٩٤١١ - حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب، عن عروة بن الزبير: أن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لايريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة وكان الناس معه سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة، قال: وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر ابن سفيان الكعبي، فقال رسول الله ﷺ: هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لاتدخلها عليهم عنوة أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قد قدموا إلى كراع الغميم، فقال رسول الله ﷺ: ((لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فماذا تظن قريش والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة)) ، ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين من ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك بالجيش [تلك الطريق فلما رأت خيل قريش فترة الجيش] قد خالفوا عن طريقهم نكصوا راجعين إلى قريش فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت، فقال رسول الله ﷺ: ((ما خلأت وماهو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لاتدعوني قريش اليوم إلى خطه يسالوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها)) ، ثم قال للناس: ((انزلوا)) ، فقالوا: يارسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله ﷺ سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فيه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل ابن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشير بن سفيان فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يامعشر قريش، إنكم تعجلون على محمد وإن محمداً لم يأت لقتال إنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحقه، فاتهموهم، قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: وكانت خزاعة في عيبة رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لايخفون على رسول الله ﷺ[شيئاً] كان بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لايدخله أبداً علينا عنوة، ولايحدث بذلك العرب، ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأحنف أحد بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ((هذا الرجل غادر)) فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه رسول الله بنحو ماكلم به أصحابه. ثم رجع إلى قريش وأخبرهم بما قال لرسول الله ﷺ، قال: فبعثوا إليه الحلس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابش فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ((هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى في وجهه)) فبعثوا الهدى فلما رأى الهجد يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى فقال: يامعشر قريش قد رأيت مالايحل صده الهدى في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا: اجلس فإنما أنت أعرابي لاعلم لك، فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يامعشر قريش إني قد رأيت مايلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفتم أنكم والد وإني ولد وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي، فقالوا: صدقت ماأنت عندنا بمتهم فخرج حتى أتي رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فقال: يامحمد جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لاتدخلها عليهم عنوة أبداً وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، قال وأبو بكر الصديق خلف رسول الله ﷺ قاعد فقال: امصص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يامحمد؟ قال: ((هذا ابن أبي قحافة)) ، قال: أم والله لولا يد كانت لك عندي لكافئتك بها ولكن هذه بها ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فقرع يده ثم قال: امسك يدك عن رسول الله ﷺ، قبل والله لاتصل إليك، قال: ويحك ما أفظك وأغلظك، قال: فتبسم رسول الله ﷺ، قال: من هذا يامحمد؟ قال: ((هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة)) ، قال: اغدر وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس، قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ماكلم به أصحابه فأخبره أنه لم يأت يريد حرباً، قال: فقام رسول الله ﷺ وقد رأى مايصنع به أصحابه لايتوضا وضوءاً إلا ابتدروه ولايبسق بساقاً إلا ابتدروه ولايسقط من شعره شيء إلا أخذوه فرجع إلى قريش، فقال: يامعشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما والله مارأيت ملكاً مثل قط محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لايسلمونه لشيء أبداً، قروا رأيكم، قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة وحمله على جمل له يقال له: الثعلب فلما دخل مكة عقرت به قريش وارادوا قتل خراش فمنعتهم الأحابش حتى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يارسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي وليس بها من بني عدي أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكن أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان، قال: فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وأنه جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته فخرج عثمان حتى أتى مكة ولقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى إذا أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ماأرسله به رسول الله ﷺ، قال: واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين، أن عثمان قد قتل، قال محمد: فحدثني الزهري أن قريشاً بعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: أتى محمداً فصالحه ولايكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لاتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وأطالا الكلام وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر أوليس برسول الله ﷺ؟ أو لسنا بالمسلمين؟ أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلى مايعطي الذلة في ديننا، فقال: ياعمر الزم غرزة حيث كان، قال: أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: أولسنا بالمسلمين؟ أو ليسوا بالمشركين؟ قال: ((بلى)) ، قال: فعلى مايعطى الذلة في ديننا؟ قال: ((أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني)) ، ثم قال عمر: مازلت أصوم وأصلى وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيراً، قال: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال رسول الله ﷺ: ((اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم)) ، فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا ولكن أكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ: ((اكتب: باسمك اللهم، هذا ماصالح عليه محمد رسول الله، سهيل بن عمرو)) ، فقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن أكتب: هذا ماصالح عليه محمد بن عبد الله، وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن في الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتي قريشاً ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه وإن بيننا عيبة مكفوفة وإنه لا إسلال ولا إغلال وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم وإنك ترجع عنا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت بها ثلاثاً مع سلاح الراكب لايدخلها بغير السيوف في القرب فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انقلب إلى رسول الله ﷺ، قال: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد خرجوا وهم لايشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما يحمل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: يامحمد لقد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: ((صدقت)) فقام إليه فأخذ بتلابيبه، قال: وصرخ أبو جندل بأعلا صوته: يامعاشر المسلمين، أتردوني إلى أهل الشرك فتعينوني في ذنبي، قال: فزاد الناس شراً إلى مابهم، فقال رسول الله ﷺ: ((ياأبا جندل، اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهداً وإنا لن نغدر بهم)) ، قال: فوثب إليه عمر ابن الخطاب مع أبي جندل فجعليمشي إلى جنبه ويقول: ((اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب)) ، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه وبعدت القضية فلما فرغنا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم وهو مضطرب، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: ((يا أيها الناس انحروا واحلقوا)) ، قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد لمثلها، فما قام رجل ثم عاد لمثلها فما قام رجل فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة فقال: ((ياأم سلمة ماشأن الناس؟)) ، قالت: يارسول الله قد دخلهم ماقد رأيت فلاتكلمن إنساناً واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لايكلم أحداً حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق ثم قام الناس ينحرون ويحلقون، قال: حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح (١) . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي من حديث الزهري عن عروة عن المسور ومروان به، وفي كتاب الش هادات عنهما، عن أصحاب رسول الله ﷺ (١) .