حذيفة: أنتَ كنتَ تفعل ذاك؟ لقد رأيتنا مع رسول اللَّه ﷺ ليلةَ الأحزاب وأخَذَتْنا ريحٌ شديدة وقُرٌّ (٢)، ف قال رسول اللَّه ﷺ: "ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم جعلَه اللَّهُ ﷿ معي يوم القيامة؟ " فسكَتنا فلم يُجِبْه منّا أحد. فقال: "ألا رجلٌ يأتينا بخبر القوم جعله اللَّهُ معي يوم القيامة" فسكَتنا فلم يُجِبْه منّا أحد. ثم قال: "ألا رجلٌ يأتينا بخبر القوم جعلَه اللَّهُ ﷿ معي يوم القيامة" فلم يُجِبْه منّا أحد، فقال: "قُمْ يا حذيفة، فأْتِنا بخبر القوم" فلم أجدْ بُدًّا إنّ دعاني باسمي أن أقوم. قال: "اذهب" فأتِني بخبر القوم ولا تَذْعَرْهم عليَّ. "فلمّا ولَّيْتُ من عنده جعلتُ كأنَّما أمشي في حمَّام حتى أتَيْتُهم، فرأيتُ أبا سفيان يَصْلى (٣) ظهره بالنَّار، فوضعتُ سهمًا في كَبِد القوس فأردْتُ أن أرميَه، فذكرت قول رسول اللَّه ﷺ: "لا تَذْعَرْهم عليَّ" ولو رَمَيْتُهُ لأصَبْتُه. فرجعتُ وأنا أمشي في مثل الحمَّام، فلما أتيْتُه فأخبرْتُه خبرَ القوم وفَرَغْتُ قَرِرْتُ، فألبسَني رسول اللَّه ﷺ فَضْلَ عباءة كانت عليه يُصلّي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحْتُ، فلمّا أصبحْتُ قال: "قُمْ يا نَومانُ". انفرد بإخراجه مسلم (٤). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يعقوب قال: حدّثني أبي عن محمد بن إسحق قال: حدّثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القُرَظيّ قال: قال فتًى منّا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد اللَّه، رأيتُم رسولَ اللَّه ﷺ (١)؟ قال: نعم با ابن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: واللَّه لقد كُنّا نَجْهَدُ. قال: واللَّه لو أدْرَكْناه ما تَرَكْناه يمشي على الأرض، ولَجَعَلْناه على أعناقنا. فقال حذيفة: يا ابن أخي، واللَّه لقد رأيْتُنا مع رسول اللَّه ﷺ بالخندق، وصلَّى رسول اللَّه ﷺ من الليل هَوِيًّا، ثم التفتَ إلينا فقال: "مَن رجلٌ يقومُ فينظرُ لنا ما فعلَ القومُ يشرط له رسولُ اللَّه أن يَرْجعَ فيُدْخِلَه اللَّهُ الجنّة؟ " فما قام رجلٌ. ثم صلَّى رسول اللَّه ﷺ هَوِيًّا من الليل، ثم التفتَ إلينا فقال: "من رجلٌ يقومُ فينظرُ لنا ما فعل القومُ ثم يرجع، يَشرطُ له رسول اللَّه الرَّجعة، أسأل اللَّهَ ﷿ أن يكونَ رفيقي في الجنّة؟ " فما قام رجل من القوم مع شدّة الخوف وشدّة الجوع وشدّة البرد. فلمّا لَمْ يقم أحدٌ دعاني رسول اللَّه ﷺ، فلم يكن لي بدٌّ من القيام حين دعاني، فقال: "يا حذيفةُ، اذهبْ فادخلْ في القوم فانظرْ ما يفعلون، ولا تُحْدِثَنَّ شيئًا حتى تأتيَنا" قال: فذهبْتُ فدخلتُ في القوم، والريح وجنودُ اللَّه ﷿ تفعلُ ما تفعلُ، لا تُقِرُّ لهم قِدرًا ولا نارًا ولا بناء، فقام أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قُريش، لينظرِ امرؤٌ من جليسه. قال حذيفة: فأخذْتُ بيد الرجل الذي إلى جنبي فقلتُ: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشرَ قريش، واللَّه إنّكُم ما أصبَحْتُم بدار مقام، لقد هلكَ الكُراعُ، وأخْلَفَتْنا بنو قريظة، وبلغَنا عنهم الذي نَكْرَه، ولَقِينا من هذه الريح الذي تَرَون. واللَّهِ ما تطمئنّ لنا قِدْرٌ، ولا تقوم لنا نارٌ، ولا يستمسك لنا بناء، فارتَحِلوا فإنّي مرتَحِل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثبَ على ثلاث، فما أطلق عِقالَه إلَّا وهو قائم، ولولا عَهدُ رسول اللَّه ﷺ: "لا تُحْدِث شيئًا حتى تأتيَني" ثم شئتُ، لقَتَلْتُه بسهم. قال حذيفة: ثم رجعتُ إلى رسول اللَّه ﷺ وهو قائم يصلّي في مِرط لبعض نسائه مُرَحّل (٢)، فلمّا رآني أدْخَلَني إلى رَحله، وطرح عليه طرف المِرط، ثم ركع وسجدَ وإنِّي لَفيه، فلمّا سلَّم أخبَرْتُه الخبر. وسَمِعَتْ غطفانُ بما فعلت قريش فانشمروا إلى بلادهم (٣). (١٤٧٥) الحديث الحادي والخمسون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا حسن قال: حدّثنا ابن لَهيعة قال: حدّثنا ابن هُبيرة أنّه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: أخبرني سعيد أنّه سمع حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنّا رسولُ اللَّه ﷺ يومًا فلم يخرج حتى ظننّا أنّه لن يخرج، فلمّا خرج سجد سجدةٌ فظننّا أنَّ نفسَه قد قُبِضَتْ فيها، فلمّا رفع رأسه قال: "إنَّ ربّي ﷿ استشارَني في أُمَّتي، ماذا أفعل بهم. فقلْتُ: ما شئتَ أيْ ربِّ، هم خَلقُك وعبادُك. فاستشارَني الثانيةَ فقلتُ له كذلك. فقال: لا أُحْزِنُك في أُمَّتِك يا محمّد. وبشَّرَني أنّ أَوَّل من يَدْخلُ الجنَّةَ من أُمَّتي معي سبعون ألفًا، مع كلِّ ألف سبعون ألفًا، ليس عليهم حساب. ثم أرسل إليَّ فقال: ادْعُ تُجَبْ، وسَلْ تُعْطَ. فقلتُ لرسوله: أو معطِيَّ ربِّي سُؤلي؟ قال: ما أرسلَني إلَّا ليُعْطِيَك. ولقد أعطاني ربِّي ﷿ ولا فخرَ، وغفرَ لي ما تقدَّمَ من ذنبي وما تأخَّر وأنا أمشي حيًّا، وأعطاني ألَّا تجوعَ أُمَّتِي ولا تُغْلَبَ، وأعطاني الكوثرَ، فهو نهر في الجنّة يسيل في حوضي، وأعطاني العزَّ والنّصرَ والرُّعبَ يسعى بين يدَي أُمَّتِي شهرًا، وأعطاني أنِّي أَوَّلُ الأنبياء أَدخل الجنّة. وطيَّبَ لي ولأُمَّتِي الغنيمة، وأحلّ لنا كثيرًا ممّا شدَّدَ على مَنْ قبلنا، ولم يجعل علينا من حَرَج" (١).