حُنَيناً -: «أَنَّ مُحَلِّمَ بن جَثَّامة قتل رجلاً من أشجَعَ في الإِسلام، وذلك أَوّلُ غِيَرٍ قضى به رسولُ الله ﷺ فتكلم عُيَينَةُ [بن حِصْن] في قتل الأشجعي؛ لأنه من غَطَفَان، وتكلم الأقرع بن حابس دون محلِّم؛ لأنه من خِندف، فارتفعت الأصوات، وكثرت الخصومة واللغَط، ف قال رسولُ الله ﷺ: يا عيينة، أَلا تقبل الغِيرَ؟ قال عيينة: لا والله، حتى أُدخِل على نسائه من الحرَب والحزن ما أدخل على نسائي، قال: ثم ارتفعت الأصوات، وكثرت الخصومة واللغط، فقال رسولُ الله ﷺ: يا عيينة، أَلا تقبل الغِيرَ؟ فقال عيينة مثل ذلك، إلى أَن قام رجل من بني لَيْثٍ، يقال له: مُكَيتل، عليه شِكَّةٌ، وفي يده دَرِقَةٌ (١) ، فقال: يا رسول الله، إني لم أجد لما فعل هذا في غُرَّة الإسلام مَثلاً إلا غنماً وردت، فَرُميَ أولها فنفَر آخرَها، اسْنُنِ اليوم وغَيِّرْ غداً، فقال رسول الله ﷺ: بل نعطيكم خمسين من الإِبل في فَوْرِنَا هذا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة، ⦗٤٤١⦘ وذلك في بعض أسفاره، ومحلِّم رجل طويل آدَمُ، وهو في طرَف الناس، فلم يزالوا حتى تَخَلَّصَ، فجلس بين يدي رسولِ الله ﷺ، وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله، إني قد فعلت الذي فعلتُ، وإني أَتوب إلى الله ﷿، فاستغفر لي يا رسول الله. فقال رسولُ الله ﷺ: أَقتلته بسلاحك في غُرَّة الإسلام؟ اللهم لا تغفر لمحلِّم بصوت عالٍ» . زاد في رواية: «فقام وإنه لَيَتَلَقَّى دُموعَهُ بطرف ردائه» . قال ابن إسحاق: «فزعم قومه أَن رسول الله ﷺ استغفر له بعد ذلك» . أخرجه أَبو داود (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (غِيَر) : الغِيره: الدية، وجمعها غِيَر، مثل كسرة وكسر. وقيل: الغِيَر واحد، وجمعه أغيار، مثل ضلع وأضلاع. (اللغط) : الضجة واختلاف الأصوات. (الحرب) : نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له، والحرب: الغضب. والمراد به في الاستعمال: الحزن والهم، فإن من أُخذ ماله وبقي لا شيء [له] فإنه يحزن ويهتم. (شكة) : الشكة: السلاح. ⦗٤٤٢⦘ (غرة الإسلام) : أوله، وغرة كل شيء: أوله، أراد: أول الأمر الذي جاء النبي ﷺ وحكم به. (مُكيتل - اسنن اليوم وغيِّر غداً) : معنى قوله: مُكيتل: إن مثل محلم في قتله الرجل، وطلبه ألا يقتص منه وتؤخذ منه الدية، والوقت أول الإسلام وصدره، كمثل هذه الغنم، يعني: أنه إن جرى الأمر مع أولياء هذا القتيل على ما يريد محلم، ثبط الناس عن الدخول في الإسلام معرفتهم أن القود يغير بالدية، والعرب خصوصاً وهم الحِراص على درك الأثآر، وفيهم الأنفة من قبول الدية، ثم حث رسول الله ﷺ على الإفادة منه بقوله: «اسنن اليوم وغيِّر غداً» يريد: أنه إن لم تقتص منه غيرت سنتك، ولكنه أخرج الكلام على الوجه الذي يهيج المخاطب، ويحثه على الإقدام، والجرأة على المطلوب منه. (فورنا) : فور كل شيء: أوله. (آدم) : رجل آدم: يضرب لونه إلى السواد من شدة سمرته.