إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْظُرْ إِلَى الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقَهَا بُغْضًا لَهَا» فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى مَا يُحِبُّ وَمَنْ يُحِبُّ، فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ لَا لِعِلَّةٍ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى مَا أَحَبَّ مِنْهُمْ وَهُوَ الْقَلْبُ، فَقَوِيَتِ الْقُلُوبُ بِنَظَرِ اللَّهِ إِلَيْهَا وَأَشْرَقَتْ وَاسْتَنَارَتْ وَتَزَيَّنَتْ، فَطَارَتْ فِي الْمَلَكُوتِ شَوْقًا إِلَى مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَوَلِهَتْ بِهِ وَشُغِلَتْ عَمَّا سِوَاهُ، فَطَارَتْ فِي الْمَلَكُوتِ شَوْقًا إِلَيْهِ، فَوَقَفَتْ أَمَامَ - [٢٨١] - الْعَرْشِ فَأَذِنَ لَهَا فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ، وَكَلَّمَهَا فَوَعَتْ، وَأَرَاهَا فَأَبْصَرَتْ، وَأَلْبَسَهَا السَّكِينَةَ فَسَكَنَتْ، وَرَدَّهَا بِأَلْوَانِ الْفَوَائِدِ وَأَنْوَاءِ الزَّوَائِدِ، وَلَوْلَا مَا أَلْبَسَهَا مِنَ السَّكِينَةِ لَطَارَتْ شَوْقًا، وَتَلَاشَتْ فِي مُبَاهَاتِ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَفَنِيَتْ تَحْتَ أَنْوَارِ هَيْبَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: ٤] فَبِذَلِكَ قَوِيَتِ الْأَسْرَارُ وَصَغَتِ الْقُلُوبُ. فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْتَارُ مَا يَشَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيْخَتَارُ} [القصص: ٦٨] وَهُوَ تَعَالَى فَضَّلَ مَنْ أَرَادَ فِي سَابِقِ عَلْمِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، لَا لِقُوَّةِ بَدَنٍ وَلَا بِكَثْرَةِ عَمَلٍ، وَالْقَلْبُ إِنَّمَا يَقْوَى بِمَا يُحْدِثُهُ فِيهِ وَيُودِعُهُ إِيَّاهُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ لَهُ وَنَظَرِهِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيْحَكُمُ مَا يُرِيدُ، وَيَصْطَفِي مَنْ يَشَاءُ، وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَإِنْ تُوَلُّوهَا عَلِيًّا وَلَنْ تَفْعَلُوا» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَنْ تُوَلُّوهَا عَلِيًّا حِينَ تُفْضِي الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ وَتَصِيرُ لَهُ «وَلَنْ تَفْعَلُوا» ، أَخْبَرَ عَنِ الْغَيْبِ الَّذِي أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ، فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهِ فِرَقًا وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ أُمَمًا، فَلَمْ يَهْتَدُوا وَلَمْ يَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، بَلْ تَشَتَّتُوا فَصَارُوا شِيَعًا، فَنَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَقَسَطَتْ أخْرَى، وَمَرَقَتْ ثَالِثَةٌ، وَعَصِيَتْ رَابِعَةٌ، وَلَوْ وَلَّوْهَا إِيَّاهُ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ لَوَجَدُوهُ هَادِيًا لَهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ، وَالْهُدَى الْبَيِّنِ، مَهْدِيًّا فِي نَفْسِهِ لَا يَسْلُكُ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَّا أَهْدَاهَا وَمِنَ الْمَنَاهِجِ إِلَّا أَوْلَاهَا، وَيَسْلُكُ بِهِمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ الَّذِي كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْلُكُهُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ وَيَسْتَقِيمُ فِيهِ وَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، ح حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ، ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، ح خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: ذَكَرَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: § «أَرَاهُمُ السَّبِيلَ وَأَقَامَ لَهُمُ الدِّينَ إِذْ تَعَوَّجَ» فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ بِهِ، وَانْتَهَتِ الْإِمْرَةُ إِلَيْهِ، وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، عِنْدَ ذَلِكَ يَسْلُكُ بِكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَفْعَلُونَ وَلَمْ يُرْوَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ تُوَلُّوهَا إِيَّاهُ بَعْدِي وَعَلَى إِثْرِي، فَيَكُونُ أَوَّلَ قَائِمٍ بَعْدِي ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّهُمْ عَلَى الْخَلِيفَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِالْأَمْرِ لَهُ بِالْإِمَامَةِ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ فَقَالَ: «مُرُوا - [٢٨٢] - أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «§مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ فَقُلْتُ: قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَ: فَقَامَ، فَلَمَّا كَبَّرَ عُمَرُ، سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ، وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا، فَقَالَ: «فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ، يَأْبَى اللَّهُ ذَاكَ وَالْمُسْلِمُونَ، يَأْبَى اللَّهُ ذَاكَ وَالْمُسْلِمُونَ» حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا، ح عَمَّارٌ، ح سَلَمَةُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، قَالَ: لَمَّا اسْتَقَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَهُ، وَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنْ تُوَلُّوهَا عَلِيًّا» أَيْ: تُوَلُّوهَا بَعْدَ وَفَاتِي وَعَلَى إِثْرِي، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَقُومُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنْ تُوَلُّوا عَلِيًّا حِينَ تُفْضِي إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ وَتَصِيرُ لَهُ الْإِمْرَةُ وَتَنْتَهِي إِلَيْهِ الْوِلَايَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ