ويهدينا فلا نخشى ضلالاً ... علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذرٌ ... وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول. أخبرنا أبو عبد الله الزبيدي، أخبرنا أبو الوقت الصوفي، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، قال: ((أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر –وذلك الغد من يوم توفي النبي ﷺ فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا –يريد بذلك أن يكون آخرهم-، فإن يك محمدٌ ﷺ قد مات، فإن الله جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمداً ﷺ، وإن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه)) . حديث صحيح أخرجه البخاري في ((مسنده)) كما تراه. وقال عمر بن الخطاب ﵁ فيما كان منه: لعمري لقد أيقنت أنك ميتٌ ... ولكنما أبدى الذي قلته الجزع وقلت: يغيب الوحي عنا لفقده ... كما غاب موسى ثم يأتي كما رجع وكان هواي أن تطول حياته ... وليس لحي في بقا ميت طمع فلما كشفنا البرد عن حر وجهه ... إذا الأمر بالجذع المرحب قد وقع فلم يك لي عند المصيبة حيلة ... أرد بها أهل الشماتة والفزع سوى آذن الله الذي في كتابه ... وما آذن الله العباد به يقع وقد قلت من بعد المقالة قولة ... لها في حلوق الشامتين به بشع ألا إنما كان النبي محمد ... إلى أجل وافى به الموت فانقطع ندين على العلات منا بدينه ... ونعطي الذي يعطي ونمنع ما منع ووليت محزوناً بعين سخينةٍ ... أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع وقلت لعيني كل دمع ذخرته ... فجودي به إن الشجي له دفع قوله: (بشع) شيء بشعٌ أي كريه يأخذ بالحلق فهو بين البشاعة، ورجلٌ بشعٌ بين البشع إذا أكله فبشع منه، واستبشع الشيء أي عده بشعاً. وفي الحديث ((كان رسول الله ﷺ يأكل البشع)) أي: الخشن الكريه الطعم، يريد أنه لم يكن يذم طعاماً، والله سبحانه أعلم. وروى أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خويلد، وقيل: ابن محرث قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليلٌ فاستشعرت حزناً، فبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسي طولها، حتى كان قرب السحر، أغفيت فهتف بي هاتفٌ وهو يقول: خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الأطام قبض النبي محمدٌ فعيوننا ... تذري الدموع عليه بالتسجام قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعاً فنظرت في السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحٌ يقع في العرب، وعلمت أن النبي ﷺ قد قبض وهو ميتٌ من علته، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئاً أزجر به، فعن لي شيهمٌ –يعني: القنفذ- قد قبض على صل –يعني: الحية- فهي تلتوي عليه، والشيهم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: شيهمٌ شيء مهمٌ، والتواء الصل: التواء الناس عن الحق القائم بعد رسول الله ﷺ، ثم أكل الشيهم إياها: غلبة القائم بعده على الأمر، فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر، فأخبرني بوفاته، ونعب غرابٌ سانح، فنطق مثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي، وقدمت المدينة ولها ضجيجٌ بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله ﷺ، فجئت المسجد فوجدته خالياً، فأتيت رسول الله ﷺ فوجدت بابه مرتجاً، وقيل: هو مسجى قد خلا به أهله، فقلت: أين الناس؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار. فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسالماً ﵃ وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار وفيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأٌ منهم. فآويت إلى قريش، فتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، فتكلم أبو بكر ﵁، فلله دره من رجلٍ لا يطيل الكلام، ويعلم مواقع فصل الخطاب، والله لقد تكلم بكلام، لا يسمعه أحدٌ إلا انقاد له ومال إليه، ثم تكلم عمر ﵁ بعده دون كلامه، ومد يده فبايعه وبايعوه، ورجع أبو بكر ﵁ ورجعت معه. قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على [سيدنا] محمد رسول الله ﷺ وشهدت دفنه، ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي رسول الله ﷺ: لما رأيت الناس في عسلانهم ... ما بين ملحود وبين مضرح متبادرين لشرجع بأكفهم ... نص الرقاب لفقد أروع أروح فهناك صرت إلى الهموم ومن يبت ... جار الهموم يبيت غير مروح فتزعزعت أجبال يثرب كلها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح كسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتزعزعت ألهام بطن الأبطح ولقد زجرت الطير قبل وفاته ... بمصابه وزجرت سعد الأذبح وروى ابن هشام عن غير واحد من أهل العلم: أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله ﷺ هموا بالرجوع عن الإسلام، وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن أسيد، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ فقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوةً، فمن رابنا ضربنا عنقه. فتراجع الناس وكفوا عن ما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد. (أسيد) بفتح الهمزة، ذكر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري الحافظ في كتاب ((الاستذكار)) : ليس في المهاجرين أسيد، ولا في الأنصار أسيد، والله أعلم. وهذا المقام لسهيل بن عمرو هو الذي أشار إليه ﷺ بقوله في قصته لعمر بن الخطاب –لما كثر عليه يوم الحديبة في أمره حيث رد إليه ولده أبا جندل، وقد جاء مسلماً حيث كتب كتاب الصلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وشاقهم في أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ، ((إنه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمه)) والله سبحانه أعلم. قوله (شرجع) الشرجع: سرير الجنازة، والشرجع أيضاً: الطويل، ومطرقة مشرجعة: أي طويلة لا حروف لها، والله سبحانه أعلم. ونقل أهل السير: أن سواد بن قارب الدوسي –قول ابن الكلبي،