أبو العباس: ولا خلاف بين القولين عند التحقيق، فإن لفظ "الموضوع" قد يراد به المختلق المصنوع الذى يتعمد صاحبه الكذب، وهذا مما لا يعلم أن في المسند منه شيئاً، بل شرط المسند أقوى من شرط أبي داود في سننه، وقد روى أبو داود في سننه عن رجال أعرض عنهم في المسند قال: ولهذا كان الإمام أحمد في المسند لا يروي عمن يعرف أنه يكذب، مثل محمد بن سعيد المصلوب ونحوه، ولكن يروي عمن يضعَّف لسوء حفظه، فإن هذا يكتب حديثه. ويُعتضد به ويُعتبر به، قال: ويراد بالوضوع ما يعلم انتفاء خبره، وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب، بل أخطأ فيه، وهذا الضرب في المسند منه، بل وفى سنن أبي داود والنسائي، وفى صحيح مسلم والبخاري أيضاً ألفاظ في بعض الأحاديث من هذا الباب، لكن قد بيَّن البخاري حالها في نفس الصحيح: قلت: ولهذا الكلام تتمة تذكر في المسند الأحمد. أما الإمام أحمد: فهو إمام المسلمين، وأزهد الأئمة، وشيخ الإسلام، وأفضل الأعلام في عصره، وشيخ السنة، وصاحب المنَّة على الأمة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله ابن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذُهل ابن ثعلبة بن عُكابَةَ بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط ابن هِنْب بن أفْصى بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أَسَد بن ربيعة بن نِزَار بن معدّ ابن عدنان. وقد غلط قوم فجعلوه من ولد ذُهل بن شيبان، وإنما هو من ولد شيبان ابن ذُهل بن ثعلبة. وذهل بن ثعلبة هو عم ذهل بن شيبان. وقد اجتمع أحمد و النبي ﷺ في نزار، لأن النبي ﷺ مُضريّ من ولد مُضر بن نزار، وأحمد بن حنبل ربيعيّ، من ولد ربيعة بن نزار، فهو أخو مضر بن نزار. وكانت أم أحمد شيبانية أيضاً، واسمها صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني، من بني عامر، كان أبوه نزل بهم وتزوج بها. وكان عبد الملك بن سوادة بن هند الشيباني من وجوه بني عامر. وكان ينزل بها قبائل العرب فيضيفهم. وولد أَحمد ﵁ في العشرين من ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة ببغداد، وجيء به من مرو إلى بغداد. وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي: إنه ولد بمرو ثم حمل إلى بغداد وهو رضيع. وكان أبوه في زي الغزاة، وأصله من البصرة، وتوفي أبوه وله ثلاثون سنة، وأحمد طفل. قال الإمام أحمد: لم أر جدي ولا أبي. فنشأ ببغداد وعرف فضله وهو غلام في الكتاب، فسمع من هشيم، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، ويحيى القطان، وعباد بن عباد، وهذه الطبقة. وسمع بالعراق والحجاز والشام واليمن. روى عنه البخاري، وروى عن واحد عنه في صحيحه، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، [وأبو حاتم الرازيان]، وعبد الله وأخوه صالح ابناه، وخلق كثير، آخرهم أبو القاسم البغوي. وأول طلبه الحديث سنة تسع وسبعين، وله ست عشر سنة. رحمة الله تعالى. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبا زرعة يقول: كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت على الأبواب. وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة أفقههم أحمد، ثم قال: لست أعلم في الإسلام مثله. وقال ابن المديني: إن الله تعالى أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق ﵁ يوم الردة، وبأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يوم المحنة. وقال يحيى بن معين: والله ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، ليس في شرق ولا في غرب مثله. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: ما خلفت ببغداد أفقه ولا أورع ولا أعلم من أحمد. وقال الحافظ الذهبي، ومن خطه نقلت: انتهت إليه الإمامة في الفقه والحديث والإخلاص والورع، وأجمعوا على أنه ثقة حجة إمام. وقال أيضا فيه: عالم العصر، وزاهد الوقت، ومحدث الدنيا، ومفتي العراق، وعلم السنة، وباذل نفسه في المحنة، وقل أن ترى العيون مثله، كان رأساً في العلم والعمل، والتمسك بالأثر، ذا عقل رزين، وصدق متين، وإخلاص مكين، وخشية ومراقبة العزيز العليم، وذكاء وفطنة، وحفظ وفهم، وسعة علم هو أجل من أن يمدح بكلمي، وأن أفوه بذكره بفمي. قال: وكان ربعة من الرجال أسمر. وقيل: كان طويلا، يخضب بالحناء، وفي لحيته شعر أسود، ويلبس ثيابا غليظة، ويتزر ويعتم. تعلوه سكينة ووقار وخشية، ﵁. قال: وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر أو حادي [عشر]، ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين. وله سبع وسبعون وعشر ليال. وشيعه أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى، حزروا بثماني مائة ألف نفس، فالله تعالى أعلم. ... وأما ابنه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فهو الإمام الحجة، الحافظ العمدة، الذهلي الشيباني البغدادي. أحد الأعلام. ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين. وطلب الحديث في حداثته، بل قبل ذلك. وكان أخوه صالح بن أحمد القاضي أسن منه. وأكبر شيخ له يحيى بن عبدون من أصحاب شعبة. روى عن قتيبة بن سعيد بالإجازة، وشيوخه يزيدون على الأربعمائة، كما تقدم. وروى عن أبيه المسند، والتفسير، والزهد، والتاريخ، والعلل، والسنة، والمسائل، وغير ذلك. روى عنه أبو الإمام أحمد، وأبو عبد الرحمن النسائي، وابن أبي حاتم، وابن صاعد، وأبو عَوَانة ودعلج، وأبو بكر النجاد، وأبو القاسم البغوي، وأبو القاسم الطبراني، وأبو علي بن الصواف، والقاضي المحاملي، وأبو الحسن أحمد بن محمد اللُنباني (١) وأبو بكر الشافعي، وأبو بكر القطيعي، وجماعة كثيرة. وجمع وصنف، ورتب مسند أبيه وهذبه بعض التهذيب، وزاد فيه أحاديث كثيرة عن مشايخه. قال عباس الدُوري: كنت يوما عند أحمد بن حنبل. فدخل ابنه عبد الله، فقال: يا عباس، إن أبا عبد الرحمن قد وعى علما كثيرا. وقال أبو زرعة: قال لي أحمد: ابني عبد الله محظوظ من علم الحديث، لا يكاد يذاكرني إلا بما لا أحفظ. وقال ابن عدي. نبل عبد الله بأبيه، وله في نفسه محل من العلم، أحيا علم أبيه بمسنده الذي قرأه أبوه عليه خصوصا، قبل أن يقرأه على غيره، ولم يكتب عن أحد إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه. وقال بدر البغدادي: عبد الله بن أحمد جهبذ بن جهبذ. وقال الخطيب البغدادي: كان ثقة ثبتا فهما. وقال الذهبي: له من التصانيف كتاب السنة مجلد، وكتاب الجمل والوقعة مجلد، وكتاب سؤالاته أباه، وغير ذلك. قال: ولو أنه حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد، فلعل الله ﵎ أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتو على أكثر الحديث النبوي، وقل أن يثبت حديث إلا وهو فيه. قال: وأما الحسان فما استوعبت فيه. بل عامتها إن شاء الله تعالى فيه. وأما الغرائب وما فيه لين فروى من ذلك الأشهر، وترك الأكثر مما هو مأثور في السنن الأربعة، ومعجم الطبراني الأكبر، والأوسط، ومسندي أبي يعلى، ومسند البزار، ومسند بقي بن مخلد، وأمثال ذلك. قال: ومن سعد مسند الإمام أحمد [أنه] قل أن تجد فيه خبرا ساقطا. قلت: أما ترتيب هذا المسند، فقد أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة