إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له المنبر واستوى عليه، فاضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها فسكنت. وأخبرنا الشيخ الأمين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين الأنصاري ﵀، أخبرنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد ببغداد، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر بن إبراهيم الحرقي، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله الترمذي البزار، أخبرني جدي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق بن دينار الخلال، حدثنا عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر حن الجذع، فأتاه النبي ﷺ فاحتضنه، وقال ﷺ: ((لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة)) . وقد رواه عفان أيضاً عن حماد، عن ثابت، عن أنس ﵃ وعنا، وهو حديثٌ صحيح، ورويناه من طرق، ورواه جماعةٌ من الصحابة: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك ﵃. وفي بعض روايات البخاري: ((فصاحت النخلة صياح الصبي، فنزل ﷺ فضمها إليه، كانت تئن أنين الصبي الذي يسكت، قال: كانت تبكي على ما تسمع من الذكر عندها)) . وفي رواية: ((فلما جلس عليه، حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليها)) ، فلما كان من الغد رأيت قد حولت فقلنا: ما هذا، قال: جاء النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ فحولوها. تفرد بهذه اللفظة الزائدة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن جابر ﵁. وفي بعضها: ((فخار الجذع كما تخور البقرة حزناً على رسول الله ﷺ فالتزمه، وأمسكه، حتى سكن)) . وفي رواية أبي بن كعب ﵁: ((فأصغى إليه الجذع، فقال له: اسكن، ثم التفت فقال له: إن تشاء أن أغرسك في الجنة فيأكل منك الصالحون، وإن تشاء أن أعيدك رطباً كما كنت، فاختار الآخرة على الدنيا)) . فلما قبض رسول الله ﷺ دفع إلى أبي، فلم يزل عنده إلى أن أكلته الأرضة، رواه ابن أبي -واسمه الطفيل- عن أبيه. وفي رواية أنس ﵁: فلما قعد رسول الله ﷺ على المنبر خار الجذع خوار الثور، حتى ارتج المسجد لخواره، حزناً على رسول الله ﷺ، فنزل إليه رسول الله ﷺ من المنبر، فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه رسول الله ﷺ سكت. ثم قال ﷺ: ((والذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه ما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزناً على رسول الله ﷺ، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن)) ، أخرجه الترمذي. وفي رواية أنس ﵁ أيضاً: ((وأنا في المسجد، فسمعت الخشبة تحن حنين الولد، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكنت)) . وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ لمكانه من الله ﷿، فأنتم أحق من أن تشتاقوا إلى لقائه. حديثٌ حسنٌ عال. وروينا من حديث أبي كبشة السلولي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ((إن أتخذ منبراً فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم ﵇) . فصل ينبغي للزائر أن يشهد الصلاة كلها في مسجد رسول الله ﷺ، لما قدمناه من الحديث الوارد في فضل الصلاة فيه، وليحرص على المبيت في المسجد ولو ليلةً يحييها بالذكر، والدعاء وتلاوة القرآن، والتضرع إلى الله سبحانه، والحمد له، والشكر على ما أعطاه، وعلى أن يختم القرآن العزيز في المسجد لأثر ورد فيه. ويستحب له الخروج في كل يوم إلى البقيع لزيارة من فيه من سلف الأمة رضوان الله عليهم، سيما يوم الجمعة، وليكن ذلك بعد السلام على رسول الله ﷺ، فإذا انتهى إليه قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد. والأحاديث الواردة الثابتة في زيارته ﷺ أهل البقيع مشهورة، ولسنا نطول بإيرادها. وقد أخبرنا جدي ﵀، أخبرنا عمي ﵀، أخبرنا أبو المظفر ابن القشيري، أخبرنا أبو سعيد الجنزروذي، أخبرنا أبو عمرو المقرئ، أخبرنا أبو يعلى التميمي، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كانت ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) . رواه مسلم في ((صحيحه)) عن يحيى بن أيوب بن أبي زكريا البغدادي، وشريك هو ابن عبد الله بن أبي نمر. وفي رواية لمسلم: ((وإنا وإياكم متواعدون غداً ومؤجلون)) . قال الخطابي: فيه من الفقه: إن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم، وكذلك كل دعاءٍ بخيرٍ كقوله سبحانه: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ ، وكذلك ﴿سلام على نوحٍ في العالمين﴾ ، انتهى كلامه. وأما في الشر والذم، فيقدم الضمير على الاسم، كقوله سبحانه: ﴿وإن عليك لعنتي﴾ ، ﴿عليهم دائرةٌ السوء﴾ ، والسلام مشتقٌ من السلام، وهو اسم الله سبحانه، وسمي به لسلامته من العيوب والنقص. وقيل: معناه اسم السلام عليك، إذا كان اسم الله سبحانه يذكر على الأعمال توقعاً لاجتماع معاني الخيرات فيه وانتفاء عوارض الفساد عنه. وقيل معناه: إن الله مطلعٌ عليكم فلا تغفلوا. وقيل معناه: سلمت مني، فاجعلني أسلم منك. وقيل: هو مشتقٌ من السلامة بمعنى السلم. ويقال: السلام عليكم، وسلامٌ عليكم بحذف ألفه ولامه، ولم يرد في القرآن إلا منكراً غالباً، فأما في التشهد في الصلاة فيقال فيه معرفاً ومنكراً والظاهر الأكثر من مذهب الشافعي ﵀ أنه اختار التنكير. وأما السلام الذي يخرج به من الصلاة، فروى الربيع عنه أنه قال: أقل ما يكفيه أن يقول: السلام عليكم، فإن نقص من هذا حرفاً عاد فسلم، ووجهه أن يكون أراد بالسلام اسم الله سبحانه، فلم يجز حذف الألف واللام منه، وكانوا يستحبون أن يقولوا في الأول: سلام عليكم، وفي الآخر: السلام عليكم، وتكون الألف واللام للعهد، يعني السلام الأول. وأما قوله ﷺ -لما سلم عليه جابر بن سحيم فقال: عليكم السلام- قل: ((السلام عليك، فإن عليك السلام تحية الموتى)) ، فإنه أشار إلى ما جرت به عادتهم في المراثي، كانوا يقدمون ضمير الميت على الدعاء كقول الشماخ: عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق وقول الآخر: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما وإنما فعلوا ذلك؛ لأن المسلم على القوم يتوقع الجواب، وأن يقال له: عليك السلام. فلما كان الميت لا يتوقع له جواب، جعلوا السلام عليه كالجواب عنه، وليس المراد منه أن السنة في تحية الموتى أن يقول: عليكم السلام، لما قدمناه في الحديث. وقيل: أراد بالموتى كفار الجاهلية، وليس هذا الاستثناء باستثناء شك، لكنه جرى على عادة المتكلم يحسن به كلامه، كقول الرجل لأخيه: إن ائتمنتني لم أخنك إن شاء الله. وفيه دليلٌ على أن استعمال الاستثناء مستحبٌ في الأحوال كلها، وإن لم يكن في الأمر شك تبرؤا عن الحول والقوة إلا بالله، كما أخبر الله سبحانه عن أنبيائه، وكما علم نبيه محمداً ﷺ وعليهم أجمعين. وقيل: هو راجعٌ إلى استصحاب الإيمان إلى الموت، أي نلحق بكم مؤمنين إن شاء الله، ولا يرجع إلى نفس الموت. والأخبار والآثار في فضل مقبرة البقيع كثيرةٌ، سنوردها في أحاديث فضل المدينة إن شاء الله سبحانه. ويزور القبور الطاهرة: كقبر إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ، وقبر عثمان بن مظعون ﵁. روينا عن صالح بن قدامة قال: حدثني أبي أن رسول الله ﷺ دفن إبراهيم ﵇ إلى جنب عثمان بن مظعون ﵁. وقبره حذو زاوية دار عقيل بن أبي طالب، من ناحية دار محمد بن زيد. وروينا عنه أيضاً: أول ما دفن رسول الله ﷺ بالبقيع عثمان بن مظعون ﵁، فلما توفي ابنه إبراهيم ﵇. قالوا: يا رسول الله! فأين نحفر له؟ قال: ((عند قبر فرطنا عثمان بن مظعون)) . وقبر عبد الرحمن بن عوف أيضاً إلى جنب قبر عثمان بن مظعون ﵄. وكذلك يزور قبر الحسن بن علي، والعباس عم رسول الله ﷺ ﵄. وينوي زيارة قبر فاطمة رضوان الله عليها فقد روينا عن سعد بن محمد بن جبير قال: رأيت قبر الحسن بن علي بن أبي طالب، عند فم الزقاق الذي بين دار نبيه بذروان، وبين دار عقيل بن أبي طالب، وقيل لي: دفن عند قبر أمه ﵃. وكذلك قبر عقيل بن أبي طالب، وقبر عثمان بن عفان ﵄. ويزور قبر صفية عمة رسول الله ﷺ ﵂ فقد روينا عن جعفر بن محمد: أن قبر فاطمة رضوان الله عليها عند موضع المسجد الذي بالبقيع، وأن قبر صفية ﵂ عند موضع الوضوء الذي عند دار المغير بن شعبة، وأن قبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وجاه دار سعيد بن عثمان التي يقال لها: الزوراء. وينوي زيارة قبور أزواج النبي ﷺ فقد روينا عن محمد بن عبد الله بن علي قال: قبور أزواج النبي ﷺ ﵅، من خوخة نبيه إلى الزقاق الذي إلى البقال مستطيرة. وروينا عن إبراهيم بن علي الرافعي قال: حفر لسالم البانكي مولى محمد بن علي، فأخرجوا حجراً طويلاً، فإذا هو مكتوب: هذا قبر أم حبيبة رملة بنت صخر ﵂. وروى مالك بن أنس ﵁: أن زينب بنت جحش توفيت في زمان عمر ﵁، فدفنها بالبقيع وضرب على قبرها فسطاطاً ثلاثاً.