. وإنما كان يعدل في هذه الحالة إلى الكلام على الرواة، وسأفرد في آخر الكتاب معجمًا أجمع فيه -إن شاء الله- كل ما وقع في الكتاب من جرح أو تعديل للرواة. ولما كان استقصاء كل ما قيل في الراوي من جرح أو تعديل يؤدي إلى تضخم حجم الكتاب جداً؛ فقد حرص الحافظ الضياء على أن يذكر ما يبين حال الراوي من حيث القبول أو الرد في أقل الكلمات؛ سواءً نقل ذلك من كلام الأئمة، أم قاله من قِبَل نفسه. لم يكن الحافظ الضياء ليقبل قول كل أحد في الرواة، بل كان يجمع كلام الأئمة في الراوي ويقارن بينه فيقبل المعتبر منه، ويرد ما يخالفه، وربما ناقش بعض الأئمة في قوله بما يظهر قوة الحافظ الضياء العلمية وسعة اطلاعه؛ فمثلاً قال الحافظ الضياء (٥٢٥٨): مبارك بن حسان وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي الموصلي، قال الخطيب أبو بكر: حدثني محمد بن صدقة الموصلي أن أبا الفتح وضع حديثًا، وكان يضعفونه. قال الحافظ الضياء: فكيف يُقبل قول من هذا حاله؛ وقال الحافظ الضياء (٨٢٠): الوليد بن عبد الله بن جميع قال أبو حاتم ابن حبان: لا يحتج به. وقل: قال يحيى بن معين ثقة، وقال الإمام أحمد: ليس به بأس. وكذلك قال أبو زرعة، وقال أبو حازم الرازي: صالح في الحديث. ورواه م في صحيحه، وهؤلاء أعرف من ابن حبان، والله أعلم. إذا تكرر ذكر الراوي الواحد في الكتاب مرتين أو مرات فإما أن يقول الحافظ الضياء في الموطن الثاني منهما "وتقدم الكلام فيه" أو نحوها، وإما أن يذكر بعض ما قيل فيه في الموطن الثاني، وربما أطال في أحد المواضع أكثر من غيره؛ لذلك فجمع كلام الحافظ الضياء على الراوي الواحد من كل المواضع التي يذكره فيها في غاية الأهمية والإفادة، واللَّه أعلم. وقد كان الحافظ الضياء أحيانًا يطلق ألفاظًا مثل "تُكلم فيه" أو"متكلم فيه" أو"فيه كلام" ويريد بذلك مطلق الكلام في الراوي؛ فربما كان الكلام شديدًا وربما كان غير ذلك، فعليك في هذه الحالة بمراجعة المطولات، ولم يكن من سبيل لتفصيل مثل هذا الكلام في الهوامش؛ لأن به يطول التكاب جدًّا، فأحلت القارئ على الكتاب المطولات مثل "تهذيب الكمال"؛ فربما يجمع الحافظ الضياء بين رجلين ويقول "فيهما كلام" فإذا بحثت وجدت أحدهما متكلمًا في حفظه، ووجدت الآخر متكلمًا في عدالته. سكت الحافظ الضياء عن بعض الأحاديث فلم يتكلم عليها بتصحيح ولا تضعيف، وكثير من هذه الأحاديث قد قواه الضياء نفسه بإيراده في كتابه "الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما" وقد حرصت على الربط بين الكتابين "الأحكام" و"المختارة" فخرجت كل حديث ذكره الضياء في "الأحكام" وذكره في "المختارة" من "المختارة" وعزوته إليها، فظهر الترابط الكبير بين الكتابين؛ فإنك ربما وجدت حديثًا في المختارة قد تكلم عليه الحافظ الضياء في "الأحكام"، وربما وجدته سكت عليه في "الأحكام" وتكلم عليه في "المختارة". ربما ذكر الحافظ الحديث الواحد في موضعين فتكلم عليه في أحد الموضعين وسكت عليه في الموضع الآخر؛ كحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المسلم ليس بنجس حيًّا ولا ميتًا" ذكره الحافظ الضياء في الطهارة رقم (٤٣) وقال: وإسناده عندي على شرط الصحيح. وذكره في الجنائز رقم (٢٨٠٤) وسكت عليه. وحديث أنس "أن يهوديًّا دعا رسول الله ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه" ذكره الحافظ في موضعين: في الطهارة رقم (٧٧) وفي الهدايا رقم ()، وقال في الموضع الأول: "إسناده على شرط م" وسكت عليه في الموضع الثاني. وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "أُعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمة قبلهم … "، وفيه: "ويغفر لهم في آخر ليلة. قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؛ قال: لا، ولكن العامل إنما يُوفى أجره إذا قضى عمله". ذكره في الصيام رقم (٣٤٨٢) وسكت عليه، وذكره في البيوع رقم (٥٠٠٣) وضعفه بهشام بن أبي هشام. ربما ذكر الحافظ الضياء بعض أحاديث الباب وأشار إلى باقي أحاديث الباب؛ كما ذكر حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي … " الحديث (٩٣٣)، وذكر حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "فُضلت على الأنبياء بست … " الحديث (٩٣٤) ثم قال: "وقد رُوي نحو هذا عن علي وحذيفة وأبي ذر وأبي أمامة وأبي موسى وابن عمر وابن عباس وابن كعب وأنس بن مالك والسائب بن يزيد ﵃ أجمعين" (¬١). ربما أحال الحافظ الضياء على حديث ذكره في باب آخر، سواءً كان هذا الحديث تقدم -وهو الغالب- أم سيأتي. أشار الحافظ الضياء إلى الجمع بين الأحاديث التي يُتوهم التعارض بينها في الظاهر، كما في الأحاديث (٢١٩، ٥٤٦، ٨١٩، ١٨٢٩، ٤٥٦٨). ربما أطال الحافظ في توجيه بعض الروايات وبيان وجهها، مثل الأحاديث (٦٣٥، ٧٧٠، ١٧٠٥). زيَّن الحافظ الضياء كتابه ببعض الفوائد الأصولية والحديثية واللغوية وغيرها كقوله: "وتفسير الصحابة كالمسند؛ لأنهم شاهدوا التنزيل، والله أعلم" (٤٤٣). "هذا من رواية الصحابة عن التابعين" (٤٦٦). "قيل: العصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف" (٣٨١). "قد روى مسلم بهذا الإسناد نحوًا من أربعة عشر حديثًا" (٨٠٥). "الجط: ماء في طريق البصرة". هذه هي المعالم الرئيسية لمنهج الحافظ الضياء في كتاب "الأحكام" واللَّه ﷾ أعلم. الفصل الرابع مصادر كتاب "الأحكام" لقد تنوعت مصادر كتاب "الأحكام" تنوعًا كبيرًا، ويمكن تقسيم هذه المصادر إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول: مصادر النصوص: الأحاديث والآثار. القسم الثاني: مصادر التعليق على هذه النصوص. أما مصادر الأحاديث والآثار فهي كتب معروفة مصرح بأسماء أكثرها في الكتاب، أما مصادر التعليق على هذه الأحاديث والآثار، فإن بعضها معروف مصرح به، وكثير منها لا يمكن تحديده بدقة، بمعنى أن الحافظ الضياء ينقل عن عدد كبير من الأئمة تعليقات على الأحاديث والآثار؛ لا يمكن تحديد مصادر بعض هذه التعليقات تحديدًا دقيقًا؛ لذلك رأيت أن أرتب هذه المصادر على أسماء الأئمة النقاد الذين نقل الحافظ الضياء عنهم، مع الاعتراف أن بعض هؤلاء الأئمة ليس لهم كتب، إنما ينقل الحافظ الضياء كلامهم بواسطة كتب أخرى، واللَّه أعلم. أولاُ: مصادر الأحاديث والآثار: وهي مصادر النصوص التي بُني عليها الكتاب، ومن أجلها أُلِّف، وتنقسم هذه المصادر إلى قسمين أيضًا، هما: أ- مصادر الأحاديث والآثار المسندة. ب- مصادر الأحاديث والآثار التي ذكرها الحافظ الضياء بغير إسناده. فأما مصادر الأحاديث والآثار التي رواها الحافظ الضياء بإسناده فلم يُصرح