شرح مشكل الآثار
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم: ١٠] . إخْبَارٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، ذَكَرَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِاللَّيَالِي الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا أَيَّامُهَا، وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ بِالْأَيَّامِ الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا لَيَالِيهَا، فَمِثْلُ ذَلِكَ حِكَايَتُهُ عَنْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَصْفِ الْغُلَامِ الْمَقْتُولِ بِالْحَالِ الَّتِي كَانَ عِنْدَهُ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ زَكِيُّ فِي مَعْنَى زَاكِي، وَبِأَنَّهُ زَاكِي فِي مَعْنَى زَكِيٍّ، ثُمَّ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهَا، فَفِي بَعْضِهَا إثْبَاتُ الْأَلِفِ، وَفِي بَعْضِهَا سُقُوطُ الْأَلِفِ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ , وَأَنَّ مَا قُرِئَ بِهِ مِنْ تِلْكَ اللَّفْظَتَيْنِ وَاسِعٌ غَيْرُ مُعَنَّفٍ مَنْ مَالَ إلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَتَرَكَ الْأُخْرَى، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
شرح مشكل الآثار
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْحَرْفُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَاتِهِمْ إيَّاهُ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ بِ ﴿زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] فَمِمَّنْ قَرَأَ مِنْهُمْ كَذَلِكَ فِيمَا أَجَازَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ: عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ. وَمِمَّنْ قَرَأَهُ مِنْهُمْ (زَاكِيَةً) فِيمَا أَجَازَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَيْضًا: أَبُو جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةُ، وَنَافِعٌ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا (زَاكِيَةً) ; لِأَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْوِيلِ وَيَقُولُ: " الزَّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، وَالزَّكِيَّةُ الَّتِي قَدْ أَذْنَبَتْ ثُمَّ غُفِرَ لَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَضِرُ قَتَلَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ ". قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ فِي هَذِهِ الْإِجَازَةِ: وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَرَاهُمَا لُغَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكَانَ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فِيهِ مِمَّا وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ، ثُمَّ نَعُودُ قَائِلِينَ لِأَبِي عُبَيْدٍ فَنَقُولُ لَهُ: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ , وَإِنْ كَانَ قَدْ سُمِّيَ غُلَامًا فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غُلَامًا وَهُوَ بَالِغٌ , وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَوْ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا " فَقَدْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ الِاحْتِلَامَ , وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِلَافَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي يُرْهِقُ أَبَوَيْهِ بِهَا الطُّغْيَانَ وَالْكُفْرَ. وَفِي الْآيَةِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَالِغًا، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ ﷿ ⦗١٤٧⦘ حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى ﷺ فِي خِطَابِهِ لِنَبِيِّهِ الْخَضِرِ ﵇: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] أَيْ أَنَّهَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسًا لَكَانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِقَتْلِهَا بِهَا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ بُلُوغُهَا، وَصَارَتْ زَكَاتُهَا بِطَهَارَتِهَا، وَقَدْ شَدَّ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ ﷿ فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿لِأَهَبَ لَكَ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] أَيْ: طَاهِرًا، فَوَصْفُهُ أَنَّهُ زَكِيُّ بِغَيْرِ ذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى غَفَرَهُ اللهُ ﷿ لَهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ بِهِ فَسَادُ مَا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الزَّكِيَّةِ وَالزَّاكِيَةِ، وَفِي تَثْبِيتِ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ إنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، ⦗١٤٨⦘ وَالْعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فَتَقُولُ: الْقَاصِي وَالْقَصِيُّ، وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْأَعْرَابِ فِي خِطَابِهِ لِزَوْجَتِهِ فِي وَلَدٍ وَلَدَتْهُ فَأَنْكَرَهُ:
[البحر الرجز]
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ الْقَصِيِّ
أَوْ تَحْلِفِي بِرَبِّكِ الْعَلِيٍّ
أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ
يُرِيبُنِي بِالْمَنْظَرِ التُّرْكِيِّ
وَمُقْلَةٍ كَمُقْلَةِ الْكُرْكِيِّ
يُرِيدُ بِالْقَصِيِّ الْقَاصِيَ، وَيُرِيدُ بِالْعَلِيِّ الْعَالِيَ. فَقَالَ قَائِلٌ: فَفِيمَا قَدْ ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ زِيَادَةُ حَرْفٍ فِي الْخَطِّ، وَهِيَ الْأَلِفُ الْمَوْجُودَةُ فِي (زَاكِيَةً) الْمَفْقُودَةُ فِي ﴿زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] ، فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْتَهَا؟، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ ﷿ وَعَوْنِهِ: أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي (زَاكِيَةٍ) وَ (زَكِيَّةٍ) لَيْسَ حِكَايَةً عَنِ الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ حِكَايَةٌ ⦗١٤٩⦘ عَنْ كَلَامِ مُوسَى ﷺ لِلْخَضِرِ ﵇، بِمَا كَلَّمَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ لِسَانُ مُوسَى ﷺ خِلَافَ لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ الَّذِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ، وَكَانَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ (زَاكِيَةً) وَمِنْ ﴿زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] حِكَايَةً عَمَّا كَانَ مِنْ مُوسَى ﷺ بِمَا خَاطَبَهُ بِهِ الْخَضِرُ فِي ذَلِكَ، وَالْحِكَايَاتُ بِالْأَلْسُنِ عَنِ الْأَلْسُنِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَلْسُنِ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا ﷺ مِنْ جَوَابِهِ إيَّاهُ لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ آيَةً فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] . إخْبَارٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، ذَكَرَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِاللَّيَالِي الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا أَيَّامُهَا، وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ بِالْأَيَّامِ الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا لَيَالِيهَا، فَمِثْلُ ذَلِكَ حِكَايَتُهُ عَنْ مُوسَى ﷺ فِي وَصْفِ الْغُلَامِ الْمَقْتُولِ بِالْحَالِ الَّتِي كَانَ عِنْدَهُ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ زَكِيُّ فِي مَعْنَى زَاكِي، وَبِأَنَّهُ زَاكِي فِي مَعْنَى زَكِيٍّ، ثُمَّ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهَا، فَفِي بَعْضِهَا إثْبَاتُ الْأَلِفِ، وَفِي بَعْضِهَا سُقُوطُ الْأَلِفِ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ , وَأَنَّ مَا قُرِئَ بِهِ مِنْ تِلْكَ اللَّفْظَتَيْنِ وَاسِعٌ غَيْرُ مُعَنَّفٍ مَنْ مَالَ إلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَتَرَكَ الْأُخْرَى، وَاللهَ ﷿ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ