هل بُعث؟ قلنا: نعم، قال: أخبروني، كيف الناس إليه؟ قلنا: سِراع، فنزا نَزْوة، حتى كاد (٢) ، قلنا: فما أنت؟ قال: أنا الدجال، وإنَّه يدخل الأمصار كلَّها، إلا طيبةَ، وطيبةُ: المدينةُ» (٣) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (تأيَّمت) المرأة: مات زوجها، أو فارقها. (المسيح الدجال) الدَّجال: الكذَّاب، وهو اسم لهذا الرجل المشار إليه في الشرائع، وقيل: إنما سمي دجالاً، لأنه يقطع الأرض، ويسير في أكثر نواحيها، يقال: دَجَلَ الرجل: إذا فعل ذلك، وقيل سمي به لتمويهه على ⦗٣٣٩⦘ الناس وتلبيسه، يقال: دَجَلَ: إذا لبَّس ومَوَّه، وقيل: هو مأخوذ من الدَّجل، وهو طَلْيُ الجرب بالقَطِران وتغطيته به، فكأن الرجل يغطِّي الحق ويستره، وإنما سُمي مَسِيحاً، لأن إحدى عينيه ممسوحة لا يُبْصِر بها، والأعور يسمى مسيحاً، وأما تسمية عيسى ﵇ بالمسيح، فقيل: لمسح زكريا ﵇ إياه، وقيل: لأنه يمسح الأرض، أي يقطعها، وقيل: لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل: المسيح: الصِّدِّيق. (أرفأت) السفينة: قرَّبتها إلى الشط وأدنيتها من البر، وذلك الموضع مرفأ. (أقْرُب) القارب: سفينة صغيرة تكون إلى جانب السفن البحرية يستعجلون بها حوائجهم من البَرِّ، وتكون معهم خوفاً من غَرق المركب، فيلجؤون إليها، فأما " أقرب " فلعله جمع قارب، وليس بمعروف في جمع فاعل أفعل، وقد أشار الحميدي في غريبه إلى إنكار ذلك، وقال الخطابي: إنه جمع على غير قياس. (أهْلَب) الهلَب: ما غلُظ من الشعر، والأهلَب: الغليظ الشعر الخشن. (ال جسَّاسة) : فعَّالة من التجسس، وهو الفحص عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال ذلك في الشر. ⦗٣٤٠⦘ (اغتلام) البحر: اضطراب أمواجه واهتياجه. (الأُمي) الذي لا يعرف الكتابة، وكذلك كانت العرب، وسُمِّي رسول الله ﷺ أُمِّيّاً لذلك، وكأنه في الأصل منسوب إلى أمه، أي على حالته التي ولدته أُمُّه عليها. (صَلْتاً) الصلت: المسلول من غمده، المهيَّأ للضرب به. (أنقابها) النَّقب: الطريق في الجبل، وجمعه: أنقاب ونِقاب. (المِخصَرَةُ) عَصاً، أو قضيب، أو سوط، كانت تكون بيد الخطيب أو الملِكِ إذا تكلم. (النَّزْو) الوثوب: نزا ينزو نَزواً، والنَّزْوة: المرة الوحدة. ٧٨٣٩ - (د) جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول - وهو على المنبر -: «بينما أُناسٌ يسيرون في البحر، فَنَفِدَ طَعَامُهُم، فَرُفِعت لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخبز (١) ، فلقيتهم الجسَّاسةُ، قلت لأبي سلمة: ما الجساسة؟ قال: امرأة تَجُر شعر جلدها ورأسها، قالت: في هذا القصر ... فذكر الحديث، وسأل عن نخل بيسان، وعن عين زُغَرَ، قال: هو المسيح، فقال أبو سلمة (٢) : إنَّ في هذا الحديث شيئاً ما حفظته، قال: شهد جابر أنه ابن صياد، قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: ⦗٣٤١⦘ فقد أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه قد دخل المدينةَ، قال: وإن دخل المدينة» أخرجه أبو داود هكذا (٣) . ٧٨٤٠ - (م د ت) النواس بن سمعان ﵁ قال: «ذكَرَ رسولُ الله ﷺ الدَّجالَ ذاتَ غَداة، فخفَّضَ فيه ورَفَّع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رُحْنَا إليه عَرَفَ ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدجال الغداةَ، فَخَفَّضْتَ فيه، ورفّعتَ، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: غيرُ الدجال أخوفُني عليكم، إِن يخرجْ وأنا فيكم فأنا حجيجُه دونَكم، وإن يخرجْ ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شابٌّ قَطَط، عينُه طافئة، كأني أُشَبِّهه بـ «عبد العُزَى بن قَطَن» ، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح (سورة الكهف) ، إِنه خارج خَلَّة بين الشام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً، يا عباد الله، فاثْبُتوا، قلنا: يا رسول الله، وما لَبْثُهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً: يوم كسَنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله، فذاك اليوم الذي كسنة: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدُروا له قَدْره، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرَته الريحُ، فيأتي على القوم، فيدعوهم فيؤمنون به، ⦗٣٤٢⦘ ويستجيبون له، فيأمر السماء فتُمْطِرُ، والأرضَ فَتُنْبِتُ، فتروح عليهم سارِحَتهم أطولَ ما كانت دَرّاً (١) ، وأسْبَغُه ضُروعاً، وأمَدَّه خَواصِر، ثم يأتي القومَ فيدعوهم، فيردُّون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون مُمْحِلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويَمُرُّ بالخَرِبة، فيقول لها: أخرِجي كنوزك فَتَتْبَعُه كنوزُها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف، فيقطعه جِزْلَتين، رَمْيَةَ الغَرَض، ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح بن مريم ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مَهْرُودَتين، واضعاً كَفَّيه على أجنحة ملَكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدَّر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفُه، فيطلبه حتى يدركه بباب لُدٍّ، فيقتله، ثم يأتي عيسى [بن مريم] قومٌ قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدِّثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى بن مريم: إني قد أخرجت عباداً لي، لا يَدانِ لأحد بقتالهم، فَحرِّزْ عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب يَنْسِلون، فيمرُّ أوائلهم على بحيرة طَبَرِيَّةَ، فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرَّةً ماء، ويُحْصَرُ نبيُّ الله عيسى ﵇، وأصحابه، حتى يكون رأسُ الثور لأحدهم خيراً من مائةِ دينار، فيَرغبُ نبي ⦗٣٤٣⦘ الله عيسى ﵇ وأصحابه، فيُرسل الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم، فيصبحون فَرْسَى، كموت نَفْس واحدة، ثم يهبط نبيُّ الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضِعَ شِبْر إلا ملأهُ زَهَمُهم ونَتْنُهم، فيرغَبُ نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البُخْتِ، فتحملهم فتطرحهم حيثما شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يَكُنُّ منه بَيْتُ مَدَر ولا وَبَر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَفَة، ثم يقال للأَرض: أنْبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابةُ من الرُّمَّانة، ويستظلُّون بِقِحْفِها، ويبارَك في الرِّسْلِ، حتى إن اللقْحةَ من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللِّقْحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفَخِذ من الناس، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض رُوحَ كلِّ مؤمن ومسلم، ويبقى شرارُ الناس، يتهارجون فيها تهارُج الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعة» . وفي رواية نحوه، وزاد بعد قوله: «لقد كان بهذه مرة ماء» : «ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمَر - وهو جبل بيت المقدس - فيقولون: لقد قَتَلنا مَنْ في الأرض، هَلُمَّ فلنقتل مَنْ في السماء، فيرمون بِنُشَّابهم إلى السماء، فيردُّ الله عليهم نُشَّابَهم مخضوبة دَماً» أخرجه مسلم. وأخرجه الترمذي، وزاد في أوله بعد قوله: «في طائفة النخل» ، قال: «فانصرفنا من عند رسول الله ﷺ، ثم رُحْنا إليه» ، وقال فيه: «عينه قائمة» ⦗٣٤٤⦘ بدل «طافئة» ولم يقل: «خَلَّة» وقال: «فيأتي القوم فيدعُوَهم، فيكذِّبونه ويردُّون عليه قولَه، فينصرف عنهم فتتبعه أموالهم، ويُصبحون ليس بأيديهم شيء، ثم يأتي القومَ فيدعوهم فيستجيبون له ويُصَدِّقونه، فيأمر السماء أن تُمطِر فَتُمْطِر، ويأمر الأرض أن تُنْبِتَ فَتُنْبِت، فتروح عليهم سارحتُهم كأطول ما كانت دَرّاً (٢) ، وأمَدِّه خَوَاصر، وأدَرِّه ضُرُوعاً، ثم يأتي الخَرِبة، فيقول لها: أخرجي كنوزَكِ، فينصرف عنها، فتتبعه كيعاسيب النحل ... وذكر الحديث بنحو ما سبق إلى قوله: لقد كان بهذه مرةً ماء، وقال: ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قَتَلنا من في الأرض، فَهَلُمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنُشَّابهم إلى السماء، فيردُّ الله عليهم نُشَّابَهم مُحْمَرّاً دَماً، ويُحاصَر عيسى بنُ مريم وأصحابه حتى يكون رأسُ الثور يومئذ خيراً لهم من مائة دينار لأحدكم اليوم ... » وذكر الحديث، وقال: «قد ملأتْهُ زَهمَتُهم ونَتْنُهم ودِماؤهم، قال: فيرغب عيسى إلى الله وأصحابه فيرسل الله عليهم طيراً كأعناقِ البُخْت، فتحملهم فتطرحهم بالمَهْبَلِ، ويستوقِدُ المسلمون من قِسِيِّهم ونُشّابهم وجِعابهم سَبْعَ سنين، ويرسل الله عليهم مطراً لا يَكُنُّ منه بيتُ وبر ولا مدر، فَيَغْسِل الأرضَ فيتركها كالزَّلَفة، قال: ثم يقال للأرض: اخرجي ثمرتَك، وردِّي بركتَكِ، فيومئذ تأكلُ العصابة الرُّمَّانة، ويستظلُّون بقِحفِها، ويبارك في الرِّسْلِ ⦗٣٤٥⦘ حتى إن الفئام من الناس ليكتفون باللِّقحة من الإبل، وإن القبيلة ليكتفون باللقحة من البقر، وإن الفخذ ليكتفون باللقحة من الغنم، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله عليهم ريحاً، فقبضت روح كل مؤمن، ويبقى سائر الناس يتهارجون كما يتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» . وأخرجه أبو داود مُختصراً، قال: «ذكر رسولُ الله ﷺ الدجال، فقال: إِن يخرجْ وأنا فيكم فأنا حجيجُه دونَكم، وإن يخرجْ ولستُ فيكم، فامرُؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنَّها جِوارُكم من فتنته، قلنا: وما لَبْثُهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقلنا: يا رسول الله، هذا اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقْدُروا له قدره، ثم ينزل عيسى عند المنارة البيضاء شرقي دِمشق، فيدركه عند باب لُدّ، فيقتله» . قال أبو داود: وحدثنا عيسى بن محمد، قال: حدثنا ضمرة عن الشيباني عن عمرو بن عبد الله عن أبي أمامة عن النبيِّ ﷺ نحوه (٣) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (طائفة النخل) ناحيته وجانبه، والطائفة: القطعة من الشيء. ⦗٣٤٦⦘ (الحجيج) : المحاجج، وهو المجادل والمخاصم الذي يطلب الحجة، وهي الدليل. (القطط) : الشعر الجعد. (طافئة) الحبة الطافئة من العنب: هي التي قد خرجت عن حدّ نباتِ أخواتها في العنقود ونتأت، قال الخطابي: مرَّ عليَّ زمان وأنا أعتقد أن معنى قوله: «كأنها عِنَبةٌ طافئة» أنه الحبة من العنب التي تسقط في الماء فيدخلها الماء، فتنتفخ فتطفو على الماء، إلى أن وقفت عليه في موضع أنه الحبة التي تخرج عن حَد أخواتها، والذي وقع له ﵀ مُناسب. قوله: " إنه خارج خَلة " أي: أنه يخرج قصداً وطريقاً بين الجهتين والتخلُّل: الدخول في الشيء. (فَعاثَ) العيث: أشد الفساد. (أقدروا له) أي: قدروا قدر يوم من أيامكم المعهودة، وصلّوا فيه كل يوم بقدر ساعاته. (سارحتهم) السارحة: الماشية، لأنها تسرح إلى المرعى. (الممحل) : الذي قد أجدبت أرضه وقحطت وغلت أسعاره. (درّاً) الدَّر: اللبن، وإنما يكثر بالخصب وكثرة المرعى. (يعاسيب) جمع يعسوب، وهو فحل النحل ورئيسها. ⦗٣٤٧⦘ (جِزلتين) الجزلة بالكسر: القطعة. (الغَرض) : الهدف الذي يُرمى بالنشاب. (مهرودتين) رويت هذه اللفظة بالدال والذال، يقال: إن الثوب إذا صبغ بالورس ثم بالزعفران، جاء لونه مثل زهرة الحوذانة، فذلك الثوب مهرود، وقيل: أراد بالمهرود: الثوب المصبوغ بالهُرْد، وهو صبْغ أصفر، قيل: إنه الكُرْكم، وقيل أراد في شُقتَّين من الهرد، وهو القطع. (جُمان) جمع جمانة، وهي حبة تؤخذ من النقرة، كاللؤلؤة، وقد يُطلق على اللؤلؤ مجازاً. (لا يَدَانِ لأحَدٍ بقتالهم) يقال: مالي بهذا الأمر يدان، أي: لا أقدر عليه وأنا عاجز عنه، كما يقال: لا طاقة لي به، لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه. (فحرِّز) أي: احرز واحفظ واجعلهم في الحرز. (الحدَب) : الأكمة والمرتفع من الأرض. و «ينسلون» أي يسرعون. (النغف) : دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدها: نَغَفَة. (فَرْسَى) جمع فريس، وهو القتيل. (الزهمة) : الريح المنتنة، والزَهَم: مصدر زهمَتْ يده من ريح اللحم. (المدر) : طين قد استحجر، والمراد به: البيوت المبنِيَّةُ دون الخيام. ⦗٣٤٨⦘ (الزَّلَفة) المرآة، وجمعها زُلَف، وقيل: هي المُضْغَة من الماء، فمن شبهها بالمرآة: أراد لاستوائها ونظافتها، ومن شبهها بالمضغة: أراد امتلاءها من الماء، والأول أشبه لسياق الحديث. (العصابة) : الجماعة من الناس قبل أن يبلغوا أربعين. (القِحْفُ) للرأس: معروف. والمراد به في الحديث: قشر الرمّانة. (رِسْل) الرِّسْل بكسر الراء: اللَّبَنُ. (لِقحة) اللِّقحة: الناقة التي يكون لها لبن. (الفئام) : الجماعة من الناس. (الفخذ) من الناس: دون القبيلة. (التهارج) : الاختلاف والاختلاط، وأصله، القتل. ٧٨٤١ - (خ م) أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «حدَّثنا رسولُ الله ﷺ حديثاً طويلاً عن الدجال، فكان فيما حَدَّثنا به أن قال: يأتي الدجالُ وهو محرَّم عليه أن يدخل نِقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي بالمدينة، فيخرج إِليه يومئذ رجل هُوَ خَيْرُ الناس - أو مِنْ خَير الناس - فيقول: أشهَدُ أنَّكَ الدَّجال الذي حدَّثنا عنكَ رسولُ الله ﷺ حديثَه، فيقول الدَّجال: أرأيتم إن قَتَلْتُ هذا، ثم أحْيَيْتَهُ، هَلْ تَشُكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول حين يحييه: واللهِ ما كنتُ قط ⦗٣٤٩⦘ أشدَّ بصيرة مني اليوم، فيقول الدجال: اقتله، ولا يُسَلَّط عليه» . أخرجه البخاري ومسلم. ولمسلم قال: قال رسولُ الله ﷺ: «يخرجُ الدجال، فيتوجَّه قِبَلَه رجُلٌ من المؤمنين، فتلقاه المَسَالِحُ - مَسَالِحُ الدَّجال - فيقولون له: أين تَعْمِدُ؟ فقال: أعمِدُ إلى هذا الذي خرج، قال: فيقولون له: أوَمَا تُؤمِنُ بربِّنا؟ فيقول: ما بربِّنا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: ألَيْسَ نَهاكم ربُّكم أن تقتلوا أحداً دونه؟ قال: فينطلقون به إِلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيُّها الناس، هذا الدجال الذي ذكر رسولُ الله ﷺ قال: فيأمر الدجال به فَيُشَجّ (١) ، فيقول: خذوه وشُجُّوه، فيوسَعُ ظَهْرُهُ وبطنه ضرباً، قال: فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذَّاب؟ قال: فيؤمَر به، فيؤشَر بالمنشار مِن مَفْرِقِه حتى يُفَرَّق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، قال: ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً، قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددتُ فيكَ إلا بَصِيرة؟ قال: ثم يقول: يا أَيها الناس: إنه لا يُفْعَل بعدي بأحَد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبَحه، فَيُجعَلُ ما بين رقبته إلى تَرقُوَتِهِ نُحَاساً، فلا يستطيع إليه سبيلا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ⦗٣٥٠⦘ أُلْقيَ في الجنة، فقال رسولُ الله ﷺ: هذا أعظم الناس شهادة عند ربِّ العالمين» (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (السباخ) : الأراضي التي لا تُنبتُ المرعى. (بصيرة) البصيرة: المعرفة واليقين. (المسالح) جمع مسلحة، وهم قوم معهم سلاح، والمَسلحة: كالثغر والمرقَب وهو الذي يكون فيه قوم يَرْقُبُون العدو، لئلا يهجم عليهم، ويسمى بالأعجمية: اليَزَك. (فيؤشر) أشرته بالمنشار، وشرته: إذا شققته به، وقد ذكر. ٧٨٤٢ - (خ م د) حذيفة بن اليمان ﵁ قال ربعي بن حِراش: انطلقتُ أنا وعقبةُ بنُ عمرو إلى حذيفةَ، فقال عقبةُ: حدِّثني بما سمعتَ من رسولِ الله ﷺ في الدجال، فقال: سمعتُه يقول: «إنَّ مع الدجال إذا خرج ماء وناراً، فأما الذي يرى الناس أنه نار: فماء بارد، وأما الذي يرى الناس أنه ماء: فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنه نار، فإنَّه ماء عذب بارد، قال حذيفة: وسمعتُه يقول: إن رَجُلاً ⦗٣٥١⦘ مِمَّن كان قبلكم أتاه الملَكُ لِيَقْبِضَ روحه، فقال: هل عملتَ من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلَمُ شيئاً، غير أني كنتُ أبايع الناس في الدنيا، فأُنْظِرُ الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأَدخله الله الجنة، وسمعتُه يقول: إن رجلاً حضره الموت، فلما يئسَ من الحياة، أوصى أهله: إذا أنا مِتُّ فاجمعوا لي حَطَباً كثيراً، جَزْلاً، ثم أوقِدُوا فيه ناراً، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إِلى عظمي، وامتُحِشْتُ، فخذوها فَاطحَنُوهَا، ثم انظروا يوماً راحاً فاذْرُوه في اليَمِّ، ففعلوا، فجمعه الله ﷿ إِليه، فقال: لم فعلتَ ذلك؟ قال: مِن خِشْيَتِكَ، قال: فغفر الله له، فقال عقبةُ: وأنا سمعتُه يقول ذلك، وكان نباشا» . وفي رواية عن حذيفة مختصراً: أنه ﵇ قال في الدجال: «إنَّ معه ماء وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار، فلا تهلكوا» . قال أبو مسعود: وأنا سمعتُه من رسولِ الله ﷺ أخرجه البخاري ومسلم. ولمسلم: أن رسولَ الله ﷺ قال: «لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما: رأي العين ماء أبيض، والآخر: رأي العين نار تأجَّجُ، فإما أدركَنَّ أحَد فليأْتِ النهرَ الذي يراه ناراً، ولْيُغَمِّضْ، ثم ليُطَأْطِئ رأسَهُ فليشربْ منه، فإنه ماء بارد، وإِن الدجال ممسوح العين، ⦗٣٥٢⦘ عليها ظَفَرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كلُّ مؤمن، كاتب وغير كاتب» . وفي رواية لمسلم قال: قال كان رسولُ الله ﷺ: «الدجال أعورُ العين اليُسْرَى، جُفال الشَّعَر، معه جَنَّة ونار، فناره جَنَّة، وجنَّتُه نار» هذه الرواية أوردها الحميديُّ في أفراد مسلم، وهي من جملة روايات الحديث المتفق فأوردناها معها. وفي رواية أبي داود قال: «اجتمع حذيفةُ، وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا بما مع الدجال أعلم منه، إنَّ معهُ بحراً من ماء، ونهراً من نار، فالذي ترون أنه نار ماء، والذي ترون أنه ماء نار، فمن أدرك ذلك منكم فأراد الماءَ، فليشرب من الذي يرى أنَّه نار، فإنه سيجده ماء» قال أبو مسعود: هكذا سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (إنظار المعسر) : تأخير ما عليه من الدَّين إلى حال يساره. (جزلاً) الحطب الجزْلُ: القوي الغليظ. (الامتحاش) الاحتراق، امتحشت النار العظْم: إذا أَحرقَتْهُ. ⦗٣٥٣⦘ (راحاً) يوم راح: كثير الريح شديده. (فاذروه في اليم) أي: فرقوه في البحر وألقوه فيه، كما يذرى الطعام، واليمُّ: البحر. (تأجج) النار: اتَّقادها. (ظَفَرَة) الظفرة: بالتحريك جُلَيدة تغشى العين ناتئة من الجانب الذي يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها. (شعر جفال) : كثير ملتفٌّ.