رسولُ الله ﷺ: يا حاطبُ، ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجَلْ عليَّ، إِني كنتُ امرءاً مُلْصَقاً في قريش، ولم أكنْ من أنْفُسهم (٢) ، فكان من مَعَكَ من المهاجرين لهم قرابة يَحْمُون بها أموالهم وأهليهم بمكةَ، فأحْبَبْتُ - إِذْ فاتني ذلك من النسب فيهم - أن أتَّخِذَ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضى بالكفر بعد الإِسلام، فقال رسولُ الله ﷺ: إِنه قَد صَدَقَكم، فقال عمرُ: دعني يا رسول الله أضربْ عُنُق هذا المنافق، فقال رسولُ الله ﷺ: إِنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطَّلعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] » . ⦗٣٦٠⦘ وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي (٣) [عن عليّ] قال: بعثني رسولُ الله ﷺ والزبيرَ بنَ العوام وأبا مَرْثَد - وكلُّنا فارس ... ثم ساقه بمعناه» ولم يذكر نزول الآية، ولا ذَكَرَها في حديث عبيد الله بعضُ الرواة، وجَعَلَها بعضُهم من تلاوة سفيان (٤) ، وقال سفيان: لا أدري الآية في الحديث، أو من قول عمرو - يعني ابنَ دينار. وفي رواية نحوه، وفيه «حتى أدركناها حيث قال لنا رسولُ الله ﷺ تسيرُ على بعير لها، فقلنا: أينَ الكتابُ الذي معكِ؟ قالت: ما معي من كتاب فأنَخْنَا بعيرَها، فَابْتَغَينا في رَحْلِها، فما وجدنا شيئاً، فقال صاحباي: ما نرى معها كتاباً، فقلتُ: لقد علمنا ما كذبَ رسولُ الله ﷺ، وما كذَبَ، والذي يُحلَف به لَتُخْرِجنَّ الكتاب، أو لأُجَرِّدَنَّكِ، فأهْوَتْ إِلى حُجزَتِها وهي مُحتَجِزَة بكساء - فأخرجت الصحيفة من عِقاصها، فأتينا بها رسولَ الله ﷺ.... وذكر الحديث» . أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج أبو داود والترمذي الرواية الأولى (٥) . ⦗٣٦١⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الظَّعِينة) في الأصل: المرأة ما دامت في الهَودج، ثم جُعِلَتِ المرأةُ إذا سافرتْ ظعينة، ثم نقل إلى المرأة نفسها، سافرت أو أقامت، وظَعَن يَظْعَن: إذا سافر. (عِقَاصُها) العِقاص: الخيطُ الذي تعقِص - أي تشد - به المرأة أطرافَ ذَوَائِبها، وأصل العقص: الضَّفْر واللَّيُّ، هكذا شرحه الحميدي في غريبه، وفيه نظر، فإن العِقاص: جمع عَقْصة أو عقيصة، وهي الضفيرة من الشعر إذا لُوِيَت وجُعلت مثل الرُّمانة، أو لم تُلْوَ، والمعنى: أخرجتِ الكتابَ من ضفائرها المعقوصة. (مُلْصَقاً) الملصق: هو الرجل المقيم في الحي، وليس منهم بنسب. (ابتغينا) الابتغاء: الطلب. (حُجْزة) احتجَزَ الرجل: شدَّ إزاره على وسطه، والحُجْزَةُ: موضع الشد. ٦١٤٣ - (م) عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كتبَ حاطِبُ ⦗٣٦٢⦘ ابن أبي بلتعةَ إِلى أهل مكةَ، فأطْلع الله نبيَّه ﷺ على ذلك، فبعث علياً والزبيرَ في أثر الكتاب، فأَدْركا المرأةَ على بعير، فاستخرجاه من قُرُونها فأتيا به رسولَ الله ﷺ، فأَرسل إلى حاطب، فقال: يا حاطبُ، أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟ قال: نعم، يا رسول الله، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: يا رسولَ الله، أمَا والله إني لَنَاصِح لله ولرسوله، ولكني كنتُ غريباً في أهْل مكةَ، وكانَ أهلي بين ظَهْرَانيْهم، وخشيتُ عليهم، فكتبتُ كتاباً لا يضر الله ورسولَه شيئاً، وعسى أن يكونَ منفعة لأهلي، قال عمر: فاخترطتُ سيفي، ثم قلتُ: يا رسولَ الله أمْكنِّي من حاطب، فإنَّهُ قد كَفَرَ، فأضربَ عُنُقَه، فقال رسولُ الله ﷺ: يا ابنَ الخَطَّاب، ما يُدريك؟ لعل الله قد اطّلعَ على هذه العِصَابة من أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» أخرجه مسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ظهْرَانِيهم) فلان بين ظهراني القوم - بفتح النون – أي: بينَهم وعندَهم. ٦١٤٤ - (خ م) عبد الله بن عباس ﵄ «أَنَّ ⦗٣٦٣⦘ رسولَ الله ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان» . قال الزهري: وسمعتُ سعيدَ بنَ المسيّب يقول مثل ذلك. أخرجه البخاري. وفي رواية له ولمسلم «أن النبيَّ ﷺ خرج [في رمضانَ] من المدينةِ، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمانِ سنين ونصف من مَقْدَمهِ المدينةَ، فسار بمن معه من المسلمين إِلى مكةَ، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكَدِيدَ - وهو ما بين عُسفَان وقُدَيد - أفطَر وأَفطَروا إلا أن لفظ البخاري أتمُّ وأطولُ، وهو هذا، وقد تقدَّم لهذا روايات في «كتاب الصوم» من حرف الصاد (١) . ٦١٤٥ - (خ) عروة بن الزبير ﵄ قال: لما سارَ رسولُ الله ﷺ عامَ الفتح، فبلغ ذلك قريشاً، خرج أبو سفيانَ بنُ حرب، وحكيمُ بنُ حزام، وبُدَيْلُ بنُ وَرقاءَ، يلتمسون الخبر عن رسولِ الله ﷺ فأقبلوا يسيرون، حتى أَتَوا مَرَّ الظَّهران، فإذا هم بِنيران، كأنها نِيرانُ عَرَفَةَ، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفةَ، فقال بُديل بنُ ⦗٣٦٤⦘ ورقاءَ: نيرانُ بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقلُّ من ذلك، فرآهم ناس من حَرَس رسولِ الله ﷺ، فأدركوهم فأخذوهم، فأتَوا بهم رسولَ الله ﷺ، فأسلم أبو سفيان، فلما سارَ قال للعباس: احبس أَبا سفيان عند خَطْم الجبل، حتى ينظرَ إِلى المسلمين، فَحَبَسَهُ العباسُ، فجعلتِ القبائل تمرُّ مع النبيِّ ﷺ، تَمُرُّ كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرَّتْ كَتيبة، فقال: يا عباس، مَنْ هذه؟ قال: هذه غِفَار، قال: مالي ولغفار، ثم مرتْ جُهينةُ، فقال: مثل ذلك، ثم مرَّتْ سعدُ بنُ هُذَيم، فقال مثل ذلك، ثم مرت سُلَيم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم يُرَ مثلُها، قال: مَن هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعدُ بنُ عُبادَةَ معه الرايةُ، فقال سعدُ بنُ عبادةَ: يا أبا سفيان «اليومَ يومُ الملْحَمَةِ، اليومَ تُستحلُّ الكعبةُ، فقال أبو سفيان: يا عباس، حَبَّذا يومُ الذِّمار، ثم جاءت كتيبة، وهي أَجَلُّ الكتائب، فيهم رسولُ الله ﷺ وأصحابُهُ، ورايةُ النبيِّ ﷺ مع الزبير، فلما مرَّ رسولُ الله ﷺ بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعدُ بنُ عُبَادَةَ؟ قال: ما قال؟ قال: قال كذا وكذا، فقال: كَذَبَ سعد، ولكن هذا يوم يُعظِّم الله فيه الكعبةَ [ويوم تُكْسَى فيه الكعبةُ] قال: وأَمَرَ رسولُ الله ﷺ أن تُركَزَ رايتُهُ بالحُجُون، قال عروةُ: فأخبرني نافعُ بنُ جُبَيْرِ بن مطعم قال: سمعتُ العباس يقول للزبير [بن العوام] : يا أبا عبد الله، أهاهنا أَمَركَ رسولُ الله ﷺ ⦗٣٦٥⦘ أن تركز الراية؟ قال: نعم، قال: وأمر رسولُ الله ﷺ يومئذ خالدَ بنَ الوليد أن يدخلَ من أعلى مكةَ من كَدَاءَ (١) ، ودخل النبيُّ ﷺ من كُدَىً، فَقُتِلَ من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان: حُبَيْش بنُ الأشعر، وكُرْزُ بنُ جابر الفهريُّ» . أخرجه البخاري (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (خَطْم الجبل) هذه اللفظة قد جاءت في كتاب الحميدي «خطم الجبل» وفسرها في غريبه، فقال: الخطم والخطمة: رَعْن الجبل، وهو الأنف النادر منه، والذي جاء في كتاب البخاري - فيما قرأناه - وفي غيره من النسخ «حطم الخيل» مضبوطاً هكذا، وذلك بخلاف رواية الحميدي، فإن صحت الرواية ولم تكن خطأ من الكُتَّاب، فيكون معناه - والله أعلم - أنه يقف به في ⦗٣٦٦⦘ الموضع المتضايق الذي تتحطم فيه الخيل، أي: يدوس بعضُها بعضاً، ويحطم بعضها بعضاً، فيراها جميعاً، وتكثر في عينه، بكونها في ذلك الموضع الضيق، بخلاف ما إذا كانت في موضع مُتَّسع، وكذلك أراد بوقوفه عند خَطم الجبل على ما شرحه الحميدي، فإن الأنف النادر من الجبل يضيق الموضع الذي يخرج فيه، والله أعلم. (كتيبة) الكتيبة: واحدة من الكتائب، وهي العساكر المرتبة. (الملحمة) : الحربُ والقتال الذي لا مخلص منه. (الذِّمار) : ما لزمك حفظه، يقال: فلان حامي الذِّمار: يحمي ما يجب عليه حفظه. (بالحُجُون) الحجون: أحد جبلي مكة من جهة الغرب والشمال. (من كَدَاءِ) كَداء بالفتح والمدّ: ثَنِيَّة من أعلى مكة، مما يلي المقبرة، وكُدى - بالضم والقصر - ثَنِيَّة من أسفل مكة. ٦١٤٦ - (د) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «لما نزل رسولُ الله ﷺ مَرَّ الظّهرانِ، قال العباسُ: قلتُ: واللهِ، لئن دخل رسولُ الله ﷺ مكة عَنْوَة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لَهَلاكُ قريش، فجلستُ على بغلةِ رسول الله ﷺ، فقلتُ: لعلِّي أجِدُ ذا حاجة يأتي [أهلَ] مكة، فيُخْبِرُهم بمكانِ رسولِ الله ﷺ ليخرجوا إِليه، فيستأمنوه، فإني ⦗٣٦٧⦘ لأسيرُ [إِذ] سمعتُ كلام أبي سفيان، وبُديل بن ورقاءَ، فقلتُ: يا أبا حنظلة، فعَرَف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلتُ: نعم، قال: ما لك فِدَاكَ أبي وأُمي؟ قلتُ: هذا رسولُ الله ﷺ والناسُ، قال: فما الحِيلَةُ؟ [قال] : فركب خلفي، ورجعَ صاحبُه، فلما أصبحَ غَدَوتُ به على رسولِ الله ﷺ، فأسلم، قلتُ: يا رسولَ الله، إِنَّ أبا سفيان رجل يحبُّ هذا الفخر، فاجعلْ له شيئاً، قال: نعم، مَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِن، ومن أغْلَقَ بابَه عليه فهو آمِن، ومَن دخل المسجد فهو آمِن، قال: فتفرَّق الناس إلى دورهم وإِلى المسجد» . وفي رواية مختصراً «أنَّ رسولَ الله ﷺ جاءه العباسُ بن عبد المطلب بأبي سُفيانَ بنِ حَرْب، فأسلم بمر الظهران، فقال له العباسُ: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيان رجل يحبُّ هذا الفخر، فلو جعلتَ له شيئاً؟ قال: نعم، مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومَن أغلق بابه فهو آمِن» أخرجه أبو داود (١) . ٦١٤٧ - (م د) عبد الل ه بن رباح قال: «وَفَدَت وفود إلى معاويةَ - وذلك في رمضان - فكان يصنع بعضُنا لبعض طعاماً، فكان أبو هريرة ﵁ مما يُكْثِر أن يَدْعُونا إلى رَحْلِه، فقلتُ: ألا أصنعُ طعاماً فأدعوهم ⦗٣٦٨⦘ إلى رَحْلي؟ فأمرتُ بالطعام يُصنَع، ثم لَقيتُ أبا هريرة من العَشِيِّ، فقلتُ: الدَّعْوَةُ عندي الليلةَ، فقال: سَبَقْتَني؟ فقلتُ: نعم، فدعوتُهم، فقال أبو هريرة: ألا أُعْلِمُكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ... ثم ذَكَرَ فَتْحَ مَكةَ، فقال: أقبلَ رسولُ الله ﷺ حتى قَدِمَ مكةَ، فبعث الزبيرَ على إِحدى المُجَنِّبَتَين، وبعث خالداً على المُجَنِّبَةِ الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، فأخذ [وا] بَطْن الوادي ورسولُ الله ﷺ في كَتِيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: أبو هريرة؟ قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله، فقال: اهتف: (١) لا يأتيني إلا أنصاريّ - ومن الرواة مَن قال: اهْتِفْ لي بالأنصار، قال: فأطافوا به، ووبشّتْ قريش من أوباش لها وأتباع وفي رواية: ووبشت قريش أوْباشَها وأتْبَاعَها (٢) - فقالوا: نُقدّم هؤلاءِ، فإن كان لهم شيء كُنَّا معهم، وإن أُصِيبوا أَعْطَيْنَا الذي سَلبنا (٣) ، فقال رسولُ الله ﷺ: تَرَونَ إِلى أوْباشِ قريش وأتباعِهم؟ ثم قال بيديه - إحداهما على الأخرى- ثم قال: حتى تُوافُوني بالصفا، قال: فانطلقنا، فما شاءَ أحد مِنَّا أَن يَقْتُلَ أحداً إلا قتله، وما أحد منهم يُوَجِّه إلينا شيئاً، قال: فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسولَ الله، أُبِيدَتْ خضراءُ قريش، لا قُريشَ بعد اليوم، ⦗٣٦٩⦘ قال: مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقالت الأنصارُ بعضُهم لبعض: أما الرَّجُل فَأْدْرَكَتْهُ رَغْبة في قريته، ورَأْفَة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحيُ - وكان إذا جاء [الوحيُ] لا يخفى علينا، فإِذا جاء فليس أحد يرفع طَرْفه إلى رسولِ الله ﷺ حتى ينقضيَ الوحيُ - فلما قُضِيَ الوحيُ قال رسولُ الله ﷺ: يا معشر الأنصار، قالوا: لَبَّيك يا رسول الله، قال: قلتم: أمَّا الرجلُ فأدركتْهُ رَغْبَة في قَريَتِه؟ قالوا: قد كان ذلك، قال: كلا إني عبد الله ورسولهُ، هاجرتُ إلى الله وإِليكم، المَحْيا مَحْياكم، والمماتُ مماتُكم، فأقْبلوا إِليه يَبْكُون، ويقولون: واللهِ ما قلنا الذي قلنا إلا الضِّنّ بالله وبرسوله، فقال رسولُ الله ﷺ: إِن الله ورسولَهُ يُصدِّقانكم، ويَعْذِرانكم، قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأَغْلَق الناسُ أبوابَهم، قال: وأقْبل رسولُ الله ﷺ حتى أقبلَ إلى الحجَر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: فأتى على صَنَم إلى جانبِ البيتِ كانوا يعبدونه: قال: وفي يد رسول الله ﷺ قَوس، وهو آخِذ بِسِيَةِ القوسِ، فلما أتى على الصنم جعل يَطْعنُ في عيْنِهِ، ويقول: جاء الحق، وزهق الباطل، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فَعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يَدَيه، فجعل يحمَدُ الله، ويدعو ما شاءَ أن يدعوَ» . وفي رواية بهذا الحديث، وزاد في الحديث «ثم قال بيديه، إحداهما ⦗٣٧٠⦘ على الأخرى: احْصُدُوهم حصداً» ، قال: وفي الحديث «قالوا: قلنا: ذاك يا رسول الله، قال: فما اسمْي إذاً؟ كلا، إني عبد الله ورسولُه» . وفي أخرى قال: «وَفَدْنا إلى معاويةَ بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، وكان كلُّ رجل منَّا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نَوْبَتي، فقلتُ: يا أبا هريرة، اليوم يومي (٤) ، فجاؤوا إلى المنزل ولم يُدْرِكْ طعامُنا، فقلتُ: يا أبا هريرة، لو حدَّثْتَنَا عن رسولِ الله ﷺ حتى يُدرِكَ طعامُنا؟ فقال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالدَ بنَ الوليد على المجَنِّبة اليمنى، وجعل الزبيرَ على المجنبِّة اليسرى، وجعل أبا عُبيدة على البَيَاذِقَةِ وبَطْنِ الوادي، فقال: يا أبا هريرةَ، ادْعُ لي الأنصار، فدعوتُهم، فجاؤوا يُهَرْوِلُون، فقال: يا معشر الأنصار، هل تَرَوْنَ أوْباش قُريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لَقِيتُموهم غداً: أن تحصُدُوهم حَصداً، وأحفَى بيده، ووضع يمينَه على شِماله - وقال: موعدُكم الصّفا، قال: فما أشْرَفَ لهم يومئذ أحد إلا أناموه، قال: وصَعِدَ رسولُ الله ﷺ الصّفا، [وجاءتِ الأنصارُ، فأطافوا بالصفا] ، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسولَ الله، أُبِيدَتْ خضراءُ قريش، لا قريشَ بعدَ اليوم، قال أبو سفيان: مَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِن، ⦗٣٧١⦘ ومَن أَلْقَى السلاحَ فهو آمِن، ومَن أغلق بابَهُ فهو آمِن؟ فقال رسولُ الله ﷺ: مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَن ألْقَى السِّلاحَ فهو آمِن، وَمَن أغلقَ بابَه فهو آمِن، فقالت الأنصارُ: أمَّا الرجلُ: فقد أخذتْهُ رأفة بعشيرته، وَرَغْبَة في قَرْيتِهِ، ونزل الوحيُ على رسولِ الله ﷺ، قال: قلتُم: أمَّا الرجلُ: فقد أخذتهُ رأْفة بعشيرته، ورَغبة في قريته؟ أَلا فما اسْمِي إذاً؟ - ثلاثَ مرات - أنا محمَّد عبد الله ورسولهُ، هاجرتُ إِلى الله وإليكم، فالمحيا محْياكم، والمماتُ مماتُكم، قالوا: والله، ما قلنا إِلا ضِنَّا بالله ورسوله، قال: فإن الله ورسولَهُ يُصَدِّقَانِكم ويَعْذِرانِكم» . أخرجه مسلم. وفي رواية أبي داود عن عبد الله بن رباح الأنصاريِّ عن أبي هريرة قال: «إنَّ رسولَ الله ﷺ لما دخل مكة سَرَّحَ الزبيرَ بن العوام، وأبا عُبيدة بنَ الجراح، وخالد بنَ الوليد على الخيل، وقال: يا أبا هريرة، اهْتِفْ بالأنصار، فلما اجتمعوا قال: اسْلُكُوا هذا الطريق، فلا يُشرِفنَّ لكم أحد، إِلا أنَمْتُموه، فنادى مُنَاد: لا قريشَ بعد اليوم، فقال رسولُ الله ﷺ: مَن دخل داراً فهو آمِن، ومَن أَلْقَى السلاحَ فهو آمِن، فعَمَد صَنَادِيدُ قريش فدخلوا الكعبةَ، فَغَصَّ بهم، وطاف النبيُّ ﷺ وصلَّى خَلفَ المقام، ثم أخذ بجَنَبَتي الباب، فخرجوا، فبايعوا النبيَّ ﷺ على الإسلام» (٥) . ⦗٣٧٢⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (المُجنِّبَتَين) المُجَنِّبَةُ: جَانِبُ العسكر، وله مُجَنِّبتان: ميمنة وميسرة. (على الحُسَّر) جمع حاسر، وهو الذي لا دِرْعَ عليه ولا مِغْفَر، وقد روي في كتب الغريب «الحُبَّس» وهم الرَّجَّالة، سموا بذلك لتأخرهم عن الركبان، قال: وأحسب الواحد حَبِيساً، فعيل بمعنى مفعول، ويجوز أن [يكون] حابساً، كأنه يَحْبِسُ مَن يسير من الركبان بمسيره. قال الحميدي: والذي رأيناه من رواية أصحاب الحديث «الحسّر» والله أعلم. (وَبَّشت أوباشها) الأوباش: الجموع من قبائل شتى، والتوبيش: الجمع، أي: جمعت لها جموعاً من أقوام متفرِّقين في الأنساب والأماكن. (أُبِيدت خضراءُ قريش) أي: استُؤْصِلَتْ وأُهْلِكت، وخضراؤها: سوادها ومعظُمها، والعرب تُعبِّر بالخُضرة عن السواد، وبالسواد عن الكثرة. (الضِّنُّ) : البخل والشُّحُ، ضَنِنْتُ أَضنُّ، وضَنَنْتُ أضِنُّ. (فَاسْتَلَمَه) استلام الحجر الأسود: لَمسهُ باليد. (سِيَة القوس) مخففاً: طرفها إلى موضع الوَتر. (زهق الباطل) أي: اضْمَحَلَّ وذهب ضائعاً. ⦗٣٧٣⦘ (البَيَاذِقَةُ) الرَّجَّالة، سمّوا بذلك لخفة حركتهم، وأنهم ليس معهم ما يثقلهم، وهذا القول مما يعضد رواية أصحاب الغريب في «الحبس» موضع «الحُسَّر» فإن الحبَّس: هم الرَّجَّالة على ما فسروه، فقد اتفقت الروايتان في المعنى، فقال مرة: «الحبَّس» وقال مرة: «البياذقة» أراد بهما: الرَّجَّالة، بخلاف «الحسَّر» وقد يمكن أن يجمع بين «الحسّر» و «البياذقة» فإن «الحسَّر» هم الذين لا سلاح معهم، أو لا درع عليهم ولا مِغْفَر، والغالب من حال الدَّارعين: أنهم الفُرسان، وأن الرَّجَّالة: لا يكون عليهم دروع، لأمرين، أحدهما: أن الراجل يثقله الدِّرع، والآخر: أن الرَّاجل لا يكون له درع لضعفه ورِقَّة حاله، والله أعلم. (احْصدُوهم) الحصد: كناية عن الاستئصال والمبالغة في القتل. (أحْفَى) قال الحميدي: أحْفى بيده: أشار بحافتها، وصفاً للحصد والقتل. (أناموه) أي: قتلوه، ومنه سمي السيف مُنِيماً، أي: مُهلكاً. ٦١٤٨ - (خ م ط د ت س) أنس بن مالك ﵁ «أن النبيَّ ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رَأسِهِ المِغْفَرُ، فلما نَزَعَه جاء رجل، فقال: ابنُ خَطَل مُتَعلِّق بأستارِ الكعبةِ، فقال رسولُ الله ﷺ: اقتُلوه» ⦗٣٧٤⦘ أخرجه الجماعة (١) . وقال الموطأ: ولم يكن فيما نرى يومئذ - والله أعلم - مُحْرِماً وقال أبو داود (٢) : اسمُ ابن خَطَل: عبد الله، وكان أبو بَرزَةَ الأسلمي قَتَلَهُ.