مَنْ عاد مريضاً، أو زَارَ أخاً له في الله، ناداه مناد: أنْ طبتَ، وطابَ مَمْشاك، وتَبوَّأتَ من الجنة منزلاً» أخرجه الترمذي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (تبوأتُ المنزل) : اتخذتُه منزِلاً ومكاناً. الفصل الثالث عشر: في فضل أعمال وأقوال مشتركة الأحاديث ومتفرقة، وفيه خمسة عشر نوعاً نوع أول ٧٢٧٤ - (ت) معاذ بن جبل ﵁ قال: «كنت مع رسولِ الله ﷺ في سفر، فأصبحتُ يوماً قريباً منه ونحنُ نسيرُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، قال: لقد سألتني عن عظيم، وإنه لَيَسير على من يَسَّرَهُ الله عليه، تعبدُ الله، ولا تشرك به ⦗٥٣٥⦘ شيئاً، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاةَ، وتصومُ رمضان، وتحجُّ البيتَ، ثم قال: ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ قلتُ: بلى يا رسولَ الله، قال: الصومُ جُنَّة، والصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النار، وصلاةُ الرجل في جَوف الليل شعارُ الصالحين (١) ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبُهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ... ﴾ الآية [السجدة: ١٦] ثم قال: ألا أخْبِرُك برأس الأمرِ وعَمودِه، وذِرْوَةِ سَنامه؟ قلتُ: بلى يا رسول الله، قال: رأْس الأمرِ الإِسلامُ، وعمودُه الصلاةُ، وذِروَةُ سَنامه الجهادُ، ثم قال: أَلا أُخبرك بملاك ذلك كلِّه؟. قلتُ: بلى يا رسولَ الله، قال: كُفَّ عليك هذا - وأشار إلى لسانه - قلتُ: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذونَ بما نتكلم به؟ قال: ثَكِلتْك أمُّك معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو قال: على مَناخِرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم؟» . أخرجه الترمذي (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (شعار الصالحين) الشعار: العلامة، وهو ما يتنادى به الناس في الحرب مما يكون بينهم علامة يتعارفون بها. ⦗٥٣٦⦘ (ذِروة سَنامه) سَنام الناقة: معروف، وذِروته أعلاه، والمراد: أعلى موضع في الإسلام، وأشرفه. (بملاك ذلك) ملاك الأمر، قِوَامه، وما يتم به، تفتح ميمه وتكسر. (حصائد ألسنتهم) الحصائد: جمع حصيدة، وهي ما يحصد من الزرع، شبه اللسان وما يقتطع به من القول بحدّ المنجل وما يقطع به من النبات. ٧٢٧٥ - (خ م) أبو هريرة ﵁ أنَّ أعرابياً جاء إلى رسولِ الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، دُلَّني على عمَِل إذا عملتُه دَخَلْتُ الجنةَ، قال: تعبدُ الله، ولا تُشرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ المكتوبةَ، وتُؤدِّي الزَّكاة المفروضةَ، وتصومُ رمضانَ، قال: والذي نفسي بيده لا أزيدُ على هذا شيئاً، ولا أنقص منه، فلما ولَّى قال النبيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّه أن ينظرَ إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا» أخرجه البخاري ومسلم (١) . ٧٢٧٦ - (خ م س) أبو أيوب الأنصاري ﵁: أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال: «أخبرني بعمل يُدْخِلُني الجنَّةَ، ويباعدني من النار، فقال القوم: ما لَهُ؟ ما لَهُ؟ فقال النبيُّ ﷺ: أرَبَّ ما لَهُ؟ تعبدُ ⦗٥٣٧⦘ الله لا تُشْرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ، وتُؤتي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، ذَرْهَا، كأنه كان على راحلته» . زاد في رواية: فلما أدبر قال رسولُ الله ﷺ: «إنْ تَمَسَّك بما أمرتُهُ به دخل الجنة» . وفي أخرى «أن أعرابيّاً عَرَض للنبيِّ ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخِطام ناقتِهِ - أو بزمامِها - ثم قال: يا رسولَ الله - أو يا محمد - أخبرني بما يُقَرِّبني من الجنة، ويُباعدُني من النار، قال: فكفَّ النبيُّ ﷺ، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: لقد وُفِّقَ - أو لقد هُدِيَ - قال: كيف قلتَ؟ قال: فأعاد، فقال النبيُّ ﷺ: تعبدُ الله ... وذكر الحديث، وقال في آخره: دع الناقة» . أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية النسائي: أن رجلاً قال: يا رسولَ الله، أخبرني بعمل يُدخِلُني الجنة، فقال رسولُ الله ﷺ: «تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيم الصلاة» وذكر باقي الرواية الأولى (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (أرب) قد روي هذا الحديث «أَرِبَ» بوزن علم، على أنه فعل ⦗٥٣٨⦘ ماض، و «أرِب» بوزن حَذر، وأَرَبٌ بوزن حَسَنٌ على أنهما اسمان، فمعنى الأول: دعا عليه بالافتقار من الأرب، وهو الحاجة، أو بتساقط الآراب وهي الأعضاء، ويكون الدعاء عليه بمعنى التعجب منه. كما يقال: تَرِبَتْ يداك، لمن يكون قد فعل ما يستحسن ويتعجَّب منه، ولا يُراد به الذم، وإنما يراد به المدح، على أن دعاء النبي ﷺ على الناس في حالة الغضب مأمون العاقبة، لأنه اتخذ عند الله ﷿ عهداً أن يجعل دعاءه على من دعا عليه رحمة له وبركة، وقيل: المراد به التعجب من حرص السائل، فجرى مجرى قول الرجل: لله درُّه، وأما أَرِب- بوزن حَذِر - فهو الرجل الفَطِنُ الحاذِق الخبير، وهو مرفوع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أرِبٌ، وأما أرَب - بوزن حَسَن - فهو الحاجة، وأما قوله: «ماله» ، فعلى الروايتين الأوليين: معناها الاستفهام، أي: ما خَطْبُهُ، وما شَأنُهُ؟ ويكون التقدير: أنه دعاء عليه أو تعجُّب منه، أو أخبر عنه بالفِطْنَة على ما فسرنا، ثم قال: «ماله» أي: لم يستفتى عما هو ظاهر بيِّن لكل فَطِنٌ، ثم التفت إليه، فقال: تعبد الله، وعدَّد الأشياء التي أمره بها في الحديث، وعلى الرواية الثالثة: تكون «ما» زائدة تفيد معنى التقليل، وتقديره: له حاجة ما، قال الهروي: قال الأزهري: معناه: حاجةٌ جاءت به، ثم قال له: «تعبد الله ... الحديث» . (ذرها) : اتركها، ذَرْتُه عن كذا، أي: دفعته عنه.