من المدينةِ بعد ما تَرَجَّلَ، وادَّهن ولَبِسَ إزارَهُ ورداءهُ هو وأصحابُه، فلم يَنْهَ عن شئٍ من الأرديةِ تُلبَسُ إلا المزَعْفرَةَ التي تَرْدَع (٣) على الجلد (٤)، فأصبحَ بذي الحُليفةِ، رَكِبَ راحلتَهُ حتى استوى على البيدآءِ أهلَّ هو وأصحابهُ، وقلَّد بدنَتَهُ، وذلك لخمس بَقِينَ من ذى القعدةِ، فقدِمَ مكةَ لأربع خلونَ (٥) من ذى الحجَّةِ، فطافَ بالبيت وسعى بين الصَّفا والمروَةِ، ولمَ يحِلَّ من أجلِ بُدْنِه لأنه مُقلِّدها (٦)، ثم نزل بأعلى مكة عند الحَجُونِ وهو مُهلٌّ بالحجِّ، ولم يقرَب الكعبةَ بعد طوافِه بها حتى رجع من عَرَفَةَ، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبينَ الصفا والمروةِ، ثمَّ يُقصِّروا من رُؤسِهم ثم يَحِلَّوا، وذلك لمن لم يكن معهُ بَدَنة قلَّدَها ومن كانت معهُ امرأتُهُ فهيَ لهُ حَلالٌ والطِّيبُ والثيابُ. أبو داود (٧)، عن ابن عمر أن النبي ﷺ لَبَّد رأسَهُ بالعَسَل. ولمسلم (٨)، عن ابن عمر، أنَّ رجُلاً سألَ رسول الله ﷺ: ما يَلْبَسُ المحرمُ من الثيابِ؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا تلبَسُوا القُمُصَ ولا العَمَائِمَ، ولا السَّرَاويلَاتِ ولا البرانِسَ، ولا الخفافَ إلا أحَدٌ لا يجدُ النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهُمَا أسفل من الكعبين ولا تلبَسُوا من الثياب شيئاً مسَّهُ الزعفرانُ، ولا الوَرْسُ" (١). زاد الترمذي (٢) "ولاَ تنتقب المرأة الحَرَامُ ولا تلبس القفازين". وقال: حديث حسنٌ صحيح. مسلم (٣) عن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ وهو يخطُبُ يقولُ: "السَّروايِلُ، لمن لم يجد الإِزارَ، والخفَّانِ لمن لم يجد النعلينِ" يعني المحرم. أبو داود (٤)، عن سالم أن عبد الله يعني ابن عمر - كان يصنع ذلك -يعني قطع الخفين (٥) للمرأة المحرمِة- ثم حَدَّثَتْهُ صفية بنت أبي عبيد أنَّ عائشة حدثتها أن رسول الله ﷺ قد كان رخَّص للنساء في الخفين فترك ذلك. مسلم (٦)، عن يعلي بن أمية، أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعْرَانة قد أهلَّ بالعمرةِ وهو مُصَفِّرٌ لحيَتهُ ورأسَهُ، وعليه جُبَّة، فقال: يا رسول الله! إِنِّي أحرمتُ بعمرةٍ، وأنا كما ترى، فقال: "انْزِعْ عنك الجُبَّةَ، واغسل عنك الصفرة، وما كُنتَ صانعاً في حجك فاصْنَعْهُ (٧) في عُمرتِكَ". وفي طريق أخرى (١)، عليه (٢) جبة مُتَضَمِّخٌ بطيب. وفي أخرى (٣)، عليه جبة بها أثر من (٤) خلوق. وفي أخرى (٥)، فقال النبي ﷺ: "أما الطيب (٦)، فاغسله ثلاث مرات". زاد النسائي (٧)، "ثم أحْدِثْ إحراماً" قال: ولا أحسِبُهُ بمحفُوظٍ واللهُ أعلم، يعني هذه الزيادة. مسلم (٨) عن ابن عباس قال: وقَّت رسُول الله ﷺ لأهل المدينةِ، ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحُفةَ، ولأهل نجدٍ، قرناً (٩)، ولأهل اليمن يَلَمْلَم. قال: "فهنَّ لهم (١٠)، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهِنَّ ممن أراد الحج والعمرةَ، فمن كان دونهن فمن أهلِهِ، وكذا فكذلك (١١) حتى أهل مكة يُهِلُّونَ منها". وفي طريق أخرى (١٢)، "ومن كان دون ذلك، فمن حيث أَنْشأَ حتى أهل مكةَ، من مكة". زاد النسائي (١)، ولأهل العراقِ ذاتُ عرقٍ. خرجه من حديث عائشة، وقال فيه: ولأهل الشامِ ومِصْرَ جُحفةَ (٢). وعند البخاري (٣)، أن عمر بن الخطاب حدَّ لأهل العراق ذات عِرق. مسلم (٤)، عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال سمعتُ رسول الله ﷺ يُهْلُّ مُلَبِّداً (٥) (٦) يقول: "لبيكَ اللهمَّ لبيك، لبَّيكَ لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" لا يزيد على هؤلاء الكلمات. وإن عبد الله بن عمر كان يقول: كان رسول الله ﷺ يركَعُ بذى الحليفةِ ركعتين، ثم إذا استوتْ به الناقة قائِمةً عند مسجد ذي الحليفةِ، أهَلَّ بهؤلاءِ الكلماتِ. وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عُمر بن الخطاب يُهِلُّ بإِهلال رسول الله ﷺ -من هؤلاء الكلماتِ، ويقولُ: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديْك، والخير في يديك، والرَّغبَاءُ (٧) إليك والعملُ. النسائي (٨)، عن السائب بن خلاد، عن رسول الله ﷺ