جامع المسانيد لابن الجوزي

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
جامع المسانيد لابن الجوزي
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
الحديث السادس والتسعون بعد المائة عن أحمد عن عبد الرزاق بن همام الحميري عن معمر بن أبي عمرو الأزدي عن محمد بن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب القرشي عن حديث عائشة زوج

إذا أراد أن يَخْرُجَ سفرًا أقرعَ بين نسائه، فأيَّتُهنّ خرج سهمُها خرج بها رسول اللَه ﷺ معه. قالت: فأقرعَ بيننا في غزاةٍ غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجتُ مع رسول الله ﷺ وذلك بعدما أُنزل الحجاب، فأنا أُحْمَلُ في هودجي وأنزلُ فيه مسيرَنا، حتى إذا فَرَغ رسولُ الله من غزوه وقَفَلَ ودنوَنا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيش، فلما قضيتُ شأني أقبلْتُ إلى الرَّحل، فلَمَسْت صدري فإذا عِقدٌ من جَزْع ظَفارٍ (٣) قد انقطعَ، فرجعْتُ فالتمسْتُ عِقدي، فحبسَني ابتغاؤُه، وأقبل الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلون بي، فحملوا هَودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركبُ وهم يَحْسَبون أني فيه. قالت: وكانت النساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يُهَبِّلْهُنّ ولم يَغْشَهُنّ اللحمُ، إنما يأكلْن العُلْقة (٤) من الطعام، فلم يستنكر القومُ ثِقَلُ الهودج حين رَحَلوه ورفعوه، وكنتُ جارية حديثة السّنِّ، فبعثوا الجملَ وساروا، ووجدْتُ عِقدي بعدما استمرّ الجيش، فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيب، فيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه، وظَنَنْتُ أن القومَ سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غَلَبَتني عيني فنِمت. وكان صفوان بن المُعَطَّل السُّلَمِيّ ثم الذَّكواني قد عرّس وراء الجيش فادّلَجَ (١)، وأصبحِ عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرَفَني حين رآني، وكان يراني قبل أن يُضرب عليّ الحجابُ، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفَني، فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي. فواللَه ما كلَّمَني كلمة، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعه، حتى أناخَ في راحلته فوطِىء على يدها فرَكِبْتُها، فانطلقَ يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغِرين في نَحر الظهيرة. فهلَكَ من هَلَكَ في شأني، وكان الذي تولَّى كِبْرَه عبد الله بن أُبىَّ بن سَلول. فقَدِمْتُ المدينةَ، فاشتكيتُ حين قَدِمْنا شهرًا، والناسُ يُفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعُرُ بشيء من ذلك، وهو يَريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول الله ﷺ اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخلُ رسولُ الله ﷺ فيُسلِّمُ ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذاك يَريبُني ولا أشعُرُ بالشّرّ. حتى خَرَجْتُ بعدما نَقِهْتُ، وخَرَجَتْ معي أمُّ مِسْطَح قِبَلَ المَناصِع وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نخرُجُ إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبلَ أن نَتَّخذَ الكْنُفَ (٢) قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العرب الأُول في التنزّه، وكنا نتأذّى بالكُنُف أن نَتَّخِذَها عندَ بيوتنِا. فانطلقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَح وهي بنت أبي رُهْم بن المطّلب بن عبد مناف، وأُمُّها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصّديق، وابنُها مِسْطَح بن أُثاثةَ بن عبّاد بن المطّلب. وأقبلْتُ أنا وبنت أبي رُهم قِبَل بيتي حين فَرَغْنا من شأننا، فعَثَرَتْ أمّ مِسْطح في مِرْطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَح. قلت لها: بئسَ ما قلتِ، أَتَسُبّين رجلًا قد شَهِدَ بدرًا. قالت: أي هَنْتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قلتُ: وماذا قال؟ فأخبَرَتْني بقول أهل الإفك، فازدَدْتُ مرضًا إلى مرضي. فلمّا رَجَعْتُ إلى بيتي فدخل عليّ رسول الله ﷺ ثم قال: "كيف تِيكم؟ " قلتُ: أتأذنُ لي أن آتيَ أبويَّ؟ قالت: وأنا حينئذ أريدُ أن أتَيَقَّنَ الخبرَ من قِبَلِهما. فأذِن لي رسول الله ﷺ. فجئتُ أبويّ، فقلت لأُمّي: يا أُّمّتاه، ما يَتَحَدَّثُ الناس؟ فقالت: أي بُنَيّة، هَوِّني عليكِ، فوالله لَقَلّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجل يُحِبُّها ولها ضرائر، إلا أكْثَرْنَ عليها. قلتُ: سبحانَ الله! أوَ قد تحدَّثَ الناسُ بهذا؟ ! قالت: فبكيت تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكْتَحِلُ بنوم، ثم أصبحْت أبكي. فدعا رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب وأُسامهَ بن زيد حين استلبثَ الوحيُ يستشيرُهما في فِراق أهله، قالت: فأمّا أُسامة بن زيد فأشارَ على رسول الله ﷺ بالذي يعلمُ من براءة أهله، وبالذي يعلمُ في نفسه لهم من الوُدّ، فقال: يا رسول الله، هم أهلُك، ولا نعلمُ إلاّ خيرًا. وأما على بن أبي طالب فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ ﷿ عليك، والنساءُ سواها كثير، وإن تسألِ الجاريةَ تَصْدُقْك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بَريرةَ، فقال: "أي بريرة، هل رأيتِ من شيء يَريبُك من عائشه؟ " قالت له بريرة: والذي بعثَك بالحقِّ، إنْ رأيْتُ عليها أمرًا قطُّ أَغْمِصُه (١) عليها أكثر من أنّها جارية حديثة السِّنِّ، تنامُ عن عجين أهلها فتأتي الدّاجن (٢) فتَأكله. فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أُبيّ بن سلول. قالت: ف قال رسول الله ﷺ وهو على المِنبر: "يا معشر المسلمين، مَن يَعْذُرُني من رجل قد بلَغَني أذاه من أهل بيتي، فواللهِ ما عَلِمْتُ على أهلي إلاّ خيرًا. ولقد ذكروا رجلًا ما عَلِمْتُ عليه إلاّ خيرًا، وما كان يَدْخلُ على أهلي إلاّ معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أَعْذُرُكَ منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمَرْتَنا ففعلْنا أمرَك. قالت: فقام سعد بن عُبادة -وهو سيّد الخزرج- وكان رجلًا صالحًا، ولكن احْتَمَلَتْه (٣) الحَمِيّة، فقال لسعد بن معاذ: كَذَبْتَ لعمرُ الله، لا تقتلُه ولا تَقْدِرُ على قتله. فقام أُسيد بن حُضير وهو ابن عمّ سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عُبادة: كَذَبْتَ، لعمرُ الله لَنَقْتُلَنه، وإنّكَ منافق تُجادلُ عن المنافقين. فثار الحيّان الأوسُ والخزرجُ، حتى هَمُّوا أن يقتتلوا، ورسولُ الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يُخَفِّضُهم حتى سكتوا، وسكت. قالت: وبكيتُ يومي ذاك لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحِلُ بنوم، ثم بكيتُ ليلتي المقبلةَ لا يرقأُ لي دمع ولا أكتحلُ بنوم، وأبواي يظُنّان أن البكاء فالقٌ كبدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذَنَتْ عليّ امرأةٌ من الأنصار فأذِنْتُ لها، فجلست تبكي معي. فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ الله ﷺ فَسلَّمَ ثم جلس. قالت: ولم يجلسْ عندي منذُ قيل لي ما قيل، فقد لَبثَ شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهّدَ رسولُ الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعدُ يا عائشة، فإنّه قد بلَغَني عنكِ كذا وكذا. فإن كنت بريئةً فسَيُبَرِّئُك اللهُ ﷿، وإن كنتِ ألْمَمْتِ بذنب فاستغفري الله وتُوبي إليه، فإنّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبٍ ثم تابَ تابَ الله عليه" قالت: فلمّا قضى رسولُ الله ﷺ مقالتَه قَلَصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ عنّي رسول الله ﷺ فيما قال. فقال: والله ما أدري ما أقولُ لرسول الله ﷺ. قلتُ لأُمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ. فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت وأنا جاريةٌ حديثةُ السّنّ، لا أقرأُ كثيرًا من القرآن: إني والله قد عَرَفْتُ أنّكم قد سَمعْتُم بهذا حتى استقرّ في أنفسِكم وصدَّقْتُم به، ولئن قُلْتُ لكم إنّي بريئةٌ -والله يعلمُ أنيَ بريئةٌ- لا تصدّقوني. وإنّي والله ما أجدُ لي ولكم مَثَلًا إلاّ كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قالت: ثم تحوَّلْتُ فاضطجَعْتُ على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذٍ أعلمُ أني بريئةً، وأن الله ﷿ مُبَرِّئي ببراءتي، ولكن والله ما كُنتُ أظُنُّ أن يُنْزَلَ في شأني وحيٌ يُتلى، ولشأني كان أحقَرَ من نفسي من أن يتكلَّمَ اللهُ ﷿ فيَ بأمرٍ يُتْلَى، ولكنْ كنتُ أرجو أن يرى رسولُ الله ﷺ في النوم رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ ﷿ بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ من مجلسه، ولا خَرَجَ من أهل البيت أحدٌ حتى أنزلَ اللهُ ﷿ على نبيِّه، وأخذَه ما كان يأخذُه من البُرَحاء (١) عند الوحي، حتى إنّه لَيَتَحَدَّرُ منه مثلُ الجُمان من العَرَق في اليوم الشاتي، من ثِقَلِ القول الذي أُنزلَ عليه. قالت: فلمّا سُرِّيَ عن رسول الله ﷺ وهو يضحكُ، فكان أوّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال: "أبْشِري يا عائشة، أمّا الله ﷿ فقد برَّأكِ" فقالت لي أُمّي: قُومي إليه. فقلتُ: والله لا أقومُ إليه، ولا أَحْمَدُ إلا اللهَ ﷿، هو الذي أنزلَ براءتي. فأنزلَ اللهُ ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ... ﴾ عشر آيات [النور: ١١ - ٢٠] فأنزل الله ﷿ هذه الآياتِ براءتي. قالت: فقال أبو بكر- وكان يُنفق على مِسْطح لقرابته منه وفقره: والله لا أُنْفِقُ عليه شيئًا بعد الذي قال لعائشة. فأنزل اللهُ ﷿: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ... ﴾ إلى قوله ﴿ ... أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] قال أبو بكر: والله إنّي لأُحِبُّ أن يغفرَ الله لي. فرجعَ إلى مِسطح النفقةَ التي كان ينفقُ عليه. وقال: لا أنزِعُها منه أبدًا. قالت عائشة: وكان رسولُ اللَه ﷺ سأل زينبَ بنت جحش زوجَ النبيِّ ﷺ عن أمري: "ما عَلِمْت؟ " أو: "ما رأيتِ؟ " (١) قالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما عَلِمْتُ إلا خيرًا. قالت عائشةُ: وهي التي كانت تُساميني من أزواج النبيِّ ﷺ، فعصَمَها اللهُ ﷿ بالوَرَع. وطَفِقَتْ أُختُها حَمنة بنت جَحش تُحارب لها، فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرّهط. أخرجاه (٢). * طريق لبعضه: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا هُشيم قال: أخبرنا عمر ب ن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة قالت: لما نزل عُذري من السماء جاءَني النبيُّ ﷺ فأخبرَني بذلك، فقلتُ: بحمد الله لا بحمدك (٣). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا ابنُ أبي عديّ عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عَمرة عن عائشة قالت: لما نزلَ عُذري قامَ رسول الله ﷺ فذكر ذلك، وتلا القرآنَ، فلما نزلَ أمَرَ برجلين وامرأة فضُرِبوا حدّهم (١). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا بَهز قال: حدّثني إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: قال عروة: لم يُسَمَّ من أهل الإفك إلاّ حسّانُ بن ثابت ومسَطحُ بن أُثاثَة وحمنة بنت جحش، في ناسٍ آخرين لا عِلْمَ لي بهم، إلاّ أنّهم عُصبة (٢)، وكان كِبْرَ ذلك عبدُ الله بن أُبيّ، وكانت عائشة تكرهُ أن يُسَبَّ عندَها حسّان، تقول: إنّه الذي قال: فإن أبي ووالدَه وعِرضي ... لعِرْضِ محمّدٍ منكم وِقاءُ قال عروة: قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل (٣)، ليقول: سبحانَ الله، فوالذي نفسي بيده، ما كَشَفْتُ كَنَفَ أُنثى قطّ. قالت: ثم قُتلَ بعدَ ذلك في سبيل الله شهيدًا (٤).

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.