إنسان من زعم أن في صدره القرآن فقد زعم أن في صدره من الإلهية شيء! فقال: من قال هذا فقد قال مثل قول النصارى في عيسى أن كلمة الله فيه! ما سمعت بمثل هذا قط! قلت: أهذا الجهمية؟ قال: أكبر من الجهمية، ثم قال: قال النبي ﷺ: يُنْزَع القرآن من صدوركم. قلت: الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق، لأن التلفظ من كسب القاريء، وهو الحركة والصوت وإخراج الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القاريء، ولم يحدث حروف القرآن ولامعانيه، إنما أحدثَ نطقه به، فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يجَوِّز الإمام أحمد "لفظي بالقرآن مخلوق" ولا "غير مخلوق" إذ كل واحد من الإطلاقين موهِم. والله أعلم. وقال أبو بكر الخلال: أَخبرني أَحمد بن محمد بن مطر وزكريا بن يحيى أن أبا طالبْ حدّثهم أنه قال لأبي عبد الله: جاءني كتاب من طرسوس أن سَرياً السَّقَطيّ قال: لما خلق الله الحروف سجدت إلَاّ الألفَ فإنه قال لا أَسجد حتى أُومن! فقال: هذا الكفر. فرحم الله الإمام أحمد، ما عنده في الدين محاباة. قال الخلَاّل: أَنبأنا محمد بن أبي هرون أن إسحق بن إبراهيم حدثهم قال: حضرت رجلا سأل أبا عبد الله فقال: يا أبا عبد الله، إجماعُ المسلمين على الإيمان بالقَدَر خيره وشرّه؟ قال أبو عبد الله: نعم. قال: ولا تكفر أَحداً بذنبٍ؟ فقال أُبو عبد الله: اسكت، من ترك الصلاة فقد كفر، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر. وقال الخلال: أَخبرني محمد بن سليمان الجوهري حدثنا عبدوس بن مالك العطار سمعت أحمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه الصحابة، وترك البدع، وترك الخصومات والجلوسِ مع أَصحاب الأهواء، وترك المرَاء والجدال، وليس في السنة قياس، ولا يُضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه من الله ليس ببائن منه، وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق وإنما هو كلام الله فهو صاحب بدعة، والإيمان بالرؤية يوم القيامة، وأن النبي ﷺ رأَى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله ﷺ، رواه قتادة والحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندنا على ظاهره، على ما جاء عن النبي ﷺ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به على ما جاء على ظاهره، وأن الله يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان. قال حنبل بن إسحق: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾؟ قال: عِلْمه عِلْمه. وسمعته يقول: ربنا ﵎ على العرش بلا حد ولا صفة. قلت: معنى قوله بلا صفة، أي بلا كيفيَّة ولا وصف. وقال أبو بكر المرُّوذي: حدثني محمد بن إبراهيم القيسي: قال: قلتُ لأحمد بن حنبل: يحكي عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف ربَّنا؟ قال في السماء على عرشه، قال أحمد: هكذا هو عندنا. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فقد كفر. وقال عبد الله بن أحمد في كتاب الردّ على الجهمية تأليفه: سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلَّم بصوت؟ فقال أبي: بلى، تكلَّم جل ثناؤه بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. وقال أبي: حديث ابن مسعود "إذا تكلم الله سُمع له صوتٌ كَمَد السلسلة على الصَّفْوانِ" قال: وهذه الجهمية تنكره، وهؤلاء كفار، يريدون أَن يموهوا على الناس، ثم قال: حدثنا المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً. وقال عبد الله: وجد بخط أبي: مما يحتج به على الجهمية من القرآن ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (١) ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأ َمْرُ﴾ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ﴿يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. قلت: وذكر آيات كثيرة في الصفات، أنا تركت كتابتَها هنا. وقال يعقوب بن إسحق المطوّعي: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن التفضيل؟ فقال: على حديث ابن عمر ﵄: أبو بكر وعمر وعثمان. وقال صالح بن أحمد: سئل أبي وأنا شاهد عمن يقدم عليَّا على عثمانِ، يُبَدَّع؟ فقال: هذا أهل أن يُبَدَّع، أصحاب رسول الله ﷺ عليه قدّموا عثمان. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي مَنْ الرافضي؟ قال: الذي يشتم رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أو يتعرض لهم، ما أُراه على الإسلام. وقال أبو بكر المروذيّ: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان بين عليّ ومعاوية؟ فقال: ما أقول فيهم إلا الحسنى. ... - وكلام الإمام أحمد كثير طيب في أصول الديانة، لا يتسع هذا الكتاب لسياقه، قد جمعه الخلال في مصنَّف سماه (كتاب السنة من أحمد بن حنبل) في ثلاث مجلدات. فمما فيه أخبرنا المروذي سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى الكلام لا يفلح، من تعاطى الكلام لم يَخلُ من أن يتجهم. وسمعت أبا عبد الله يقول: لست أتكلم إلا ما كان من كتابِ أو سنةٍ أو عن الصحابة والتابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح، لايؤول أمرهم إلى خير. وسمعته يقول: عليكم بالسنة والحديث، وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لايفلح من أحب الكلام. وقال لي: لا تجالسهم ولاتكلم أحدا منهم. ثم قال: أدركنا الناس وما يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام. وسمعته يقول: مارأيت أحدا طلب الكلام واشتهاه فأفلح، لأنه يخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا يومئذ بكلام واحتجوا بشىء فما يقوى قلبى ولاينطلق لساني أن أحكيه. قال الخلال: أخبرني محمد بن هرون حدثنا أبو الحرث: سمعت أبا عبد الله يقول: قال أيوب: إذا تمرق أحدهم لم يعد. وقال الخلال: أخبرنا أحمد بن أصرم المزني قال: حضرت أحمد بن حنبل قال له الهمداني: إني ربما رددت عليهم، قال أحمد لا ينبغي الجدال. ودخل أحمد المسجد وصلى، فلما انفتل قال: أنت عباس؟ قال: نعم، قال اتق الله، ولاينبغي أن تنصب نفسك وتشتهر بالكلام ولا بوضع الكتب، لو كان هذا خيرا لتقدمنا فيه الصحابة، ولم أر شيئا من هذه الكتب، وهذه كلها بدعة. قال: مقبول منك يا أبا عبد الله. أستغفر الله وأتوب إليه، إني لست أطلبهم ولا أدق أبوابهم، ولكن أسمعهم يتكلمون بالكلام وليس أحدا يرد عليهم فأغتم ولا أصبر حتى أرد عليهم، قال: إن جاءك مسترشد فأرشده، قالها مرارا. قال الخلال: أخبرنا محمد بن أبى هرون ومحمد بن جعفر أن أبا الحرث حدثهم قال: سألت أبا عبد الله، قلت: إن ههنا من يناظر الجهمية ويبين خطأهم ويدقق عليهم المسائل، فما ترى؟ قال: لست أرى الكلام في شيء من هذه الأهواء، ولا أرى لأحد أن يناظرهم، أليس قال معاوية بن قرة: الخصومات تحبط الأعمال؟ والكلام رديء، لا يدعو إلى خير، تجنبوا أهل