لي بعضهم: قد أدركَتْني الحَيرةُ فيما أعتمدُ عليه من الكُتب، فإن اعتمدتُ على "موطّأ مالك" فقد فاته كثير من الأحاديث، وإنْ عوّلتُ على "مسند الإمام أحمد" رأيتُ الحديث الواحد يتكرّر فيه مرارًا، تارة باللّفظ والإسناد، وتارة بتغيير رجلٍ في الإسناد فحسب، مثل أن يقول: حدّثنا وكيع عن الأعمش. . .، فيسرد الحديث الطويل، ثم يقول: حدّثنا يزيد بن هارون عن الأعمش. . .، فيعيده بعينه. وتارة بتقطيع الحديث، فيؤتى ببعضه في مكان، وبكلّه في مكان. ثم قد فات "المسند" أحاديث لم تُذكر فيه أصلًا، مثل حديث أمّ زرع وغيره. قال: وإن اعتمدْتُ على "صحيح البخاريّ" فما يفي بكلّ الأحاديث، وكذلك "صحيح مسلم"، ثم قد ذكرَ هذا ما لم يذكر هذا، ثم إن البخاريّ يقطِّع الحديث على الأبواب، ويأتي في كلّ بابٍ بكلماتٍ منه يحتجّ بها، ويعيده في مواضع كثيرة، فقد ذكر حديث أبي سفيان وهرقل في عشرة مواضع (١)، وحديث الألف دينار التي رُميت في البحر في سبعة مواضع (٢). وفي "صحيح مسلم" تكرار، وفي كتاب "الترمذي" اقتصار، لأنه يذكر من الباب حديثًا واحدًا أو حديثين، وكذلك كتب "السنن". والجمعُ بين الكلّ يصعب، فكم قد ذهبت في ذلك أعمارُ المحدّثين، حتى إنّ أحدهم يسافر السّنين، ويصبِر على فراق الأهل وخشونة العيش، ويكتب في البلدان المختلفة الحديثَ الواحد من عشرين طريقًا وأكثر. ولَعَمري، إن هذا مطلوب، لكن يفوت به ما هو أهمّ منه، فكم بين محدّث جمع طرق قوله: "أسلمُ سالَمَها اللَّه، وغِفار غفرَ اللَّه لها" وبين من اقتصر من ذلك على طريق صحيح، وصرف باقي الزّمان إلى الفقه. ولقد فات أكثرَ المحَدّثين بطلبهم الشاذَّ والطُّرُقَ ما هو أهمّ من علوم الحديث والفقه، ثم قد حصل هذا المقصود بأقوام فرغوا منه (١) وبيّنوه، كيحيى بن معين وغيره من العلماء. قال: وإن تركْتُ الكُلّ فكيف يحسن بفقيه الّا يعرفَ حديث رسول اللَّه ﷺ، وكيف أعتمد على حديث أُفتي به ولا أدري (٢) من رواه، ولا أعلم صحّته من سُقمه. فلما رأيتُ صِدْقَ طلبه، سكَّنْتُ انزعاجه، وضَمِنتُ له حاجَه، وقلت له: سأختصر لك الطريق، وأسألُ اللَّه التوفيق. قال: فأخبِرني كيف تجمع هذا المتفرّق؟ وكيف تلفِّقُ المتمزّق؟ وصِفْ لي تَصنيفك لأعرف مغزاه، فأسلو عما سواه. فرأيتُ من شُكر النّعَم إجابة هذا الطالب بـ: نعم. * فصل: اعلم أنه قد كان كلام نبيّنا ﷺ يُحفظ ولا يُكتب، ثم رخّص لأصحابه أن يكتبوا لمّا كثرت الأحاديث، وأخذ العلماء في جمعها في الكتب وتصنيفها، واختلفوا في المبتدىء بتصانيف الكتب على ثلاثة أقوال: أحدها: عبد الملك بن جُرَيج (٣). والثاني الربيّع بن صَبيح (٤). والثالث سعيد بن أبي عَروبة (٥)، وأوّل من صنف مسندًا، وتبعه نُعيم بن حمّاد (٦)، ثم صُنِّفَت المسانيد. قال أبو عبد اللَّه الحاكم: أوّل (٧) من صنّف المسند على تراجم الرجال عُبيد اللَّه بن موسى العَبسيّ (١)، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسيّ (٢). قلت: وقد صنّف الحُميدي (٣) مسندًا لطيفًا (٤). ولم نَرَ مسندًا أجمعَ من مسند الإمام أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل، فإنَّه طاف الدنيا شرقًا وغربًا في طلب الحديث، وركب البحرَ، إلّا أن فيه أحاديث معلولة، والصحيحان قد سَلِما من ذلك، وكتاب الترمذي فيه أشياء ليست في هذه الكتب. فأنا أتقُل لك هذه الكتب الأربعة: مسند أحمد، وصحيح البخاريّ، وصحيح مسلم، والترمذي، لأنها الأصول، وهي تحوي جمهور حديث رسول اللَّه ﷺ، ولها العُلُوّ في الإسناد، وآتي بالحديث بأتمّ ألفاظه وأجودها في أيّها كان، وأحذف مكرّرها، الا أن يكون في التكرار زيادة حُكم فأكرّره لذلك. وقد أخرجت من المسند والترمذي أحاديث يسيرة لم تصلح، فوضعتُ بعضها في كتاب "الأحاديث الواهية" وبعضها في "الموضوعات". ومتى كان الحديث متّفقًا عليه بيّنت ذلك، أو انفرد به أحد الشيخين، أو كانت فيه كلمة غريبة أو معنى مُشكل. وربما طلبتَ حديثًا فلم تره، فاعلم أنه قد دخل في حديث طويل فلم أُعِده. فأما ما في هذه الكتب الأربعة من كلام الصحابة والتابعين فذلك باب يطول، وليس بغَرَضنا، إنما غَرَضُنا المسشد. على أنني قد تجوّزت بذكر بعضه. * فصل في فضائل هذه الكتب الأربعة: أما المسند: فإن أحمد كان يقول لابنه عبد اللَّه: احتفظ بهذا المسند، فإنّه سيكون للناس إمامًا. أخبرنا محمّد بن ناصر قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه قال: أخبرنا هلال بن محمّد قال: أخبرنا ابن السمّاك قال: حدّثنا حنبل بن إسحق قال: جَمَعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد اللَّه، وقرأ علينا المسند، وما سَمِعَه منه غيرُنا، وقال لنا: هذا الكتاب قد جمعتُه من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللَّه ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدْتموه فيه وإلا فليس بحُجّة (١). وأما كتاب البخاريّ: فهو أول من ابتدأ بلقب الصحيح، وعِلمه وحسن انتقاده لا يخفى. وأما صحيح مسلم: فإنّه قال: صنّفتُه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وكان أبو عليّ الحافظ النيسابوريّ يحلف باللَّه، إنّه ليس تحت أديم السماء أصحُّ من كتاب مسلم (٢). وأما كتاب الترمذي: فقال أبو إسماعيل عبد اللَّه بن محمّد الأنصاريّ: كتاب الترمذي أنفع عندي من كتاب البخاريّ ومسلم (٣). * فصل: ولما كان الاعتماد على هذه الكتب الأربعة، ذكرْتُ هاهنا إسنادَها لئلّا يُعاد في كلّ حديث. فأما مسند أحمد: فأخبرنا به أبو القاسم هبة اللَّه بن محمّد بن الحُصين الشّيباني، قال أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المُذهب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القَطيعي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن أحمد بن محمّد بن حنبل قال: حدّثني أبي. وفي المسند زيادات عن عبد اللَّه. وأما إسناد البخاريّ: فقد أخبرنا بجميع صحيح البخاريّ أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى بن شُعَيب السِّجزي (٤) قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمّد بن المظفّر الداودي قال: أخبرنا أبو محمّد عبد اللَّه بن أحمد بن حمّويه السّرخسي قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمّد بن يوسف بن مطر الفَرَبري قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه محمّد بن إسماعيل البخاريّ. وأما إسناد صحيح مسلم: فأخبرنا بصحيح مسلم أبو بكر محمّد بن عُبيد اللَّه بن نصر الزّاغوني (١) قال: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن بن القاسم الشاشي. وأخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن محمّد المروزي (٢) قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه محمّد بن الفضل بن أحمد الصاعدي قالا: أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمّد الفارسي قال: أخبرنا أبو أحمد محمّد بن عيسى بن عمرو بن الجَلودي قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن محمّد ابن سفيان النيسابوري قال: أخبرنا أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القُشيريّ. إلا في بعض الأحاديث، يقول أبو إسحق: قال مسلم. وأما جامع الترمذي: فقد أخبرنا بجميعه أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكَروخي (٣) قال: أخبرنا أبو عامر محمود بن القاسم الأزديّ وأبو بكر أحمد بن عبد الصمد الغُورجي قالا: أخبرنا أبو محمّد عبد الجبار بن محمّد المروزيّ قال: أخبرنا أبو العباس محمّد بن أحمد بن محبوب قال: أخبرنا أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي. * فصل: فإذا قُلنا: حدّثنا أحمد، فهو من مسنده. وإذا قُلنا: حدّثنا عبد اللَّه، فهو من زياداته. وإذا قلنا: حدّثنا البخاريّ، فهو من صحيحه. وإذا قلنا: حدّثنا مسلم، فهو من صحيحه. وإذا قلنا: حدّثنا الترمذي، فهو من جامعه. واسترحْنا من إعادة الإسناد، لأنّه إلى هؤلاء لا يختلف. وقد نَدَرَتْ أحاديث لم تكن في هذه الكتب، فذكرْتُها بأسانيدها (٤). * فصل: وقد رأيت أن أذكر هذا الكتاب على المسانيد، وأذكر المسانيد على حروف المعجم ليكون أسهل للطالب، إذ لو ذكرْناها على فضاثل الصحابة، أو على البلاد التي نزلوها، أو