يقول: " إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ... " الحديث٤. قال ابن جرير عند ترجيح هذا القول: "وقول رسول الله ﷺ الذي رويناه عنه أولى قول في ذلك بالصواب، لأنه كان أعلم قائل في ذلك قولا بحقيقته وصحته ... من غير استثناء منه شيئا من الأشياء أنه تقدم خلق الله إياه خلق القلم، بل عم بقوله ﷺ: "إن أول شيء خلقه الله القلم" كل شيء، وإن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشا ولا ماء ولا شيئا غير ذلك"٥. القول الثاني: أن الماء أول المخلوقات، وأنه مخلوق قبل العرش. وهذا القول ذكره ابن جرير ونقله عنه ابن كثير١. وذكره أيضا ابن حجر٢، واستدل له بما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعا: "أن الماء خلق قبل العرش". وقال ابن حجر: "وروى السدي في "تفسيره" بأسانيد متعددة "أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء". القول الثالث: أن أول شيء خلقه الله ﷿ من خلقه النور والظلمة. وهذا القول ذكره ابن جرير، وعزاه إلى ابن إسحاق٣. القول الرابع: أن العرش هو أول المخلوقات. وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية٤، وابن القيم٥، وابن كثير١، وشارح "العقيدة الطحاوية"٢، ونسبه ابن كثير وابن حجر- نقلا عن أبي العلاء الهمداني- إلى الجمهور، ومال إليه ابن حجر- أيضا٣. واستدلوا على قولهم هذا بما رواه مسلم في "صحيحه" بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا، قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" ٤. ففي هذا الحديث تصريح بان التقدير وقع بعد خلق العرش، وحديث عبادة صريح بان التقدير وقع عند أول خلق القلم، فدل ذلك على أن العرش سابق على القلم. ومما يؤيد هذا القول- أيضا- حديث عمران بن حصين: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض"٥. فالحديث يدل على أن العرش كان موجودا قبل كتابه المقادير. وهذا هو الراجح من الأقوال، وأما القول الثاني "أن الماء أول المخلوقات" واستدلال ابن حجر بحديث، أبي رزين "أن الماء خلق قبل العرش" فغير صحيح، لأنه لم يرد في حديث أبي رزين هذا اللفظ، وإنما ورد فيه: "ثم خلق عرشه على الماء"، وليس في هذا ما يدل على أولية الماء. وأما ما رواه السدي فهو- أيضا- لا يصلح للاحتجاج، لكونه أثرا لم يثبت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك. وأما القول الثالث: وهو قول ابن إسحاق فهو- أيضا- غير صحيح، ولعله أخذه من الإسرائيليات كما أخذ غيره من الأمور، وقد قال ابن جرير في هذا القول: "وأما ابن. إسحاق فإنه لم يسند قوله الذي قاله في ذلك إلى أحد، وذلك من الأمور التي لا يدرك علمها إلا بخبر من الله ﷿ أو خبر من رسول الله ﷺ"١. أما القول الأول فقد أجاب الجمهور على استدلالهم بحديث عبادة بن الصامت بقولهم: لا يخلو قوله "أول ما خلق الله القلم ... " إلخ من أن يكون جملة أو جملتين، فإن كان جملة- وهو الصحيح- كان معناه أنه عند أول خلقه قال له: "اكتب" كما في اللفظ، "أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب" بنصب "أول" و"القلم "، فعلى هذا تكون الأولية راجعة إلى الكتابة لا إلى الخلق. وإن كانت جملتين وهو مروي برفع "أول" و"القلم " فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق بهذا الحديثان، إذ