مثل ذلك، فأَعرض عنه، ثم أتاه من قِبَل رُكْنه الأيسر، فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسولُ الله ﷺ فحذفه بها، فلو أصابتْه لأوجعته، أو لَعَقَرَتْه، فقال رسولُ الله ﷺ: يأْتي أحدُكم بجميع ما يملك، فيقولُ: هذه صدقة، ثم يقعد يَسْتَكِفُّ الناسَ، خيرُ الصدقة ما كان عن ظهرِ غنى» . أخرجه أبو داود (١) . ⦗٤٦٦⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (يَسْتَكِف) اسْتَكَفَّ الناس: إذا سألهم وطلب منهم، وأصله: أن يأخذ الصدقة ببطن كفِّه. ٤٦٧٢ - (ط) محمد بن شهاب الزهري ﵁: بلغه (١) أن أبا لُبَابة بنَ عبدِ المنذر، حين تاب الله عليه قال: «يا رسولَ الله، أهجُرُ دارَ قومي التي أصبتُ فيها الذَّنْبَ وأُجاوِرُكَ، وأنْخلِعُ من مالي صدقة إِلى الله وإِلى رسوله؟ فقال رسولُ الله ﷺ: يجزيك من ذلك الثلثُ» . أخرجه الموطأ (٢) . ٤٦٧٣ - (خ م ط د ت س) أنس بن مالك ﵁: قال: «كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصار مالاً بالمدينة من نخل، وكان أحبَّ أمواله إِليه بَيْرُحاءَ، وكانت مستقبلةَ المسجدِ، فكان رسولُ الله ﷺ يدخُلُها، ويشربُ من ماء فيها طيِّب، قال أنس: فلما نزلتْ هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحةَ إِلى رسولِ الله ﷺ ⦗٤٦٧⦘ فقال: يا رسولَ الله، إِن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإِن أحبَّ مالي إِليَّ: بَيْرُحاءَ، وإِنَّها صدقة لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله، فَضعْها يا رسولَ الله حيث أراكَ الله، قال: فقال رسولُ الله ﷺ: بَخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإِني أرى أن تجعلَها في الأقربين، فقال أبو طلحةَ: أفعلُ يا رسولَ الله، فقسمها أبو طلحةَ في أقاربه وبني عمه» . قال القَعْنَبي عن مالك، قال: «رابح، أو رايح» ، وقال غيره: «رايح» ، وقال غيره: «رابح» (١) . قال البخاري: قال ثابت عن أنس: قال النبيُّ ﷺ لأبي طلحةَ: «اجعله لفقراءِ أقارِبِكَ، فجعلها لحسانَ، وأُبيِّ بن كعب» . وفي رواية: وقال: «اجعلها لفقراءِ قرابتِكَ، قال أنس: فجعلها لحسانَ وأُبيِّ بن كعب، وكانا أقربَ إِليه مني، وكانت قرابةُ حسانَ، وأُبيِّ من أَبي طلحةَ - واسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حَرام بن عمرو بن زيد مناة بن عَدِي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان: بن ثابت بن المنذر بن حرام - يجتمعان إِلى حرام، وهو الأب الثالث» . قال البخاري: وقال إسماعيل: أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي ⦗٤٦٨⦘ سلمةَ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحةَ - لا أعلمه إِلا عن أنس - قال: «لما نزلتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ جاء أبو طلحةَ ... ثم ذكر نحو ما تقدَّم ... إِلى أن قال: فهي إِلى الله ﷿، وإِلى رسوله ﷺ، أرجو بِرَّه وذُخْرَهُ، فضعها أيْ رسولَ الله حيث أَراك الله، فقال رسولُ الله ﷺ: بَخ أبا طلحة، ذلك مال رابح، قبلناه منك، ورَددناه عليك، فاجعله في الأقربين، فتصدَّقَ أبو طلحةَ على ذوي رَحِمه، قال: وكان منهم: أُبَيٌّ وحسانُ، قال: فباع حسانُ حِصَّتَهُ من معاويةَ، فقيل له: تبيعُ صدقةَ أبي طلحةَ؟ فقال: أَلا أبيعُ صاعاً من تمر بصاع من دراهم؟ قال: وكانتْ تلك الحديقةُ في موضع قصر بني جديلةَ الذي بناه معاوية» . أخرجه البخاري، ومسلم. ولمسلم قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ قال أبو طلحةَ: أرى رَبَّنا يسأَلُنا من أموالنا، فأُشْهِدك أني [قد] جعلتُ أرضي بيرُحَاءَ لله، فقال: اجعلها في قرابتك، قال: فجعلها في حسانَ بنِ ثابت، وأُبيِّ بن كعب» . وأخرج الموطأ الرواية الأولى. وفي رواية أبي داود مثل هذه الآخرة، وقال: «فقسمها بين حسان بن ثابت، وأُبي بن كعب» . قال أبو داود: وبلغني عن الأنصاري - محمد بن عبد الله - قال أبو طلحة: زيد بن سهل، وذكر نَسَبَهُ، ونَسَبَ حسان كما سبق - وزاد: وأَبيّ بن كعب بن ⦗٤٦٩⦘ قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فعمرو يجمع حسان وأبا طلحة وأُبَيّاً، قال الأنصاري: وبين أُبيّ وأبي طلحة ستةُ آباء. وفي رواية الترمذي قال: «لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ونزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي صدقة لله، ولو استطعتُ أنْ أُسِرَّ ذلك لم أُعْلنْه، فقال رسولُ الله ﷺ: اجعلْه في قرابتك» . وأخرج النسائي رواية مسلم الآخرة (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (بَيْرُحَاء) هذه اللفظة ما رأيت أحداً ضبطها ضبطاً يزول معه الشك، إلا أن الدائر في ألسنة قراء الحديث، يقولونها: «بَيْرُحَاء» بضم الراء والمد، والذي رأيته في كتاب «الفائق» للزمخشري، قال: «بَيْرَحى» بفتح الراء والقصر، وقال: إنه اسم أرض كانت لأبي طلحة، وهي فيعلى من البَرَاح، وهو المكان المتسع الظاهر. ⦗٤٧٠⦘ (بَخٍ بَخٍ) : كلمة يقولها المتعجب من الشيء، وعند المدح والرضى بالشيء، ويكرر للمبالغة، فيقال: بخٍ بخٍ، فإن وصلت جررت ونوَّنت فقلت: بخٍ بخٍ، وربما شدَّدت. (مال رابح، ورايح) رابح بنقطة واحدة، معناه: ذو رِبْح، وأما بنقطتين، فمعناه: أنه قريب المسافة يروح خيره ولا يغرب. ٤٦٧٤ - (خ م س) زينب - امرأة ابن مسعود ﵄: قالت: قال رسول الله ﷺ: «تصدَّقْنَ يا معشر النساء، ولو من حُلِيِّكنّ، قالت: فرجعتُ إِلى عبدِ الله، فقلتُ: إِنكَ رَجُل خفيفُ ذاتِ اليدِ، وإِنَّ رسولَ الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فائْتِهِ فاسْأَلْهُ، فإِن كان ذلك يُجزِي عني، وإِلا صَرفتُها إِلى غيركم؟ فقال لي عبد الله: بل ائْتِيه أنتِ، قالت: فانطلقتُ، فإِذا امرأة من الأنصار بباب رسولِ الله ﷺ، حاجتي حاجتُها، قالت: وكان رسولُ الله ﷺ قد أُلْقِيَتْ عليه المهابةُ، قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائتِ رسولَ الله ﷺ فَأخْبِرْهُ: أَن امرأَتين بالباب يسألانك: أتُجزيءُ الصدقة عنهما على أَزواجهما، وعلى أَيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. قالت: فدخلَ بلال على رسولِ الله ﷺ، فسأله، فقال له رسولُ الله ﷺ: [من هما؟ قال: امرأة من الأَنصار وزينب، فقال رسولُ الله ﷺ:] أيُّ الزيانب؟ قال: امرأةُ عبدِ الله. فقال رسولُ الله ⦗٤٧١⦘ ﷺ: لهما أجران: أجرُ القرابة، وأجرُ الصدقة» . أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم. وعند النسائي أخصر من هذا (١) . ٤٦٧٥ - (خ) أبو سعيد الخدري ﵁: قال: «خرج رسولُ الله ﷺ في أضحى، أو فِطْر، إِلى المصلَّى، ثم انصرف فَوَعَظَ النَّاسَ فأمرهم بالصدقة، فقال: أيُّها الناس، تصدَّقوا، فمرَّ على النساءِ، فقال: يا معشر النِّسَاءِ تَصدَّقْنَ، فَإِني رأيتُكُنَّ أكْثَرَ أهلِ النار، فقُلْنَ: وبِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ما رأيتُ [من] ناقصاتِ عَقْل ودِيْن أذْهَبَ لِلُبِّ [الرجلِ] الحازِم من إِحداكنَّ يا معشر النساء، ثم انصرف، فلما صار إِلى منزله جاءت زينبُ امرأةُ ابنِ مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسولَ الله، هذه زينبُ، فقال: أيُّ الزيانب؟ فقيل: امْرأَةُ ابن مسعود، قال: نعم، ائْذَنُوا لها، فأُذِن لها، قالت: يا نبيَّ الله إِنك أمرتَ اليوم بالصدقة، وكان عندي حُليّ لي، فأردتُ أن أتصدَّقَ به، فزعم ابنُ مسعود: أنه وولده أحقُّ من تُصِدِّق به عليهم، فقال النبيُّ ﷺ: صَدَقَ ابنُ مسعود ⦗٤٧٢⦘ زَوْجُكِ وولَدُكِ أحقُّ من تَصَدَّقْتِ به عليهم» . أخرجه البخاري (١) . وقد أخرج مسلم المعنى الأول، وهو مذكور في «باب صلاة العيدين» . من «كتاب الصلاة» . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (يَكْفُرن العَشير) العشير: الزوج: وكفرانهن: جحدهن خيره وإحسانه.