النبي ﷺ: "إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَليدِ بِالْغَمِيمِ في خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ" فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فَأَلحَّتْ، فقالوا: خلأت القصواء فقال رسول الله ﷺ: "مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاء وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حابِسُ الْفِيلِ" ثم قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلْونَنِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إلَّا أَعْطَيْتُهُمُ إِيَّاهَا" ثُمَّ زجرها فوثَبت قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يُلَبِّثهُ الناس حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكان عَيْبَةَ نُصْح رسول الله ﷺ من أهل تِهَامَةَ، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ: "إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمْ الْحَرْبُ وَأضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَر إِنْ شَاؤُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ" فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتَّى أتى قريشًا قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته، يقول: قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ، فقام عروة بن مسعود: فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلَّحُوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: إلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطبة رشد، اقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فوالله إنى لأرى وجوها واني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا عنك ويدعوك، فقال له أبو بكر الصديق: أمصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أَجِزْكَ بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ، فلما تكلم كلمة أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أَخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر ألستُ أسعى في غَدْرتَكَ؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ: "أَمَّا الإِسْلَام فَأقْبَلُ وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهْ في شَيْءٍ" ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئِهِ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يَحِدُّون النظر إليه تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يُعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئهِ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني ائته، قالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ: "هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ" فَبُعِثَتْ له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له مِكْرَزٌ بْنُ حفص فقال: دعوني آتيه فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال رسول الله ﷺ: "هَذَا مِكْرَزٌ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ" فجعل يكلم النبي ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، قال عكرمة مولى ابن عباس: لما جاء سهيل قال النبي ﷺ: "قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ" رجع إلى الحديث قال: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال النبي ﷺ: "اكْتُب بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ" ثم قال: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ" فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ: "وَاللهِ إِنِّي لِرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ" قال: وذلك لقوله: "وَلا يْسأَلُنَنِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتَهُمْ إِيَّاهَا"، فقال له النبي ﷺ: "عَلى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ" فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخِذنا ضُغْطَةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك وإلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا، فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتَّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده عليّ، فقال النبي ﷺ: "إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ" قال: فوالله إذن لا أصالحك أبدًا على شيء، قال النبي ﷺ و: "فَأَجَزْهُ لِي" قال: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: بلى فافعل قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا ألا ترون ما قد لقيت، قال: وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله، قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: "بَلى" قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بَلى" قلت: فَلِمَ نُعْطِي الدنية في ديننا إِذًا؟ قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصر لي، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بَلى" قال: فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه وتُطوف به، قال: فأاتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال فَلِمَ نُعطى الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق، قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، قال: فأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه وتطوف به، قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا" قال: فوالله ما قام منهم رجل حتَّى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تُكلم أحدًا منهم كلمة حتَّى تنحر هديك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتَّى فعل ذلك نَحَر بُدْنَهُ ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل يحلق بعضهم بعضا حتَّى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا، ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتَّى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بَصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتَّى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تَمْرِ لهم فقال أبو بَصير لأحد الرجلين: إنى لأرى سيفك هذا جيدًا فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتَّى برد، وفر الآخر حتَّى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ: "لقد رَأَى هَذَا ذُعْرًا" فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، قال النب ي ﷺ "وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ" فلما سمع ذلك عرف أنَّه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيفَ البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل فلحق بأبي بَصير، فجعل لا يخرج أحد من قريش قد أسلم إلا لحق بأبي بَصير حتى اجتمعت معه منهم عصابة، فوالله ما يستمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوها وأخذوا أموالهم، وأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وكانت حميتهم أنهم لن يُقرّوا أنَّه نبي الله، ولم يقرؤوا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالوا بينه وبين البيت (١). وذكر أبو داود في هذا الحديث ولم يذكره بكماله أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عَيْبَةَ مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال (٢). مسلم، عن أنس في هذا الحديث قال: اشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله أتكتب هذا؟ قال: "نَعَمْ إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا" (٣). وعن البراء بن عازب قال: لما أحصرَ النبي ﷺ عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم فيها ثلاثًا، ولا يدخلها إلا بجُلُبَّانِ السلاح السيف وقرابه، ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع أحدًا يمكث بها ممن كان معه قال لعلي: "اكْتبُ الشَّرْطَ بَيْنَنَا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ" ﷺ فقال له المشركون: لو نعلم أَنك رسول الله ما منعناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فأمر عليًا أن يمحوها، فقال علي: لا والله لا أمحاها فقال رسول الله ﷺ: "أَرِنِي مَكَانَهَا" فأراه مكانها فمحاها، فكتب ابن عبد الله، أقام بها رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث قال لعلي: هذا آخر يوم من شرط صاحبك فأمره فليخرج، فأخبره بذلك فقال: "نَعَمْ" فخرج (٤). أبو داود، عن نعيم بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما، يعني لرسولي مسيلمة حين قرأ كتاب مسيلمة: "مَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ " قالا: نقول كما قال قال: "أَمَا وَاللهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقكُمَا" (١). وذكر أبو داود في المراسيل عن الحسن قال: أمر النبي ﷺ أن يقاتل العرب على الإسلام ولا يقبل منهم غيره، وأمر أن يقاتل أهل الكتاب على الإسلام لا يقبل منهم غيره، فإن أبوه فالجزية (٢). ومراسيل الحسن من أضعف المراسيل. وذكر أبو داود أيضًا من طريق قشِير بن عمرو عن بجالة بن عبدة عن ابن عباس قال: جاء رجل من الأسيْدِيِّينَ من أهل البحرين -وهم مجوس هجر- إلى رسول الله ﷺ، فمكث عنده ثم خرج، فسألته ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شر، فقلت: مَهْ، فقال: الإسلامُ أو القتلُ، قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن فتركوا ما سمعت من الأسيدي (٣). إسناد حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية هو الصحيح، وهو ما ذكر البخاري عن بجالة بن عبدة قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة، فَرِّقُوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر (٤). وعن عمرو بن عوف أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة إلى البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبا عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الصبح مع النبي ﷺ، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له فتبسم النبي ﷺ حين رآهم وقال: "أَظنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَة قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ" قالوا: أجل يا رسول الله، قال: "فَأَبَشِرُوا وَأَمِّلُوا فَوَاللهِ لَا الْفِقْر أَخْشَى عَلَيْكُنم وَلَكِنِّي أَخْشى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" (١). أبو داود، عن ثابت بن سعيد بن أبيض بن حَمَّال عن أبيه عن جده أبيض بن حمَّال أنه كلم رسول الله ﷺ في الصدقة حين وفد عليه، فقال: "يَا أَخَا سَبَأٍ لَا بُدَّ مِنْ صَدَقَةٍ" فقال: إنما زرعنا القطن يا رسول الله وقد تبددت سبأ، ولم يبق منها إلا قليل بمأرب، فصالح رسول الله ﷺ على سبعين حلة من قيمة وفاء بَزِّ المعافر كل سنة عمن بقي من سبأ بمأرب، فلم يزالوا يؤدونها حتَّى قبض رسول الله ﷺ، وكان [إن] العمال انتقضوا عليهم بعدما قبض رسول الله ﷺ فيما صالح أبيض بن حمال رسول الله ﷺ في الحلل السبعين، فرد ذلك أبو بكر على ما وضعه رسول الله ﷺ حتَّى مات أبو بكر، فلما مات أبو بكر انتقض ذلك وصارت على الصدقة (٢). لا يحتج بإسناد هذا الحديث فيما أعلم؛ لأن سعيد لم يرو عنه فيما أدري إلا ثابت، وثابت مثله في الضعف. أبو داود، عن معاذ أن النبي ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم يعني محتلم دينارًا أو عدله معافر ثياب تكون في اليمن (٣). تقدم الكلام على هذا الحديث في الزكاة. النسائي، عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى عليِّ، فقلنا: هل عهد إليك نبي الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إِلا في كتابي هذا، فأخرج كتابًا من قراب سيفه فإذا فيه: "الْمُومِنُونَ تَتَكافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعى بذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلى نَفْسِهِ أَوْ آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (١). وقال البخاري في هذا الحديث: "ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ" (٢). أبو داود، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ بنحو حديث النسائي وزاد فيه: "وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَيَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلى مُضْعِفِهِمْ وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ" (٣). البخاري، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي عليٌّ أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" (٤). مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيه كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" (١). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةِ" (٢). وفي حديث ابن عمر "فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ" (٣). الترمذي، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أَلَا مَنْ قَتلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُولهِ فَقَدْ أَخْفَرَ بِذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يُرِيحُ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٤). قال: هذا حديث حسن صحيح. مسلم، عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت وأبي حُسَيْلٌ قال: فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتلُ معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: "انْصَرِفَا نَفي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ" (٥). أبو داود، عن أبي رافع قال: بعثني قريش إلى رسول الله ﷺ، فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، قال رسول الله ﷺ: "إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ، وَلَكِنِ ارْجِعْ فَإِنْ كَانَ في نَفْسِكَ الَّذِي في نَفْسِكَ الآنَ فَارْجِع" قال: فذهبت ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت (١). قال أبو داود: وكان هذا في الزمان الأول وأما اليوم فلا يصلح. وعن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتَّى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاءٌ لا غدرٌ، فنظروا فاذا عمرو بن عَبَسَةَ، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَشُدُّ عُقْدَهُ وَلَا يَحُلُّها حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يُنْبِذَ إِلَيْهِمُ عَلَى سَوَاءٍ" فرجع معاوية ﵀ (٢). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الإِيمَانُ قَيْدَ الْفَتْكِ" (٣). سفيان الثوري عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا ما حولها دَيْرًا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوسًا ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركًا ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتسموا بأسماء المسلمين، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجًا ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يتخذوا شيئًا من سلاح، ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا