إذا قضى الله الأمرَ في السماء ضَربت الملائكة بأجنِحتها خُضْعاناً لقوله، كأنه سِلسِلَة على صَفْوان، فإذا فُزِّعَ عن قُلُوبِهِم، ﴿قالوا مَاذَا قال رَبُّكُمْ قالوا الحَقَّ وهو العَليُّ الكَبيرُ﴾ ، فيسْمعها مُسْتَرِقُ السَّمع ⦗٦١⦘ ومستَرِقُوا السمع هكذا، بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفِّه، فحرَّفها، وبدَّدَ بين أصابعه - فيسمعُ الكلمة، فيُلقيها إلى من تحتَه، ثم يُلقيها الآخر إلى مَن تَحتَه، حتى يُلقيها على لِسان السَّاحِر أو الكاهن، فرُبَّما أَدركها الشِّهابُ قبلَ أَن يُلقيهَا، وربما ألقاها قبل أَن يدركَه فيكذِبُ معها مائة كذْبة فيقال: أَليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيصدَّق بتلك الكلمة التي سُمِعتْ من السماء» وذكر في رواية: قراءة من قرأ ﴿فُرِّغَ﴾ وقال سفيان عن عمرو: ﴿فُزِّعَ﴾ قال: وهي قراءتنا، أخرجه البخاري والترمذي مختصراً. وقد ذكر الحديث في تفسير سورة سبأ من حرف التاء (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (خُضعاناً) : الخاضع: المطيع المنقاد الذليل، وخضعاناً جمعه. (صفوان) : الصفوان: الحجر الأملس. (فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ) : أي: كُشِف عنها الفزع، ومن قرأ: ﴿فُرِّغَ﴾ بالراء والغين المعجمة، أراد: فُرِّغت قلوبهم من الخوف. (فَحَرَّفها) : حَرَّفَها: أي أمَالَها عن جهتها المستقيمة. ⦗٦٢⦘ (الشهاب) : الشعلة من النار، وأراد به: الذي ينقض في الليل شبه الكواكب. ٣٠٧٣ - (م ت) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: أَنهم بينا هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رُمِيَ بنجم واسْتنارَ، فقال لهم رسولُ الله ﷺ: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وَلد الليلةَ رجل عظيم، ومات رجل عظيم، ف قال رسول الله ﷺ: فإنها لا يُرمَى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكنَّ ربَّنا - تبارك اسمه - إذا قضى أمراً سبَّحَ حملةُ العرش، ثم سبح أهلُ السماء الذين يَلونَهم، حتى يبْلُغَ التَّسبيحُ أّهلَ هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربُّكم؟ فيخبرونهم ما قال: فيَستَخبرُ بعضُ أهل السماوات بعضاً، حتى يبلغ الخبرُ هذه السماء الدنيا، فيخطِف الجنُّ السَّمع فيَقْذفُون إلى أوليائهم، ويرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يُفَرِّقُون فيه ويزيدون» . وفي رواية: «رجال من أصحاب رسول الله ﷺ» وزاد «وقال الله: ﴿حتى إذا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣] . أخرجه مسلم والترمذي. و [للترمذي] في أخرى: أَن ابن عباس قال: بينما ⦗٦٣⦘ رسولُ الله ﷺ جالس ... وذكر الحديث» ولم يذكر فيه «عن رجل من الأنصار» (١) . ٣٠٧٤ - (خ م) عائشة ﵂ قالت: «سئل رسولُ الله ﷺ عن الكهَّان؟ فقال: ليسُوا بشيء قالوا: يا رسولَ الله إنهم يُحدِّثُونا أَحياناً بالشيء فيكون حقاً. فقال رسولُ الله ﷺ تلك الكلمةُ من الحق يخطَفُها الجنِّي، فيقذِفُها في أُذن وَليِّه، فيخلطُون معها مائة كذبة» زاد في رواية: «فيُقرقِرها في أذن وليِّه كقرقرَةِ الدَّجاجة» . وفي رواية: «فيَقُرُّها في أُذن وليِّه قَرَّ الدَّجاجة» وفي رواية، قالت: «سألتُ أنا رسول الله ﷺ ... » وذكرت مثله أخرجه البخاري ومسلم. وللبخاري في رواية، قال: «الملائكة تُحدِّثُ في العَنانِ - والعَنَانُ: الغَمامُ - بالأمر يكون في السماء، فتسمعُ الشياطينُ الكلمةَ، فَتَقرُّها في أُذنِ الكاهن كما تَقُرُّ القَارُورَةُ، فيزيدوُن معها مائة كذبة» وفي أخرى له نحوه، وزاد في آخره «من عند أنفُسهم» (١) . ⦗٦٤⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الكهان) : جمع كاهن، وهو الذي يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضاً ويخطئ أبعاضاً، يزعم أن الجن تخبره بذلك كما كان يفعله في الجاهلية شِقٌّ وسَطِيح، وغيرهما من الكهان، وهو مما أبطله الإسلام، وحرمه، ونهى عن الذهاب إليه، واستماع كلامه وتصديقه بما يخبر به. (يَخْطَفُها) : أي: يسلبها بسرعة. (فيقذفها) : يقذفها: أي يُلقيها إليه. (كقرقرة الدجاجة) : القرقرة: ترديدك الكلام في أذن الأصم حتى يفهم كما يستخرج ما في القارورة شيئاً بعد شيء إذا أُفْرغت، ومن رواه كقَرِّ الدجاجة: أراد صوتها إذا قطعته، يقال: قرَّت الدجاجة تَقُرُّ قرّاً وقِريراً: إذا قطعت صوتها، فإن رددته قيل: قرقرت قرقرة، ومنه صَرَّ الباب: إذا صوَّت، وصرصر البازي، لما في صوته من الترديد، والمعنى: أن الجني يقذف تلك الكلمة إلى وليه الكاهن فيتسامع به الشياطين، كما تُؤذن الدجاجة بصوتها صاحباتها فتتجاوب، ومن شأنها أن الواحدة منهن إذا صاحت صاح سائرهن، قال الخطابي: ويجوز أن تكون الرواية «كقَرِّ الزجاجة» بالزاي، وتُعضُدُها الرواية الأخرى: «كما تقر القارورة» والقارورة: الزجاجة. يقول: فيَقُره في أذن الكاهن، كما يقر الشيء في القارورة وفي الزجاجة والله أعلم.