: بأن روايته عن النّعمان بن بشير مُرْسلٌ -: وروايته عن النّعمان في "صحيح مسلم". (¬٣) ١١) النُّعْمَان بن بَشِير بن سَعْد بن ثَعْلبة، أبو عبد الله، الأنصاري، الخَزْرجي. روى عن: النبي ﷺ (¬١)، وخاله عبد الله بن رَواحة ﵁، وعُمر بن الخطّاب ﵁، وغيرهم. روى عنه: أبو سلَّام الأسود، وعامرٌ الشعبي، وأبو إسحاق السّبيعي، وغيرهم. صاحب النَبي ﷺ، وأُمُّه عَمْرة بنت رَواحة، أُخت عبد الله بن رواحة. وُلِد على الراجح على رأس أربعة عشر شهرًا مِن الهجرة، وهو أول مولود وُلِد في الأنصار بعد قُدُومِ رسول الله ﷺ المدينة. تُوفي النبي ﷺ وله ثماني سنين، وسبعة أشهر. (¬٢) ثالثًا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ". والحديث أخرجه مسلم بهذا الوجه. وأمّا عن تفرُّد رُواته به فلا يضُر بصحة الحديث، لِكَوْن رواته ثقات ممن يُحتمل تفردهم، لذا قال البزّار عقب إخراجه لهذا الحديث: ومعاوية بن سلَّام، وزيد بن سلَّام، وأبو سلَّام مشاهيرٌ بنقل الحديث. (¬٣) رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ عن الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُرْوى هذا الحديث عن النُّعمان إلا بهذا الإسناد. وقال البَزَّار: لا نعْلَمُه يُروى بهذا اللفظ إلا عن النُّعمان بن بَشِير من هذا الطريق. (¬٤) قلتُ: بل ورد مِنْ طريق يحيى بن أبي كثير، لكنَّه رواه مَرَّة عن رجلٍ عن النُّعْمان بن بَشير، ومَرَّة عن النُّعْمَان مُباشرة، ويحيى بن أبي كثير، كان كثير الإرسال - كما سبق -، فَلَعَلَّه رواه عن زيد بن سَلام، ثمَّ