فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﷻ: «هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ» وَقَوْلُهُ: «وَخَالِطِ الْحُكَمَاءَ» أَيْ: دَاخِلْهُمْ، وَاخْتَلِطْ بِهِمْ، وَكُنْ مَعَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ فَإِنَّ الْحَكِيمَ هُوَ الْمُصِيبُ فِي أَقْوَالِهِ، وَالْمُتْقِنُ لِأَفْعَالِهِ، وَالْمَحْفُوظُ فِي أَحْوَالِهِ، فَمَنْ خَالَطَهُمْ وَدَاخَلَهُمْ أَخَذَ مَحَاسِنَ أَخْلَاقِهِمْ، وَانْتَفَعَ بِإِصَابَتِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ، وَتَهَذَّبَ بِهِمْ فِي مُخْتَلَفِ أَحْوَالِهِمْ. وَقَوْلُهُ: «سَائِلِ الْعُلَمَاءَ» تَنْبِيهٌ مِنْهُ ﷺ عَلَى إِحْكَامِ الْأُمُورِ وَإِصْلَاحِهَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدِّمِ الْعِلْمَ عَلَى الْعَمَلِ لِتَكُونَ أَعْمَالُكَ عَلَى تَقْدِمَةِ الْعِلْمِ بِهَا فَتَصِحَّ. وَقَوْلُهُ: «سَائِلِ الْعُلَمَاءَ» ، لَمْ يَجْعَلْ لَهُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ: كُنْ أَبَدًا عَالِمًا سَائِلًا وَمُتَعَلِّمًا، وَالْعُلَمَاءُ إِذَا أُطْلِقُوا فَهُمُ الْفُقَهَاءُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ إِذَا أُطْلِقَ أُرِيدَ بِهِ عِلْمُ الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ عِلْمُ الْأَحْكَامِ، وَمَعْرِفَةُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلُومِ فَإِنَّهَا مَقَيَّدٌ؛ يُقَالُ: عِلْمُ الْكَلَامِ، وَعِلْمُ الْقُرْآنِ، وَعِلْمُ الْحَدِيثِ، وَعِلْمُ اللُّغَةِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْعُلُومِ، فَإِنَّهَا تُقَيَّدُ بِذِكْرٍ يَخُصُّهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ إِذَا أُطْلِقَ كَانَ الْمَفْهُومُ بِهِ الْفُقَهَاءَ، فَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ كَسَائِرِ الْعُلُومِ، فَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقَالَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ , وَكَذَا يَقُولُ اللُّغَوِيُّونَ، وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ , وَبِهِ قَرَأَ فِي الْقُرْآنِ، يُنْسَبُ أَهْلُ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى مَا يَنْتَحِلُهُ، فَالْعُلَمَاءُ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْفُقَهَاءُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: سَائِلِ الْعُلَمَاءَ " أَرَادَ بِهِ مَا قُلْنَاهُ مِنْ عِلْمِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ الْبَلْوَى بِهِ أَكْثَرُ، وَالْحَاجَةَ إِلَيْهِ آمَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ