الله ﷿: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سألَ - وفي رواية فنصفها لي، ونصفها لعبدي - فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رَبِّ العالمين﴾ قال الله: حَمِدَني عبدي، وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله: أثْنَى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يومِ الدين﴾ قال مَجَّدَني عبدي - وقال مرَّة: فَوَّضَ إليَّ عبدي - وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: ⦗٣٢٨⦘ هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» . أخرجه مسلم والموطأ والترمذي والنسائي. وفي رواية الترمذي وأبي داود، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَن صلى صلاة لم يقرأْ فيها بأُمِّ القرآن فهي خِداج، فهي خِداج، فهي خداج، غيرُ تمام. قال أبو السائب - مولى هشام بن زهرة - قال: يا أبا هريرة، إني أحيَاناً أكون وراء الإمام؟ قال: فغمز ذِراعي، ثم قال: اقرأْ بها في نفسك يا فَارِسي ... » وساق نحو ما تقدَّم، وقال في آخرها: «هذا لِعبْدِي، ولعبدي ما سأل» . وفي أخرى لأبي داود، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «أُخْرُج، فنَادِ في المدينة: إنه لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد» .. وفي رواية للترمذي ولأبي داود: «أمرني أن أُناديَ: لا صلاةَ إلا بقراءةِ فاتحة الكتاب» . زاد أبو داود «فما زاد» . وفي رواية ذكرها رزين: أن رسولَ الله ﷺ قال: «لا صلاة إلا بقراءة، فما أعْلَن رسولُ الله ﷺ أعْلَنَّاه لكم، وما أخفى أخفيْناه لكم، فقال له رجل: أرأيتَ يا أبا هريرة إن لم أزِد على أم القرآن؟ فقال: قد سُئِلَ عن ⦗٣٢٩⦘ ذلك رسولُ الله ﷺ؟ فقال: إن انتهيتَ إليها أجزأتك، وإن زِدْتَ عليها فهو خير وأفضل» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (أم القرآن) : سورة الفاتحة، سميت بذلك لأنها أوله وعليها مبناه، وأم الشيء: أصله ومُعظمه. (خِدَاج) : الخِدَاج: النقص. وتقديره: فهي ذات خِداج، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، أو فهي مُخْدَجَة، فوضع المصدر موضع المفعول. (مَجَّدني) : المجيد: الكريم والشريف، والتمجيد: التعظيم والتشريف. (فَوَّض) : يقال: فوَّض فلان أمره إلى فلان: إذا ردَّه إليه، وعَوَّل فيه عليه. (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) : أراد بالصلاة هاهنا: القراءة، بدليل أنه فسرها في الحديث بها، وقد تسمى الصلاة قراءة لوقوع القراءة فيها، وكونها جزءاً من أجزائها، كما سميت بها في قوله: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكْ ولا ⦗٣٣٠⦘ تُخافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] أراد: القراءة، كما سمَّى الصلاة قرآناً، قال: تعالى: ﴿وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] أراد صلاة الفجر، لانتظام أحدهما بالآخر. والصلاة خالصة لله تعالى، لا شرك فيها لأحد، وحقيقة هذه القسمة التي جعلها بينه وبين عبده: راجعة إلى المعنى، لا إلى متلو اللفظ، لأن السورة من جهة اللفظ (٢) نصفها ثناء ونصفها مسألة ودعاء، وقِسْم الثناء انتهى عند قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، وقوله ﴿وإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ من قسم الدعاء. لذلك قال: «وهذه بيني وبين عبدي» ولو كان المراد: قسمة الألفاظ والحروف، لكان النصف الآخر يزيد على الأول زيادة بيِّنة، فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، فعُلِم أنما هو قِسمة المعاني.