(٣): جلس إحدى عشرة امرأةً، فتعاهَدْنَ وتعاقَدنَ ألاّ يَكْتُمْنَ من أخبار أزواجهنّ شيئًا: قالت الأولى: زوجي لحمُ جَملٍ غَثٌّ، على رأس جبل (٤)، لا سهل فيُرْتَقى، ولا سمين فينتقل. قالت الثانية: زوجي لا أبُثُّ خبرَه، إنّي أخافُ ألاّ أذَرَه، إن أذكُرْه أذكرْ عُجَرَه وبُجَرَه. قالت الثالثة: زوجي العَشَنَّق، إن أنطِقْ أُطَلَّقْ، وإن أسكُتْ أعَلَّقْ. قالت الرابعة: زوجي كلَيل تِهامة، لا حَرَّ ولا قَرَّ، ولا مخافةَ ولا سآمة (٥). قالت الخامسة: زوجي إن دخل فَهِد، وإن خَرَجَ أسِد، ولا يُسْأَلُ عَمّا عهِد. قالت السادسة: زوجي إن أكل لَفّ، وإن شَرِبَ اشْتَفَّ، وإن اضطجع التفَّ. ولا يُولِجُ الكفَّ ليعلم البَثّ. قالت السابعة: زوجي عياياء -أو غياياء- طباقاء، كلُّ داءٍ له داء، شَجَّك أو فَلَّك، أو جمع كُلًّا لكِ. قالت الثامنة: زوجي المَسُّ مَسُّ أرنب، والرّيحُ ريح زَرْنَب. قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النِّجاد، عظيم الرّماد، قريبُ البيت من النادِ. قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟ مالكٌ خيرَ من ذلك، له إبلٌ كثيرات المبارك، قليلاتٌ المسارح، إذا سَمِعْنَ صوت المِزْهَر أيقنَّ أنهنّ هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زَرع، وما أبو زَرع؟ أَناسَ من حُلِىَّ أُذُنَيَّ، وملأَ من شحم عَضُدَيّ، وبجَّحَني فبَجِحْتُ إلى نفسي، وجدَني في أهل غُنيمهٍ بشِقّ، فجعلَني في أهل صَهيل وأطيط، ودائس ومُنَقٍّ، فعنده أقول فلا أُقَبَّح، وأرقُدُ فأتصبّح، وأشربُ فأتقَمَّح. وقال البخاري: فأتقنّح. قال: وقال بعضهم: أتقمح، وهو أصحّ. أمُّ أبي زَرع، فما أمُ أبي زَرع؟ عُكومُها رَداح، وبيتها فَساح. ابن أبي زرع، وما ابن أبي زرع، مَضْجَعُهَ كَمِسَلِّ شَطْبة، ويُشْبِعُه ذِراع الجَفْرة. ابنة أبي زرع، فما ابنهُ أبي زرع؟ طَوعُ أبيها وطَوعُ أمّها، وملءُ كسائها، وغيظ جارتها. جاريةُ أبي زرع، فما جارية أبي زرع، لا تَبُثُّ حديثنا تبثيثًا، ولا تنَقِّثُ مِيرتنا تنقيثًا، ولا تملأ بيتنا تعشيشًا. قالت: خرج أبو زرع والأوطابُ تُمْخَضُ، فلَقِىَ امرأةً معها ولَدان كالفهدين، يلعبان من تحت خَصرها برمّانتين، فطلَّقَني ونكَحَها، فنَكَحْتُ بعدَه رجلًا سَرِيًا، رَكِبَ شَرِيًّا، وأخذَ خَطِّيًّا، وأراحَ عليَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وأعطاني من كل رائحة زوجًا، وقال: كُلِي أمّ زرع ومِيري أهلَك. قالت: فلو جمعْتُ كل شيء مما أعطانيه ما بلغ أصغَرَ آنية أبي زَرع. قالت عائشة: فقال لي رسول الله ﷺ: "كنتُ لك كأبي زرع لأمّ زرع". أخرجاه (١). وفيه كلمات تُشكل، منها (١). الغَثّ: وهو المهزول. وإنما وَصفت قلّةَ خيره وبُعدَه مع القِلّة، كالشيء في قُلّة الجبل. الغجَر: أن ينعقد العصب أو العروق. والبُجَر كذلك، إلاّ أنها في البطن خاصّة. والعَشَنَّق: الطويل. وأعَلَّق، من قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. وليل تهامة طيّب، ليس فيه حَرّ ولا برد. واللَّفَّ في المطعم: الإكثار منه. والاشتفاف في الشرب: الاستقصاء. ولا يُولج الكفّ: أي لا يَمَسّ ما يسوءُ مَسّه. والعَياياء: الذي لا يضرب ولا يُلْقح. والطّباقاء: العَيِيّ الفَدْم. كلُّ داء له داء: أي جميع أدواء الناس فيه. ومعنى فَهِد: أي لا يتفقّد ما يذهب من ماله. والزّرنب: طِيب. وقولها: طويل النِّجاد: تَصِفُه بطول القامة. والمِزهر: العود. وبجَّحني: أي فرّحني ففرحت. وقولها: بشِقّ: أي بجَهد. والدائس والمنقّي: دائس الطعام ومُنَقّيه. وأتقمَّح: أشرب حتى أروى، وليس أتقَنّح محفوظًا. والعُكوم: الأحمال. والرّداح: العظام. والجَفرة: الأنثى من أولاد المعز. والتنقيث: الإسراع في السير، أي لا تأخذ الطعام فتذهب به. وقولها: يلعبان من تحت خصرها برمّانتين: أي هي ذات كِفْلٍ عظيم، فإذا استلقت نتأ الكِفل. والشَّرِيّ: الفرس. والخَطّيّ: الرمح. والثَّرِيّ: الكثير المال