له: يا أبا عبد الله، تريد أن نؤدي عنك رسالة إلى أمير المؤمنين؟ فسكت، فقال: إن عبد الله بن إسحق أخبرني أن الوابصيّ (١) قال له: إني أشهد عليه أنه قال: إن أحمد يعبد ماني! فقال: يا أبا يوسف، يكفي الله، فغضب يعقوب والتفت إلي فقال: ما رأيت أعجب مما نحن فيه، أسأله أن يطلق لي كلمةً أخبر أمير المؤمنين فلا يفعل!! قال: ووجّه يعقوب إلى المتوكل بما عمل، ودخلنا العسكر، وأبي منكس الرأس ورأسه مغطَّى، فقال له يعقوب: اكشف رأسك يا أبا عبد الله، فكشفه، ثم جاء وصيف يريد الدار، ووجَّه إليه بعد ما جاز بيحيى بن هرثمة فقال: يقرئك أمير- المؤمنين السلام، ويقول: الحمد لله الذي لم يشمّت بك أهل البدع، قد علمت ما كان من حال ابن أبي دؤاد، فينبغي أن تتكلم بما يجب لله، ومضى يحيى، وأنزل أبي دار إيتاخ، فجاء عليّ بن الجهم وقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان تلك التي فرّقها، وأمر أن لا يعلم شيخكم بذلك فيغتمَّ، ثم جاءه محمد بن معاوية فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويقول: يقيم ها هنا يحدّث، فقال: أنا ضعيف. ثم صار إليه يحيى بن خاقان فقال: يا أبا عبد الله، قد أمر أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركب إلى ابنه أبي عبد الله، يعنى المعتز، ثم قال لي: قد أمرني أمير المؤمنين يجري عليك وعلى قراباتك أربعة آلاف درهم تفرقها عليهم، ثم عاد يحيى من الغد فقال: يا أبا عبد الله، تركب؟ قال: ذاك إليكم، ولبس إزاره وخفه، وكان خفه له عنده نحو من خمسة عشر عامًا، قد رقع برقاع عدة، فأشار يحيى أن يلبس قلنسوة، قلت: ماله قلنسوة، إلى أن قال: فدخل دار المعتز، وكان قاعدًا على دكان في الدار، فلما صعد الدكان قعد، فقال له يحيى: يا أبا عبد الله، إن أمير المؤمنين جاء بك ليسرَّ بقربك ويصير أبا عبد الله ابنه في حجرك، فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعدًا وراء ستر، فلما دخل أبي الدار قال لأمه: يا أمه، قد نارت الدار، ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وذكر قصةً في إلباسه القميص والطيلسان والقلنسوة، وهو لا يحرك يده ثم انصرف. وكانوا قد تحدثوا أنه يخلع عليه سوادًا، فلما صار إلى الدار نزع الثياب، ثم جعل يبكي، فقال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنةً، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم! ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب علىّ نصحه من وقت تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟! يا صالح، وجَّه بهذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم منها شيئًا، فوجهت بها إلى يعقوب بن بختان (١) فباعها وفرق ثمنها، وبقيت عندي القلنسوة. قال: ومكث خمسة عشر يومًا يفطر في كل ثلاث على ثمن سويق، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلةً على رغيف وليلة لا يفطر، وكان إذا جيء بالمائدة توضع بالدهليز لئلا يراها، فيأكل من حضر، فكان إذا أجهده الحرُّ بلَّ خرقةً فيضعها على صدره، وفى كل يوم يوجه إليه بابن ما سويه، فينظر إليه ويقول: يا أبا عبد الله، أنا أميل إليك والى أصحابك، وما علة إلا الضعف