فِي آيَة أُخْرَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ فَأنْزل هَذِه السُّورَة لنتلوها ولندعو بهَا فَكَمَا خزن هَذِه السُّورَة عَن سَائِر الْأُمَم كَذَلِك خزن قَوْله ادْعُونِي أسجب لكم عَن سَائِر الْأُمَم فَكَانَت الْأُمَم تفزع إِلَى أنبيائها فِي وَقت الْحَاجة وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه للأنبياء ﵈ فَجعل لسَانك مُطلقًا بِالدُّعَاءِ وكفيك مبسوطتين بالتناول وَجعل هَذَا الدُّعَاء الَّذِي فِي هَذِه السُّورَة أفضل من الَّذِي تَدْعُو بِهِ لِأَن هَذَا كَلَام قد تكلم بِهِ رب الْعَالمين جلّ وَعز فبينه وَبَين مَا تَدْعُو بِهِ من كَلَام نَفسك بون بعيد وَإِنَّمَا أطلق الله لهَذِهِ الْأمة وَفتح لَهُم بَاب الدُّعَاء لينيلهم الحظوظ الَّتِي جعل لَهُم فِي الْغَيْب كي إِذا وصلت إِلَيْهِم فظهرت عَلَيْهِم تِلْكَ الْأَشْيَاء ظن الْخلق أَنهم نالوها من قبل الدُّعَاء وَلذَلِك قيل لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء وَصَارَ للدُّعَاء من السُّلْطَان مَا يرد الْقَضَاء عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن نفع حذر من قدر فَإِن الدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل فَعَلَيْكُم عباد الله بِالدُّعَاءِ عَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر وَإِن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ وَالله أعلم - الأَصْل السبعون والمائتان - فِي أَن من لَا يرحم لَا يرحم عَن جرير بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لَا يرحم النَّاس لَا يرحمه الله قَالَ أَبُو عبد الله الرَّحْمَة مَوْضُوعَة فِي الْآدَمِيّ فأوفرهم حظا مِنْهَا أرحمهم لنَفسِهِ ولخلقه فَإِذا رحم نَفسه جنبها الْمعاصِي والمساخط وَطلب لَهَا حسن عواقب الْأُمُور ليحسن مَنْزِلَته عِنْد ربه فينزله غَدا دَاره الْحسنى وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ فبالرحمة يتخطى إِلَى الْإِحْسَان إِلَى نَفسه وَمِنْهَا يتخطى إِلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِم وكل من رَحمته رق قَلْبك لَهُ ودعتك الرقة إِلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِ والعطف عَلَيْهِ بدوام الْإِحْسَان وَمن أنجس حَظه من الرَّحْمَة غلظ قلبه وَصَارَ فظا فَإِذا غلظ قلبه لم يرق لنَفسِهِ وَلَا لأحد من خلقه قَالَ الله تَعَالَى فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فالشديد يشدد على نَفسه فِي الْأَحْوَال ويعسر ويضيق وَكَذَلِكَ على الْخلق فَهُوَ من نَفسه فِي تَعب والخلق مِنْهُ فِي أَذَى واللين لِأَن قلبه وَرطب بِمَاء الرَّحْمَة وانتشف مَاء الرَّحْمَة يبوسة نَفسه وأذهب حزازتها وكزازتها وأذهب قسوة قلبه فَمن لم يكن لَهُ وفارة حَظّ من الرَّحْمَة وجدته حَدِيد النَّفس يَابِس الْخلق قاسي الْقلب مكدود الرّوح مظلم الصَّدْر عَابس الْوَجْه مُنكر الطلعة ذَاهِبًا بِنَفسِهِ تيها وعظمة غليظ الرَّقَبَة سمين الْكَلَام عَظِيم النِّفَاق قَلِيل الذّكر لله تَعَالَى ولدار الْآخِرَة ولهادم اللَّذَّات عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أَتَى رَسُول الله ﷺ بصبي فَقبله فَقَالَ رجل أتقبل هَذَا مَا قبلت صَبيا قطّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَمَا أملك إِن كَانَ الله نزع من قَلْبك الرَّحْمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ خليلي وصفيى أَبُو الْقَاسِم ﷺ مَا نزعت الرَّحْمَة إِلَّا من شقي وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵂ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارْحَمْ من فِي الأَرْض يَرْحَمك من فِي السَّمَاء فالرحمة الْمَكْتُوبَة على نَفسه مائَة رَحْمَة والمقسومة مِنْهَا وَاحِدَة بَين خلقه فِيمَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ فالواحدة الَّتِي قسمهَا بَين خلقه احتظى مِنْهَا الْآدَمِيّ وَسَائِر الْأُمَم حَتَّى الطُّيُور والوحوش والبهائم فَتلك رَحْمَة الْعَطف فبها يتعاطفون قد اشْترك فِيهَا البرر والفاجر وَالْوَلِيّ والعدو وَأما هَذِه الرَّحْمَة الَّتِي وَصفنَا بدءا فَهِيَ رَحْمَة الْإِيمَان مَأْخُوذَة من الرَّحْمَة الْعُظْمَى الَّتِي مِنْهَا بَدَت تِلْكَ الْمِائَة فأوفرهم حظا من الْمعرفَة بِاللَّه وَالْعلم بِهِ أوفرهم حظا من الْقرْبَة وأوفرهم حظا من الْقرْبَة أوفرهم حظا من الرَّحْمَة فَكلما كَانَ الْقلب أقرب إِلَى الله كَانَ أَلين وفؤاده أرق وَكلما تبَاعد الْقلب من الله بِمَعْصِيَة يَأْتِيهَا كَانَ قلبه أقسى وَأبْعد من الرَّحْمَة أَلا يرى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ فَإِنَّمَا قست قُلُوبهم بالتباعد من الله من أجل نقض الْمِيثَاق وَذَلِكَ لما قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا رَحِيم قَالُوا يَا رَسُول الله كلنا يرحم قَالَ لَيْسَ رَحْمَة أحدكُم خويصته يَعْنِي أَهله وَولده وَلَكِن حَتَّى يرحم الْعَامَّة فرحمتك الخويصة هِيَ رَحْمَة الْعَطف من الرَّحْمَة المقسومة بَين خلقه ورحمتك الْعَامَّة من رَحْمَة الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى - الأَصْل الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ والمائتان - فِي جمع الهموم وتشعبها عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَمِعت نَبِيكُم ﷺ يَقُول من جعل الهموم هما وَاحِدًا كَفاهُ الله هم آخرته وَمن تشعبت بِهِ الهموم فِي أَحْوَال الدُّنْيَا لم يبال الله فِي أَي أَوديتهَا وَقع قَالَ أَبُو عبد الله رَضِي عَنهُ الله فالهم للقلب وَهُوَ أَمِير الْجَسَد وَهُوَ وعَاء كنوز الْمعرفَة وَمِنْهَا يفرق على جنده فالعقل وَالْحِفْظ والذهن والفهم والفطنة وَالروح هَؤُلَاءِ كلهم مرتزقة من عِنْد الْقلب وَالْقلب ينْفق عَلَيْهِم من كنزه الَّذِي أعطي وَهُوَ الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وَالْعلم بِهِ فَإِذا جَاءَتْهُ هموم أَحْوَال النَّفس فقد تشعب قلبه شعبًا وشغل الْقلب بشعبها فضيع الْكَنْز وَفرق الْجند وَبَقِي مأسورا فِي يَدي النَّفس وَأَحْوَالهَا فَلم يبال الله فِي أَي أَوديتهَا من تِلْكَ الشعوب هلك لِأَن هموم النَّفس ووساوس الْعَدو تخوفك بالرزق وتخوفك بأحوال الدُّنْيَا وَتَقَلُّبهَا وترغبك فِي الْجمع وَالْمَنْع وَتحل فِي قَلْبك مَا فِيهِ مصرعك وهلاكك وتزين لَك أَحْوَال الدُّنْيَا فَهَذِهِ كلهَا سموم قاتلة للقلب فَمن تخلى من هَذِه الهموم كلهَا حَتَّى صَارَت همومه كلهَا هما وَاحِدًا كَفاهُ الله الهموم من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والهم دَبِيب الْقلب وَهُوَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا هم دَبِيب وَهُوَ متجاوز عَنهُ وَالْآخر هم حُلُول فالقلب إِذا بَدَت لَهُ خاطرة دب إِلَيْهَا ثمَّ يبْقى فِي الطَّرِيق متحيرا عَاجِزا قد انسد عَلَيْهِ الطَّرِيق فَهَذَا هم يتَجَاوَز عَنهُ والهم الآخر يدب الْقلب بالخاطرة إِلَى الشَّيْء الَّذِي بَدَأَ حَتَّى يَنْتَهِي منتهاه فَيحل بِهِ فحلوله عزم وإضمار فَإِن كَانَت سَيِّئَة صَار قد هم بسيئة فَهِيَ وَإِن لم تكْتب عَلَيْهِ قد انحط عَن دَرَجَته لِأَنَّهُ قد عزم على مَعْصِيّة فَهَذَا هم حُلُول الْقلب وَإِنَّمَا يصير همه هما وَاحِدًا إِذا نسي نَفسه وَأَحْوَالهَا وَهُوَ أَن ينْكَشف لَهُ الغطاء عَن الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى حَتَّى يرى الله كَافِيا لَهُ فِي كل أَمر من دنيا وآخرة فَعندهَا يرفع باله عَن التَّدْبِير لنَفسِهِ ويلقي ذَلِك كُله إِلَى الله تَعَالَى تفويضا ويراقب مَاذَا يخرج لَهُ من تَدْبيره سَاعَة فساعة فتدبير الله تَعَالَى لِلْمُؤمنِ أَعلَى من تَدْبيره لنَفسِهِ فَإِذا رفض العَبْد تَدْبيره وَأَقْبل على مُحَافظَة تَدْبِير الله فِي كل وَقت مَاذَا يظْهر لَهُ فقد استراح فَإِنَّمَا همه فِي كل سَاعَة التوخي لمحاب الله فِي كل أَمر من متقلبه فَإِنَّهُ إِنَّمَا خلقه عبدا ليَكُون لَهُ عبدا عَارِفًا لَهُ عَالما بِهِ فَينْظر بِعَين الْمعرفَة وَالْعلم إِلَى عَظمته وجلاله وبهائه وكبريائه وسلطانه وَرَحمته وَإِلَى ملكه وتدبيره فَيقر عينه ويمتلئ قلبه فَرحا بِهِ فَعندهَا تظهر محبته على قلبه ويشتاق إِلَى لِقَائِه ويتبرم بحياته ويقلق بمكانه ينْتَظر مَتى يدعى فيجيب فَهُوَ مسجون برمق الْحَيَاة وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وسنته فالآدمي إِذا أَسِنَت ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَعيشَة وَاشْتَدَّ الْعَيْش فَهُوَ ينْتَظر الخصب وَالسعَة والمسجون وَإِن أحاطت بِهِ نعم الدُّنْيَا فِي سجنه فعينه شاخصة إِلَى بَاب السجْن مَتى يخلى عَنهُ فَيخرج عَنهُ فالمؤمن اشتاق إِلَى لِقَاء من عرفه بِمَا ذكرنَا فَضَاقَ بِالْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا وانتظر الدعْوَة فهمه فِي الدُّنْيَا هم وَاحِد وَهُوَ أَن يلْتَمس محاب الله فِي كل أَمر دق أَو جلّ فَيكون ظَاهر أمره حركات فِي طَاعَة الله وباطن تِلْكَ الحركات حب الله تَعَالَى بِهِ يغلي قلبه فَهُوَ الَّذِي جعل همه هما وَاحِدًا وَانْقطع من الْخلق إِلَى الله تَعَالَى فَمن الْعباد يصعد إِلَى الله أَعمال الْجَوَارِح وَمن هَذَا أنوار الْحبّ مَعَ كل نفس فنور هَذَا متواتر صاعد إِلَى السَّمَاء وأنوار الْعمَّال مُنْقَطِعَة قَالَ الله ﵎ ﷺ ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا﴾ فاسم الرب هُوَ الِاسْم الْأَعْظَم الْمكنون الَّذِي مِنْهُ خرجت الْأَسْمَاء فَمن وصل إِلَى ذَلِك الِاسْم الْمكنون وانك شف لَهُ الغطا عَنهُ فقد تبتل إِلَيْهِ وَانْقطع عَن الْخلق واتخذه وَكيلا فَعندهَا بطلت وكَالَة النَّفس وتعطلت الهموم وانتصب ذَلِك الْهم الْوَاحِد بَين عَيْني فُؤَاده فاستكمل الصَّدْر نورا فتتابعت أنوار حبه متواترة إِلَى العلى عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من انْقَطع إِلَى الله كَفاهُ الله مُؤْنَته ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن انْقَطع إِلَى الدُّنْيَا وَكله الله إِلَيْهَا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله مَلَائِكَة موكلين بأرزاق بني آدم ثمَّ قَالَ لَهُم أَيّمَا عبد وجدتموه جعل الْهم هما وَاحِدًا فضمنوا رزقه السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالطير وَبني آدم وَأَيّمَا عبد وجدتموه طلبه فَإِن تحرى الْعدْل فطيبوا لَهُ ويسروا وَإِن تعدى إِلَى غير ذَلِك فَخلوا بَينه وَبَين مَا يُرِيد ثمَّ لَا ينَال فَوق الدرجَة الَّتِي كتبتها لَهُ - الأَصْل الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ والمائتان - فِي الاعتزاز بِالْعَبدِ عَن سعيد بن الْمسيب ﵁ قَالَ سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اعتز بالعبيد أذله الله الاعتزاز بالعبيد مفتاحه حب الْعِزّ وَطَلَبه فَإِذا طلب الْعِزّ للدنيا طلبه من العبيد فَترك الْعَمَل بِالْحَقِّ وَالْقَوْل بِالْحَقِّ لينال ذَلِك الْعِزّ فعاقبة أمره الذلة فَإِن الله تَعَالَى يُمْهل المخذول حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ خذلانه إِلَى أَن يسْتَحق لِبَاس الذل وَإِن الله تَعَالَى أظهر عزه وَأخرج إِلَى الْعباد إِزَار الْعِزّ ليجعل لَهُم من ذَلِك حظا فَإِنَّمَا سَمَّاهُ إزارا ليعقل الْعباد عَنهُ أَن هَذِه قُوَّة أخرجهَا إِلَى الْعباد ليقووا بِهِ على الْأَعْدَاء وليقوى بِهِ المحق على الْمُبْطل والأزر هُوَ الْقُوَّة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿كزرع أخرج شطأه فآزره﴾ أَي قواه والإرز مَوْضِعه من الْآدَمِيّين من الْوسط يتزرون على أوساطهم ليقووا