§عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمِنْ صَبْرِهِ وَكَرَمِهِ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ لَوْ كُنْتُ أَنَا مَكَانَهُ حِينَ أَتَاهُ الرَّسُولُ لَبَدَرْتُهُ الْبَابَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْقَدْرُ، وَلَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَبْرِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكِرَامِ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَسُكُونِهِ فِي حَالِهِ، وَرِضَاهُ وَتَمَكُّنِهِ وَسُكُونِهِ تَحْتَ مَجَارِي أَقْضِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِلَّةِ اضْطِرَابِهِ، وَانْتِظَارِيَةِ حُكْمِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْفَرَحِ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ غَمِّ السِّجْنِ وَكَرْبِهِ، وَعَجِبَ مِنْ شَأْنِهِ فِي صَبْرِهِ وَكَرَمِهِ، وَرَفَعَ مِنْ قَدْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَهُ لَبَادَرَ الْبَابَ، وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْفَعُ حَالًا، وَأَشَدُّ تُمَكُّنًا، وَأَجَلُّ قَدْرًا، فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَيْرُ الْبَشَرِ، فَهُوَ أَحْرَى بِالصَّبِرِ وَالْكَرَمِ، وَأَحَقُّ بِتَمْكِينِ الْحَالِ، فَلَيْسَ إِخْبَارُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِمُبَادَرَةِ الْخُرُوجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَضَجُّرًا مِنَ الْحَالِ وَالِاسْتِبْطَاءِ لِلْفَرَجِ، وَلَا لِعِلَّةِ التَّمَكُّنِ وَلَا لِاضْطِرَابٍ مِنْهُ فِي الْحَالِ الَّتِي رُفِعَ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ إِخْبَارٌ مِنْهُ عَنْ نَفْسِهِ إِيَثارَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ رَسُولًا، فَقَدْ بَعَثَهُ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ هُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ دَعَا أَهْلَ السِّجْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: ٣٩] الْآيَةَ، دَلَّهَمْ عَلَى صَدْقِهِ بِالْمُعْجِزَةِ عَنِ الْآيَةِ وَهُوَ عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ، فَقَالَ {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} [يوسف: ٣٧] الْآيَةَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى دَعْوَةِ الْمَلِكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِهِ فِي السِّجْنِ، فَلَمَّا وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ بِإِرْسَالِ الْمَلِكِ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتُوهُ بِهِ تَرَبَّصَ، وَقَدَّمَ عُذْرَ نَفْسِهِ وَبَرَاءَتَهَا مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ إِرَادَةِ السُّوءِ الَّذِي رَمَتْهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ بِهِ إِذْ تَقُولُ {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف: ٢٥] ، فَرَدَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّسُولَ , فَقَالَ {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: ٥٠] الْآيَةَ: فَلَمَّا بَرَّأْنَهُ {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} [يوسف: ٥١] ، وَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: ٥١] ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَجَابَ الْمَلِكَ، وَخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ، وَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ لَبَادَرْتُ الْبَابَ» ، يَعْنِي الْأَصْلَ إِلَى دَعْوَةِ الْمَلِكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَأَدُّبًا بِأَدَبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: ٩٤] ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: ٦٧] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَهُ لَآثَرَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي دَعْوَةِ الْمَلِكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى بَرَاءَةِ نَفْسِهِ إِعْرَاضًا عَنْهَا، وَإِقْبَالًا عَلَى اللَّهِ فِي أَدَاءِ حَقِّهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ يُوسُفَ شِبْهَ التَّقْصِيرِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ» وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى التَّقْصِيرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «§لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ، ثُمَّ جَاءَنِي الرَّسُولُ أَجَبْتُ» ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ قَالَ: فَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ نَبِيًّا إِلَّا فِي ذِرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ" قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: ح الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ الرِّسَالَةُ وَالنُّبُوَّةُ، وَهِيَ أَعَزُّ مِنَ الْعَشِيرَةِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَوْ كُنْتُ أَنَا مَكَانَهُ حِينَ آتَاهُ الرَّسُولُ لَبَادَرْتُهُ» ، وَلَيْسَ مَعْنَى التَّقْصِيرِ تَقْصِيرًا فِي حَالِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَكِنَّهُ تَقْصِيرٌ فِي حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَقْصِيرٌ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَعُ حَالًا مِنْهُ أَبَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ ارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ عَنْ دَرَجَةِ يُوسُفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ مَا كَانَ مِنْ يُوسُفَ لَوْ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَقْصِيرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ يُوسُفَ تَقْصِيرٌ؛ لِأَنَّ إِظْهَارَ عُذْرِهِ عِنْدَ الْمَلِكِ مِنْ وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَلِكَ قَوْلُ لُوطٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِذْ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ يَمْنَعُونَنِي فَلَا أُقْتَلُ لِأَصِلَ إِلَى قَضَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَمِنْ يُوسُفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى طَلَبِ حُظُوظِ النَّفْسِ فِيهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدَا حُظُوظَ نَفْسِهِمَا، فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَخُصُومَةٌ عَنْهُمَا، وَتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُشْبِهُ التَّقْصِيرَ مِنْ حَالِ مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ نَفْسُهُ، وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحُظُوظُهَا. وَقِيلَ: لَوْ خَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يُبَرِّئْنَهُ لَاحْتَاجَ إِلَى طَلَبِ الْعُذْرِ مِنَ الْمَلِكِ، فِيمَا رُمِيَ بِهِ، فَلَمَّا تَرَبَّصَ حَتَّى بَرَّأْنَهُ اعْتَذَرَ الْمَلِكُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: ٥٤] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَلَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ» ، فَقِيلَ: الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا قَوْلُهُ لِلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا، أَيْ: صَاحِبَيِ السِّجْنِ {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: ٤٢] قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ، قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ الْهِسِنْجَانِيُّ قَالَ: ح أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِي قَالَ: ح زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السِّجْنِ قَالَ: فَعَرَفَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَخَا الْمُنْذِرِينَ مَا لِي أَرَاكَ بَيْنَ الْمُنْذَرِينَ، أَمَا تَرَانِي كَأَسِيرٍ بَيْنَ الْخَاطِئِينَ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا طَاهِرَ ابْنَ الطَّاهِرِينَ إِنَّ اللَّهَ كَرَّمَنِي بِكَ وَآبَائِكَ وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: §مَا اسْتَحْيَيْتَ مِنِّي أَنِ اسْتَشْفَعْتَ بِغَيْرِي، وَفِي رِوَايَةٍ: اسْتَعَنْتَ بِغَيْرِي، وَعِزَّتِي لَأُلْبِثَنَّكَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ قَالَ: فَقَالَ لِجِبْرِيلَ: وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: إِذًا لَا أُبَالِي فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَهُوَ الْحَقُّ، وَالْقَوْلُ بَعْدَهُ تَكَلُّفٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَهَا قَوْلُهُ {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: ٣٣] ، فَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْبَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ» ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: ٣٣] ، لَمْ يُسْجَنْ هَذَا، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَتَبَهُ عَلَى يُوسُفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ؛ لِأَنْ لَا يُسْبَقَ إِلَى الْأَوْهَامِ أَنَّ لُبْثَهُ فِي السِّجْنِ كَانَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى ذَنْبٍ، أَوْ مُعَاتَبَةً عَلَى تَقْصِيرٍ، وَلَكِنْ عَلَى اخْتِيَارٍ مِنْهُ، وَأَنَّهُ آثَرَ أَلَمَ نَفْسِهِ وَعَنَاهَا عَلَى ارْتِكَابِ مَا رُووِدَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ تَشَكُّرٌ مِنْهُ وَإِظْهَارُ فَضْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلُبْثُهُ فِي السِّجْنِ مُدَّةَ مَا لَبِثَ رِفْعَةٌ لَهُ، وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ، وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ، وَارْتِفَاعُ دَرَجَتِهِ، فَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنِ ابْتُلِيَ بِالرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالْعُبُودِةِ إِذَا قَصَّرَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْبَلَاءِ، وَسُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُجَّةٌ عَلَى الْمُلُوكِ , وَلَيْسَ مَا جَرَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَلَا وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ مِنَ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا عُقُوبَاتٍ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُحَفٌ وَهَدَايَا وَخِلَعٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبًّا، وَسَجَّهُ سَجًّا» وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا» ، يَصْرِفُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ إِلَى الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ وَالتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَلْبَثَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ، فَيَجُوزُ مَعْنَاهُ لَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا الْحَقُّ عَزَّ وَجَلَّ مَا لَبِثَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا لَبِثَ , لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [السجدة: ١٣] ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْقَوْلِ {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [يونس: ١٩] ، وَقَوْلُهُ {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}