وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ يَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةٌ أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ، فَدَخَلَ عُمَرُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ» ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ تَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقُلْنَ لِعُمَرَ: أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: قَالَ قَائِلٌ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ يَهَابُ عُمَرَ، وَلَا يَهَابُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ حَضَرَ بِحُضُورِ النِّسْوَةِ، فَلَمَّا ذَهَبَ الشَّيْطَانُ بِحُضُورِ عُمَرَ تَبَادَرَتِ النِّسْوَةُ الْحِجَابَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ شَاهِدٌ، وَهُوَ أَرْفَعُ دَرَجَةً، وَأَعْلَى رُتْبَةً مِنْ عُمَرَ، فَكَيْفَ لَمْ يَهَبْهُ الشَّيْطَانُ، وَهَابَ عُمَرَ ﵁؟ ⦗٢١٤⦘ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى حُضُورِ الشَّيْطَانِ حَضْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ ﵁ بِعُذْرِهِنَّ فِي هَيْبَتِهِنَّ إِيَّاهُ، فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا يَهَبْنَكَ، وَالشَّيْطَانُ يَهَابُكَ، وَلَوْ كَانَ الْحَالُ يُوجِبُ حُضُورَ الشَّيْطَانِ لَكَانَتِ الْحَالُ حَالَ مَعْصِيَةٍ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ ﷺ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَيُنْكِرُ عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ دَلَّ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَالَ عِصْيَانِ اللَّهِ، فَيَحْضُرُ الشَّيْطَانُ قَالَ الشَّيْخُ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «عَالِيَةٌ أَصْوَاتُهُنَّ» أَرْفَعُ مِنْ صَوْتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ كَانَ يَخَافُ عُمَرَ، وَلَا يَخَافُ النَّبِيَّ ﷺ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَافَ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْلُ خَوْفُهُ مِنْهُ وَهَيْبَتُهُ إِيَّاهُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا خَوْفُ إِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ، وَهُوَ فَضْلُهُ، وَالشَّيْطَانُ أَبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الْفَضَائِلِ، أَوْ يَكُونُ خَوْفَ عُقُوبَةٍ يُحِلُّهَا بِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُعَاجِلُ بِالْعُقُوبَةِ اسْتِخْفَافًا بِهِ، وَقِلَّةَ مُبَالَاةٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ﷺ يَخَافُ فِتْنَتَهُ، وَلَا يَهَابُ وَسْوَسَتَهُ، وَقَدْ أَيِسَ الشَّيْطَانُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يُوَسْوِسُ إِلَيْهِ، وَلَا يَقْرَبُ مِنْهُ، وَأَمِنَ عُقُوبَتَهُ فَلَمْ يَهَبْهُ اغْتِرَارًا بِهِ، وَأَمْنًا مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهُمَا مِنْ صِفَاتِهِ، أَعْنِي الِاغْتِرَارَ بِاللَّهِ، وَأَمْنَ مَكْرِهِ. وَأَمَّا عُمَرُ ﵁ فَإِنَّهُ كَانَ يَخَافُ الشَّيْطَانَ أَنْ يَفْتِنَهُ، وَيُوَسْوِسَ إِلَيْهِ، فَكَانَ يُنَاصِبُهُ وَيَسْتَعِدُّ لَهُ، وَيُنْصَرُ عَلَيْهِ، فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَخَافُهُ لِاسْتِعْدَادِهِ لَهُ، وَمُنَاصَبَتِهِ إِيَّاهُ، فَكَانَ يَتْرُكُ فَجَّهُ، وَسَبِيلَهُ حَذَرًا مِنْهُ. وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَكَانَ لَا يُبَالِي بِهِ، وَلَا يَتَفَكَّرُ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ، وَاسْتِصْغَارًا لَهُ، كَأَنَّهُ لَيْسَ بشَيْءٍ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: وَمَا الشَّيْطَانُ حَتَّى يُهَابَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أُطِيعَ فَمَا نَفَعَ، وَعُصِيَ فَمَا ضَرَّ وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ الشَّيْطَانُ يَتَمَثَّلُ لَهُ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ نَحَّاهُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا نَتْنُكَ لَمْ أَزَلْ أَسْجُدُ عَلَيْكَ وَقَالَ بَعْضُ الْكِبَارِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا اسْتَعَذْتُ مِنْهُ , ⦗٢١٥⦘ وَلَوْ نَاصَبُوهُ وَاسْتَعَدُّوا لَهُ أَتْعَبُوهُ تَعَبًا لَا يَقْرَبُ مِنْهُمْ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ حُصَاصٌ» ، هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَقْصِدْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَقْصِدُ لَهُ ذَاكِرًا لِلَّهِ، مُسْتَعِيذًا بِهِ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈، وَالْأَكَابِرَ مِمَّنْ دُونَهُمْ لَا يُبَالُونَهُ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَهُوَ يَأْمَنُهُمُ اغْتِرَارًا بِاللَّهِ، فَيَدْنُو مِنْهُمْ يَرُومُ مِنْهُمْ مَا يَرُومُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَضُرُّهُمْ، يَضُرُّ نَفْسَهُ، كَمَثَلِ الْفَرَاشِ يَأْمَنُ النَّارَ فَيَدْنُو مِنْهَا فَيُحْرِقُ نَفْسَهُ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: ح عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ح سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ فِيمَا ذُكِرَ لِي قَدِ اعْتَرَضَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَهُوَ شِبْهُ أَفِيقٍ فَسَدَّ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: نَعَمْ، أَنَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ مِنْ أَسْمَائِي أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: أَنْتَ إِلَهُ الْأَرْضِ بَلَغَ مِنْ عِظَمِ رُبُوبِيَّتِكَ أَنَّكَ تُخْلَقُ الطَّيْرَ مِنَ الطِّينِ، وَتَشْفِي الْمَرْضَى، وَتُحْيِي الْمَوْتَى؟ فَقَالَ: بَلِ الْعَظَمَةُ لِلَّذِي خَلَقَنِي، وَخَلَقَ مَا سَخَّرَ لِي، وَبِإِذْنِهِ أَشْفِيهِمْ، وَلَوْ شَاءَ أَمْرَضَنِي، سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ: هَلُمَّ أُعَبِّدْ لَكَ الشَّيَاطِينَ، وَآمَرُهُمْ بِالِاعْتِرَافِ وَالسُّجُودِ لَكَ، فَيَرَاهُمْ بَنُو آدَمَ فَيَعْتَرِفُونَ لَكَ بِالسُّجُودِ، فَتَكُونَ إِلَهَ الْأَرْضِ، فَأَعْظَمَ عِيسَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَقُولُ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِلْءَ سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، وَعَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَمَبْلَغَ عِلْمِهِ، وَمُنْتَهَى كَلِمَاتِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ. فَلَمَّا قَالَ عِيسَى نَزَلَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ ﵈، فَثَبَتَ جِبْرِيلُ مَعَ عِيسَى، وَنَفَخَ مِيكَائِيلُ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ يَطِمُّ مِنْهَا عَلَى وَجْهِهِ نَحْوَ مَطْلَعِ الشِّمَالِ، لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، حَتَّى صَدَمَ عَيْنَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا، فَخَرَّ وَحِيدًا مُحْتَرِقًا، وَأَتْبَعَهُ إِسْرَافِيلُ حَثِيثًا، فَصَدَمَهُ صَدْمَةً أُخْرَى نَحْوَ مَغْرِبِهَا، فَذَهَبَ يَطِمُّ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِحَالِ عِيسَى حَيْثُ فَارَقَهُ قَالَ: لَقِيتُ مِنْكَ يَا ابْنَ مَرْيَمَ نَصَبًا، ثُمَّ لَمْ يَكُ