وعلى آله وصحبه صلاة دائمة من غير انقطاع ولا انعدام، ثم بيَّن الداعي إلى تأليف الكتاب، ثم أشار إلى بعض الخطوط العريضة في منهج تأليفه للكتاب، ثم ختمها باستمداد العون من الله تعالى، وسأل الله أن يجعله خالصًا وأن ينفع به؛ فقال: "وبالله التوفيق والعون، وأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك خالصًا لوجهه، وأن ينفعنا به ومن كتبه أو سمعه أو قرأه أو نظر فيه بفضله وكرمه؛ إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل". انتقى الحافظ الضياء لكتابه من الأحاديث النبوية ألوفًا -انتقاء حافظ جهبذ واسع الاطلاع، وفقيه بارع محيط بالأحكام- من كتب الأئمة المشهورين والحافظ المصنفين كـ: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم -سيأتي بيانهم في الفصل التالي. لم يرد الحافظ الضياء استقصاء أحاديث الأحكام، بل في كتاب "الأحاديث المختارة" أحاديث كثيرة في الأحكام لم يذكرها الحافظ الضياء في كتاب "الأحكام"، والله أعلم. رتب الحافظ الضياء كتابه على الموضوعات الفقهية، فقسم هذه الأحاديث إلى كتب فقهية، وهي: كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الجنائز، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الاعتكاف، كتاب الحج، كتاب البيوع، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب العتق، كتاب النكاح، كتاب الجنايات، كتاب الجهاد. ربما قسم بعض هذه الكتب إلى كتب فرعية فذكر مثلاً في كتاب الطهارة: كتاب التيمم، وكتاب الحيض، وذكر في كتاب الصلاة: كتاب الجمعة، وكتاب العيدين، وكتاب الكسوف، وكتاب الاستسقاء، وذكر في كتاب النكاح: كتاب الطلاق وكتاب اللعان، وكتاب النفقات. قسم بعد ذلك كل كتاب من هذه الكتب إلى أبواب فرعية -فأحسن التبويب وأجاد الترتيب- تقل هذه الأبواب وتكثر على حسب الأحكام الفقهية الفرعية في هذا الكتاب، وهذا بيان بتعداد الأبواب الفقهية لكل كتاب: كتاب الطهارة: (٢٠٣) باب، كتاب الصلاة (٥٣٩) بابًا، كتاب الجنائز (٦٣) بابًا، كتاب الزكاة (٦٣) بابًا، كتاب الصيام (٧٨) بابًا، كتاب الاعتكاف (٣) أبواب، كتاب الحج (١٤٤) بابًا، كتاب البيوع (١٢٩) بابًا، كتاب الوصايا (١٣) بابًا، كتاب الفرائض (١٩) بابًا، كتاب العتق (٢٢) بابًا، كتاب النكاح (١٢٤) بابًا، كتاب الجنايات (٩١) بابًا. يختلف حجم الأبواب باختلاف عدد الأحاديث الواردة في كل باب قلة وكثرة، وقد رتب الحافظ الضياء الأحاديث في الأبواب الكبيرة ترتيبًا بديعًا، فذكر الأحاديث المتفق عليها أولاً، ثم ما رواه البخاري منفردًا بن عن مسلم، ثم ما رواه مسلم منفردًا به عن البخاري، ثم ما رواه غيرهما، وهذا هو منهجه في أغلب الكتاب، ولم يكن يقدم أحاديث غير الصحيحين على أحديثهما إلا إذا كانت أحاديث غير الصحيحين أوضح في الدلالة على حكم الباب من أحاديث الصحيحين، فراعى الحافظ الضياء ﵀ قوة الأسانيد وقوة الدلالة في ترتيب أحاديث الباب الواحد، واللَّه أعلم. بعد أن يبوب الضياء الباب المناسب للحديث ينقل الحديث من كتب الأصول بغير إسناد -كما ذكر في مقدمة كتابه- محافظًا محافظة دقيقة على لفظ الحديث، فإن تصرف فيه باختصار أو نحوه ذكر ذلك، ثم يعزو الحديث إلى الأصل الذي نقله منه، فإن عزا الحديث لأكثر من كتاب نبَّه على أن هذا لفظ فلان في الغالب وربما نبَّه على اختلاف الألفاظ كما قال في مقدمة الكتاب: "وربما جاء الحديث الواحد بألفاظٍ كثيرةٍ، فربما اقتصرت على رواية بعض الأئمة وذكرت أن ذلك لفظه، وربما نبهت على بعض الألفاظ". إن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما لم يذكر له راويًا غيرهما؛ لأن المقصود صحة الأخبار؛ كما قال في مقدمة الكتاب، لكن إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما وفي رواية غيرهما زيادة فائدةٍ أو حكم نبَّه على ذلك. وقد كان الحافظ الضياء يعمل على أطراف الصحيحين، وذكر "أطراف" أبي مسعود الدمشقي في كتابه عدة مرات، وذكر "الجمع بين الصحيحين" للحميدي عدة مرات، وربما استدرك عليهما بعض الألفاظ. إن كان الحديث في السنن الأربعة فإن الحافظ الضياء ﵀ يستوفي العزو إليها مستخدمًا في ذلك طريقته المعروفة في العزو على أطراف الحديث -وهذه الطريقة تظهر جلية في كتابه "المختارة"؛ لأنه كتاب مسند- فبتتبعي لتخريج أحاديث الكتاب وضح لي جليًّا أن الحافظ الضياء يعمل على طريقة كتب الأطراف، بمعنى أن الحديث قد يكون مرويًا عن الصحابي الواحد من عدة طرق فإذا قال الحافظ الضياء: "رواه فلان وفلان" فهذا يعني: اتحاد الطريق -في الغالب الأعم- وهذه الطريقة طريقة علمية منهجية دقيقة، وظني أن الحافظ الضياء كان يستخدم كتاب "الإشراف على معرفة الأطراف" للحافظ أبي القاسم بن عساكر؛ وذلك لأني وجدت بعض الأحاديث التي استدركها الحافظ أبو الحجاج المزي في كتابه "تحفة الأشراف" من بعض الكتاب على الحافظ ابن عساكر، ونبَّه أن ابن عساكر لم يذكرها، هي مما يُستدرك على الحافظ الضياء أيضًا (¬١)، واللَّه أعلم. وكذلك مما يلفت الانتباه في هذا الكتاب دقة العزو إلى مسند الإمام أحمد، فمع ضخامة حجم المسند، وصعوبة استخراج الأحاديث منه خصوصًا في مسانيد الكثرين من الصحابة -ومع علمي بعدم وجود ترتيب للمسند، ولا أطراف مرتبة ولا فهارس (¬٢) إلى زمن الحافظ الضياء- فإن عزو الحافظ الضياء للمسند كان في غاية الدقة حتى يخيل إليك أنه كان يحفظ مسند الإمام أحمد، أو أنه كان قد رتبه لنفسه، واللَّه أعلم. قد يكرر الحافظ الحديث الواحد في أكثر من مواضع لتعدد دلالته. ربما ذكر الحافظ بعض الأحاديث بأسانيدها من الكتب التي روتها، مثل الأحاديث (٢٣٢، ٨٦١، ١٧٠٦، ٥٠٧٥). إذا لم يكن الحديث في الكتب المشهورة ووقع للحافظ الضياء بإسناده فإنه يرويه بإسناده هو، كما قال في مقدمة الكتاب: "فإن جاء حديث لم يكن في هذه الكتب ذكرته بإسنادٍ إن وقع لي" وقد أفردت أطراف هذه الأحاديث التي رواها الضياء بإسناده في آخر الكتاب. إذا ذكر المؤلف حديثًا من خارج الصحيحين وكان لمن خرجه من الأئمة كلام على الحديث تصحيحًا وتضعيفًا أو على رواته توثيقًا وتجريحًا فإن الحافظ الضياء ينقله عقب الحديث؛ فنقل الضياء أغلب كلام الترمذي على الأحاديث التي ذكرها