في بعض الليل: "أمعك ما ء يا ابن مسعود؟!" قلت: لا والله يا رسول الله! إلا إداوة فيها نبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تمرة طيبة وماء طهور" ، فتوضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الدارقطني: "الحسين بن عبيد الله هذا يضع الأحاديث على الثقات" . وروى من حديث عبد الله بن عباس، فأخرجه ابن ماجه في "سننه" من حديث مروان بن محمد، عن ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود ليلة الجن: "معك ماء؟" قال: لا، إلا نبيذ في سطيحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تمرة طيبة، وماء طهور، صب علي" . قال: فصببت عليه، فتوضأ به. وأخرجه الدارقطني من جهة يحيى بن بكير وعثمان بن سعيد الحمصي، عن ابن لهيعة، وقال: "ابن لهيعة لا يحتج بحديثه" . وقال في موضع آخر: "تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف الحديث" . ومقتضى هذه الرواية أن الحديث من رواية ابن عباس مسندة. وقد خرجه الحافظ أبو بكر البزار في "مسنده" من هذا الوجه – أعني رواية ابن لهيعة – عن قيس بن الحجاج، عن حنش، عن ابن عباس، عن ابن مسعود أنه وضأ النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن بنبيذ فتوضأ، وقال: "ماء طهور" . رواه عن محمد بن الهيثم البغدادي، عن يحيى بن عبد الله، عن ابن لهيعة. قال: "وهذا الحديث لا يثبت، لأن ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه، فكان يقرأ من كتب غيره، فصار في أحاديثه أحاديث مناكير، وهذا منها" . ومقتضى هذه الرواية أن يكون الحديث من مسند ابن مسعود رضي الله عنه، وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية ابن عباس عنه. وروى الدارقطني من حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام، عن فلان بن غيلان الثقفي، أنه سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن بوضوء، فجئته بإداوة، فإذا فيها نبيذ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الدارقطني: "الرجل الثقفي الذي رواه عن ابن مسعود مجهول، قيل: اسمه عمرو: وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان" . وقد روي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ آخر في هذا، أخرجه الدارقطني من جهة أبي عبيدة مجاعة، عن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به ". قال:" أبان هو ابن أبي عياش متروك [الحديث] ، ومجاعة ضعيف. والمحفوظ أنه رأي عكرمة غير [مرفوع] ". وروى أيضا من جهة المسيب بن واضح، ثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء ". قال أبو محمد: يعني الذي لا يسكر. أخرجه عن عثمان بن أحمد الدقاق، عن أبي القاسم يحيى بن عبد الباقي، عن المسيب، وقال:" كذا قال! ووهم فيه المسيب بن واضح في موضعين: في ذكره ابن عباس، وفي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اختلف فيه على المسيب، [فحدثنا] به محمد بن المظفر، ثنا محمد بن [محمد] بن سليمان، حدثنا المسيب بهذا الإسناد موقوفا غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمحفوظ [أنه] من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إلى ابن عباس، [والمسيب ضعيف] ". وروى هذا الحديث أيضا – أعني حديث المسيب – أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ من رواية يوسف بن بحر، عن المسيب مرفوعا، ومن رواية محمد بن تمام، عن المسيب موقوفا. وأقول: أشهر هذه الأحاديث حديث أبي فزارة، وقد ذكرنا ما فيه، وأقربها حديث علي بن زيد، فإنه وإن كانوا قد استضعفوه فقد ذكر بالصدق. وقول الدارقطني: "وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود" ، لا ينبغي أن يفهم منه أنه لا يمكن إدراكه له وسماعه منه، فإن أبا رافع الصائغ جاهلي إسلامي. قال أبو عمر في "الاستيعاب" : "وهو مشهور من علماء التابعين" . وقال في "الاستغناء" : "لم ير النبي صلى الله عليه وسلم فهو من كبار التابعين، اسمه نفيع، كان أصله المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، وروى عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، وروى عنه خلاس بن عمرو الهجري، والحسن البصري، وقتادة، وثابت البناني، وعلي بن زيد، ولم يرو عنه أهل المدينة" . وقال في "الاستيعاب" : "عظم روايته عن عمر وأبي هريرة" . ومن كان بهذه المثابة فلا يمتنع سماعه من جميع الصحابة رضي الله عنهم، اللهم إلا أن يكون الدارقطني يشترط في الاتصال ما ذكر عن بعضهم: أنه لا بد أن يعرف سماعه من المروي عنه ولو مرة، وقد اطنب مسلم في الكلام على هذا المذهب. وأما الآثار: فروى الدارقطني عن يحيى بن أبي كثير قال: قال عكرمة: "النبيذ وضوء لمن لم يجد غيره" . أخرجه عن أحمد بن محمد بن زياد، عن إبراهيم الحربي ، عن الحكم بن موسى، عن هقل، عن الأوزاعي، عنه. ورواه أيضا من جهة الوليد عن الأوزاعي، وشيبان عن يحيى، عن عكرمة، وعلي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، [وأبي] تميلة عن عيسى بن عبيد: سمعت عكرمة وسئل عن الرجل لا يقدر على الماء، قال: "يتوضأ بالنبيذ" . وروى أيضا من جهة عبد الله بن محرر – وهو بضم الميم، وفتح الحاء، ورائين مهملتين، أولاهما مشددة مفتوحة -، [عن قتادة] ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "النبيذ وضوء [لمن] لم يجد الماء" . قال: "ابن محرر متروك الحديث" . وعن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: "كان لا يرى بأسا بالوضوء من النبيذ" . وهشيم عن أبي إسحاق الكوفي، عن مزيدة بن جابر، عن علي، ووكيع عن أبي ليلى الخراساني، عن مزيدة بن جابر، عن علي رضي الله عنه قال: "لا بأس بالوضوء بالنبيذ" . قال البيهقي: "ورواه أبو إسحاق الكوفي، واسمه عبد الله بن ميسرة، يقال له: أبو ليلى الخراساني" ، ثم قال بعد ذكره: "وعبد الله بن ميسرة متروك، والحارث الأعور ضعيف، والحجاج بن أرطأة لا يحتج به" . وروى الدارقطني أيضا بسنده عن أبي خلدة قال: قلت لأبي العالية: رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ، أيغتسل به من جنابة؟ قال: لا. فذكرت له ليلة الجن، فقال: أنبذتكم هذه الخبيثة؟! إنما كان ذلك زبيب وماء. فصل في من قال: إن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا بالتغيير عن مروان بن محمد، عن رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه، وطعمه، ولونه" . أخرجه ابن ماجه عن محمود بن خالد، والعباس بن الوليد، عن مروان، وتابعه محمد بن يوسف، عن رشدين بن سعد، [عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد] ، عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينجس الماء شيء، إلا ما غير ريحه أو طعمه" . أخرجه الدارقطني والطبراني في "المعجم الأوسط" بلفظ متنه سواء، إلا أنه قال: "لم يرو [هذا] الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدين، تفرد به محمد بن يوسف" . وذهب على الطبراني – على تبحره، وسعة روايته – رواية مروان بن محمد التي قدمناها عن رشدين، ولا إحاطة بالعلم لبشر. ورواه أبو الأزهر عن مروان بسنده، ولفظه: "الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على طعمه أو ريحه" . أخرجه البيهقي. ورواه أيضا عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي الوليد الفقيه، عن جعفر الحافظ، عن أبي الأزهر قال: فذكر بإسناده مثله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه أو طعمه" . قال: "كذا وجدته، ولفظ القلتين فيه غريب" . انتهى. ورواه الدارقطني من جهة عيسى بن خالد، عن مروان، عن رشدين، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الماء طهور، إلا ما غلب على ريحه أو طعمه" . فأخرجه عن محمد بن موسى البزاز، عن علي بن سراج، عن [أبي] شرحبيل – هو عيسى بن خالد -. قال الدارقطني: "لم يرفعه غير رشدين، عن معاوية بن صالح، وليس بالقوي" . قلت: وقد رواه أبو الوليد الفقيه، عن الشاماتي، عن عطية بن بقية بن الوليد، عن أبيه، عن ثور بن يزيد، عن [راشد] بن سعد، عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الماء طاهر، إلا إن [تغير] ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة [تحدث] فيها" . أخرجه البيهقي عن أبي عبد الله – هو الحاكم – عن أبي الوليد. وروى أيضا البيهقي عن أبي حازم الحافظ، عن أبي أحمد الحافظ، عن أحمد بن [عمير] بن يوسف الدمشقي، عن أبي أمية محمد بن إبراهيم، ثنا حفص بن عمر، ثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الماء لا [ينجس] ، إلا ما غير طعمه أو ريحه" . قال البيهقي: "والحديث غير قوي، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافا، والله عز وجل أعلم" . قلت: "حفص بن عمر" هذا هو: حفص بن عمر الأيلي، أبو إسماعيل، روى حديثه هذا أبو أحمد ابن عدي في كتابه عن ابن جوصاء – هو أحمد بن عمير المذكور في إسناد البيهقي – بإسناده مرفوعا، وقال: "وهذا الحديث ليس يرويه عن ثور إلا حفص بن عمر" . كذا قال ابن عدي، وقد ذكرنا إسناده من طريق عطية بن بقية، عن أبيه، عن ثور، وقدمنا قول الدارقطني: "لم يرفعه غير رشدين، عن معاوية بن صالح" ، وقد تقدم أنه رفع من وجهين غير طريق رشدين، ولعله أراد: لم يرفعه عن معاوية بن صالح غير رشدين، فقد وقع من وجهين غير طريق رشدين. ثم إن الدارقطني رواه عن أبي بكر الشافعي، عن محمد بن شاذان، عن معلى بن منصور، عن عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه أو طعمه" . قال: "مرسل، ووقفه [أبو أسامة] على راشد" . ثم رواه من جهة أبي أسامة، عن الأحوص بن حكيم، عن ابن