مَا أَعْطَيْت أمة من الْيَقِين مثل مَا أَعْطَيْت أمتِي وَمثل من أعطي الْيَقِين وَمن حرم ذَلِك كَمثل شَجَرَة لَهَا غصنان والسقيا وَاحِد فَلَمَّا جرى المَاء إِلَى أحد الغصنين تحول طيبا بِإِذن الله تَعَالَى وَجرى فِي الْغُصْن الآخر فتحول ثمارا فَمن الثِّمَار حُلْو وحامض ومدخول وعفن وَمر فَمِنْهُ مَا ينْتَفع بِهِ وَمِنْه مَا ينفى فَيرمى بِهِ وَالطّيب يطيب بِهِ كل شَيْء من الْمَأْكُول والمشروب والملبوس والمركوب والمنكوح فَهَذِهِ الْأمة نفوسها طيبَة أيدت بِروح الْيَقِين فَخرجت الْأَعْمَال طيبَة فِيهَا الهناءة والمراءة يهنأ بهَا الْحق ويستمرىء بهَا فولد إِسْمَاعِيل ﵇ لم يزَالُوا مذكورين بالسماحة والأخلاق السّنيَّة يطْعمُون الطَّعَام ويفكون العاني ويكفلون الْأَيْتَام ويرعون الذمام وهم فِي شركهم وَلم يُسَلط عَلَيْهِم أحد فيسبيهم ويستخسرهم وَلَا صَارُوا ملكا لأحد من الفراعنة حَتَّى أكْرمهم الله تَعَالَى ببعث مُحَمَّد ﷺ وصاغ مُحَمَّدًا ﷺ صياغة برز على الْأَنْبِيَاء وَالرسل فَصَارَ سيدا لجَمِيع ولد آدم ﵇ وَأنزل عَلَيْهِ كتابا مهيمنا على الْكتب أجمل فِيهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَاخْتصرَ لَهُ الْكَلم وزاده الْمفصل وفاتحة الْكتاب وَآيَة الْكُرْسِيّ وخاتمة سُورَة الْبَقَرَة من كنزه الَّذِي ادخره لهَذِهِ الْأمة ووصفهم فِي التَّوْرَاة بمحاسنهم لبني إِسْرَائِيل من قبل أَن يخلقهم بآلاف من السنين ولعيسى ﵇ ولقومه فِي الْإِنْجِيل حَتَّى رُوِيَ فِي الحَدِيث أَن أمة مُحَمَّد ﷺ يسمون فِي التَّوْرَاة صفوة الرَّحْمَن وَفِي الْإِنْجِيل حكماء عُلَمَاء أبرار أتقياء كَأَنَّهُمْ من الْفِقْه أَنْبيَاء وَقَالَ ﷿ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا﴾ الْآيَة تَصْدِيقًا لما فِي التَّوْرَاة صفوة الرَّحْمَن وَقَالَ ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَالَ ﷿ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ أَي عدلا لتكونا شُهَدَاء على النَّاس أَي شُهَدَاء للرسل بالبلاغ عِنْدَمَا تجحد الْأُمَم تَبْلِيغ الرُّسُل ﵈ رسالات الله تَعَالَى فَتشهد هَذِه الْأمة لنوح ﵇ فَمن دونه رَسُولا رَسُولا أَنهم أَدّوا الرسَالَة فَيحكم الله تَعَالَى بِشَهَادَتِهِم على سَائِر الْأُمَم ويتخلص الرُّسُل ﵈ من أَمَانَة الرسَالَة وَذَلِكَ بعد مَا يعدلهم مُحَمَّد ﷺ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ فَتكون شَهَادَة أمة مُحَمَّد ﷺ يَوْمئِذٍ مَقْبُولَة على جَمِيع الْأُمَم