إِن الله نظيف يحب النَّظَافَة وَقَالَ نظفوا أفنيتكم فَإِن الْيَهُود لَا ينظفون فالفقير صَاحب الْفَاقَة إِذا كَانَ حَيّ الْقلب صَاحب تقوى وجدته فِي نظافة وهيئة من نظر إِلَيْهِ لم يوحشه وَمن جالسه لم يثقل عَلَيْهِ وَلم يتأذ بِهِ يَأْخُذ شعره ويقلم أظافره وَيغسل أدرانه ويبيض أثوابه ويتطيب وينظف مَجْلِسه ويكنس بَيته وَلَيْسَ لذَلِك كثير مُؤنَة وَإِنَّمَا يهملها من يهملها لنذالة النَّفس ودناءتها لَا لِأَنَّهُ لَا يجد وَالْقلب إِذا مَاتَ لم يلْتَمس النظافات والطهارات وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يرْبط الْحجر على بَطْنه من الْجُوع وَلَا يتْرك الطّيب ويعاهد أَحْوَال نَفسه وَكَانَ لَا تُفَارِقهُ الْمرْآة والسواك والمقراض فِي السّفر والحضر وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يخرج إِلَى النَّاس نظر فِي ركوة فِيهَا مَاء فيسوي من لحيته وَشعر رَأسه وَيَقُول إِن الله جميل يحب الْجمال عَن مَكْحُول عَن عَائِشَة ﵂ فَمن أغفل ذَلِك وَرفع البال عَن نَفسه سَاءَ منظره ووحشت هَيئته فَأدْخل على إخوانه من الْمُؤمنِينَ الْغم والهم من أَجله وَكَانَ ذَلِك كالشكوى إِلَى الْعباد من ربه وَإِذا تجمل فِي فاقته كَانَ كالكاتم مصيبته الشاكر لرَبه المتحمد إِلَى خلقه وَرُوِيَ عَن عمرَان بن الْحصين ﵁ أَنه لبس الْخَزّ فَقيل لَهُ تلبس الْخَزّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا أنعم الله على عَبده أحب أَن يرى أثر ذَلِك عَلَيْهِ وَقد لبس رَسُول الله ﷺ ثوبا جَدِيدا فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي كساني مَا أواري بِهِ عورتي وأتجمل بِهِ فِي النَّاس فَهَذَا التجمل فِي النَّاس لَا للنَّاس إِنَّمَا هُوَ لله شكرا لَهُ ونشرا للجميل عَنهُ وَإِذا أَصَابَته مُصِيبَة سترهَا وكتمها وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من كتم مصيبته أَرْبَعِينَ يَوْمًا يخرج من الذُّنُوب كَيَوْم وَلدته أمه وَرُوِيَ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ أَنه لدغته عقرب فَصَبر فِي ذَلِك الوجع ليلته إِلَى الصَّباح كَاتِما لَهُ لِئَلَّا يعلم بِهِ أحد فَلَمَّا أصبح أعتق رَقَبَة شكرا لله أَن أعطَاهُ الصَّبْر حَتَّى قدر على كِتْمَانه وَالْعَبْد الْحَيّ الْقلب إِذا أنعم الله تَعَالَى عَلَيْهِ نعْمَة نشرها عِنْد خلقه قولا وفعلا وَإِذا نكب نكبة سترهَا وكتمها لِئَلَّا يرى الْعباد من أَحْوَال نَفسه مَا يتحير الْعباد فِيهِ من سوء الْحَال لِأَن الله تَعَالَى مَعْرُوف بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا رَأَوْا سوءا تحيروا حَتَّى يرجِعوا إِلَى إِيمَانهم بِهِ أَنه عدل لَا يظلم وَلَا يجور وَلذَلِك اسْترْجع أهل الْمُصِيبَة لأَنهم عِنْدَمَا يصابون تأخذهم الْحيرَة فِي أول الصدمة وَإِذا ذكرُوا رَبهم استرجعوا معنى قَوْلهم ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ أَي رَجعْنَا إِلَيْك من حيرتنا وَعلمنَا أَن ذَلِك لَك وَأَن فعلك هَذَا بِنَا خير كُله قَوْله تحرجا عَن الطمع فالطمع فِيمَا فِي أَيدي الْخلق هُوَ انْقِطَاع عَن الله والمنقطع عَن الله مخذول خائب لِأَنَّهُ عبد بَطْنه وفرجه وشهواته والطمع والرجاء مقترنان إِلَّا أَن الرَّجَاء صفة فعله أَن يمد الْقلب عُنُقه إِلَى شَيْء والطمع وجود الْقلب طعم ذَلِك الشَّيْء الَّذِي رجاه فَهَذَا فتْنَة وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ نَعُوذ بِاللَّه من طمع يهدي إِلَى طبع فالطمع إِذا عمل فِي الْقلب وَتمكن فِيهِ طبع على قلبه لِأَنَّهُ يوله قلبه إِلَى الْخلق عَن الله فتراه يتملق لهَذَا ويمدح ذَاك فِي وَجهه وَيتبع هَذَا فَيصير كَالْعَبْدِ لَهُ فكم من حق يضيعه وَكم من أَمر يسكت عَن الْحق فِيهِ فَإِذا نطق نطق بالهوى فَهَذَا قلب قد خرب وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى يَا دَاوُد مَا من عبد يعتصم بِخلق دوني إِلَّا أسخطت الأَرْض من تَحت قَدَمَيْهِ وَقطعت أَسبَاب السَّمَاء من فَوْقه وَقَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ من رجا غَيْرِي وكلته إِلَيْهِ وَمن وكلته إِلَيْهِ فليستعد للفتنة وَالْبَلَاء قَوْله كسبا من حَلَال كل نفس قد فرغ الله من رزقها وأثبته فِي