لِي رَجُلٌ بِالشَّامِ: عِنْدَنَا رَجُلٌ مِنَ الْعِبَادِ مِنْ أَهْلِ وَاسِطِ الْعِرَاقِ لا يَأْكُلُ إِلا مِنْ كَدِّ يَدِهِ وَقَدْ دَبِرَتْ مِنْ سَفِّ الْخُوصِ صَفْحَةُ يَدَيْهِ , وَلَوْ رَأَيْتَهُ لَوَقَذَكَ النَّظَرُ إِلَيْهِ , فَهَلْ لَكَ أَنْ تَمْضِيَ بِنَا إِلَيْهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ , فَأَتَيْنَا فَدَقَّقْنَا عَلَيْهِ بَابَهُ , فَخَرَجَ إِلَى الْبَابِ , فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِمَّنْ جَاءَ لِيَشْغَلَنِي عَمَا أَتَلَذَّذُ بِهِ مِنْ مُنَاجَاتِكَ. ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ , فَدَخَلْنَا , فَإِذَا رَجُلٌ تَرَى بِهِ الآخِرَةَ , وَإِذَا قَبْرٌ مَحْفَوُرٌ , وَوَصِيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ قَدْ كَتَبَهَا فِي الْحَائِطِ , وَكَسَاؤَهُ قَدْ أَعَدَّهُ لِكَفَنِهِ , فَقُلْتُ: أَيُّ مَوْقِفٍ لِهَذَا الْخَلْقِ؟ فَقَالَ بَيْنَ يدِي: مَنْ قَالَ؟ ثُمَّ صَاحَ , وَخَرَّ لِوَجْهِهِ , ثُمَّ أَفَاقَ مِنْ غَشْيَتِهِ , فَقَالَ لَهُ صَاحِبِي: يَا أَبَا عَبَّادٍ هَذَا أَبُو السَّرِيِّ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ , فَقَالَ لِي: مَرْحَبًا يَا أَخِي مَا زِلْتُ إِلَيْكَ مُشْتَاقًا , أُعْلِمُكَ أَنَّ بِيَ دَاءً قَدْ أَعْيَا الْمُتَطَبِّبِينَ قَبْلَكَ قَدِيمًا , فَهَلْ لَكَ أَنْ تَتَأَتَّى بِرِفْقِكَ وَتَلْصِقَ عَلَيْهِ بَعْضَ مَرَاهِمِكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِكَ , قَالَ: قُلْتُ: وَكَيْفَ يُعَالِجُ مِثْلِي مِثْلَكَ وَجُرْحُي أَثْقَلُ مِنْ جُرْحِكَ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ كَذَاكَ فَإِنِّي مُشْتَاقٌ مِنْكَ إِلَى ذَلِكَ , قَالَ: قُلْتُ: لَئِنْ كُنْتَ تَمَسَّكْتَ بِاحْتَفَارِ قَبْرِكَ فِي بَيْتِكَ , وَبِوَصِيَّةٍ رَسَمْتَهَا بَعْدَ وَفَاتِكَ , وَبِكَفَنٍ أَعْدَدْتَهُ لِيَوْمِ مَوْتِكَ , فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا اقْتَطَعَهُمْ خَوْفُهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى قُبُورِهِمْ , قَالَ: فَصَاحَ صَيْحَةً وَوَقَعَ فِي قَبْرَهِ , وَجَعَلَ يَفْحَصُ بِرِجْلِهِ وَبَالَ فَعَرَفْتُ ذَهَابَ عَقْلِهِ , فَخَرَجْتُ إِلَى طَحَّانٍ عَلَى بَابِهِ , فَقُلْتُ: ادْخُلْ فَأَعِنَّا عَلَى هَذَا الشَّيْخِ , فَاسْتَخْرَجْنَاهُ مِنْ قَبْرِهِ , وَهُوَ فِي غَشْيَتِهِ , فَقَالَ لِيَ الطَّحَّانُ: وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ؟ فَخَرَجْتُ وَتَرَكْتُهُ صَرِيعًا , فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عُدْتُ إِلَيْهِ , فَإِذَا بِسَلْخٍ فِي وَجْهِهِ , وَإِذَا بِشَرِيطٍ قَدْ شَدَّ بِهِ رَأْسَهُ لِصُدَاعٍ وَجَدَهُ , فَلَمَّا رَآنِي , قَالَ: الْمُعَاوِدَةُ يَا أَبَا السَّرِيِّ رَحِمَكَ اللَّهُ. فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ بَلَغْتَ أَيُّهَا الْمُتَعَبِّدُ مِنْ أَحْزَانِكَ بِاللَّهِ؟ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى آكْلَ الْفَطِيرِ وَالصَّابِرَ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ , يَأْكُلُ مَا اشْتَهَى , وَيَسْعَى عَلَيْهِ بِلَحْمِ طَيْرٍ وَيُسْقَى مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ , فَشَهِقَ شَهْقَةً فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ ٠ - أنبا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ , كِتَابَةً , أنبا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ الْعَامِرِيُّ , أنبا عَلِيُّ بْنُ أَبِي صَادِقٍ , أنبا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوَيْهِ , ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الأَرْجَانِيُّ , ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُسْلِمٍ الرَّامَهْرُمْزِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ الأَسْوَدَ , وَهُوَ عَلَى سُورِ طَرَسُوسَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَبْكِي , وَهُوَ يَقُولُ: أَلا مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ طَالَ فِي الْقِيَامَةِ غَدًّا هَمُّهُ , وَمَنْ خَافَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ ضَاقَ فِي الدُّنْيَا ذَرْعُهُ , وَمَنْ خَافَ الْوَعِيدَ لَهِيَ فِي الدُّنْيَا عَمَا يُرِيدُ , يَا مِسكِينُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ فِي الدُّنْيَا الْجَزِيلَ فَاقْلِلْ نَوْمَكَ بِاللَّيْلِ إِلا الْقَلِيلَ , اقْبَلْ مِنَ اللَّبِيبِ النَّاصِحِ إِذَا أَتَاكَ بِأَمْرٍ وَاضِحٍ , لا تَهْتَمَّ بِأَرْزَاقِ مَنْ تُخَلِّفُ فَلَيْسَتْ أَرْزَاقُهُمْ تُكَلَّفُ , وَطِنَّ نَفْسَكَ لِلْمَقَالِ إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِزَّةِ لِلسُّؤَالِ , قَدِّمْ صَالِحَ الأَعْمَالِ , وَدَعْ عَنْكَ كِبْرَةَ الأشْغَالِ , بَادِرْ ثُمَّ بَادِرْ قَبْلَ نُزُولِ مَا تُحَاذِرُ إِذَا بَلَغَ رُوحَكَ التَّرَاقِيَ وَانْقَطَعَ عَنْكَ مَنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُلاقِيَ , كَأَنِّي بِهَا قَدْ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ , وَكُنْتَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ مَغْمُومًا وَقَدِ انْقَطَعَتْ حَاجَتُكَ إِلَى أَهْلِكَ وَأَنْتَ تَرَاهُمْ حَوْلَكَ , وَبَقِيتَ مُرْتَهَنًا بِعَمَلِكَ , الصَّبْرُ مَلاكُ الأَمْرِ وَفِيهِ أَعْظَمُ الأَجْرِ , فَاجْعَلْ ذِكْرَ اللَّهِ مِنْ جُلِّ شَأْنِكَ , وَأَمْلِكْ فِيهَا سِوَى ذَلِكَ لِشَأْنِكَ , ثُمَّ بَكَى أَبُو مُعَاوِيَةَ بُكَاءً شَدِيدًا , ثُمَّ قَالَ: أَوْهُ مِنْ يَوْمِ يَتَغَيَّرُ فِيهِ لَوْنِي , وَيَتَلَجْلَجُ فِيهِ لِسَانِي , وَيَجِفُّ فِيهِ رِيقِي , وَيَقِلُّ فِيهِ زَادِي , فَقِيلَ: يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ هَذَا؟ قَالَ: الْحَكِيمُ