المشركُون: إنَّهُ يَقْدُمُ عليكُمْ غَداً قومٌ قد وَهَنتْهُمُ الحمى، ولَقُوا منها شِدَّةً، فَجَلَسُوا ممَّا يَلي الْحِجْرَ، وأَمرهُم النبيُّ ﷺ: أنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أشْواطٍ، ويَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، لِيرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُم فقال المشركون: هؤلاء الذين زَعَمتم أن الحُمَّى قد وَهَنَتْهُمْ؟ هؤلاء أَجْلَدُ من كذا وكذا. قال ابنُ عبَّاسٍ: ولم يمنَعه [أنْ يأمرَهم] أنْ يَرْمُلُوا الأشواط كُلَّها: إلا الإبقاءُ عليهم (١) » . وفي رواية: قال البخاري: وزاد حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عن أيُّوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «لما قَدِمَ النبيُّ ﷺ لِعَامِه الَّذي اسْتأْمَنَ فِيهِ، قال: ارْمُلُوا، لِيُريَ المُشْركِينَ قُوَّتَهُم، والمشركون من قِبَلِ قُعَيْقِعَان (٢) » . وفي رواية مختصراً: قال ابنُ عباسٍ «إنما سَعَى رسولُ الله ﷺ بالبيت وبين الصفا والمروة لِيُرِيَ المشركين قُوَّتَهُ» . ⦗١٦٣⦘ هذه رواية البخاري ومسلم. وأخرج الترمذي الرواية المختصرة الأخيرة. وأخرج أبو داود والنسائي الرواية الأولى. إلا أن أبا داود قال في حديثه: «إنَّ هَؤلاء أجْلَدُ مِنَّا» . وفي أخرى لأبي داود «أنَّ رسولَ الله ﷺ أضْطَبَعَ، فاسْتَلَمَ وكبَّرَ، ثمَّ رَمَلَ ثَلاثَةَ أطْوَافٍ، فكانُوا إذا بَلَغُوا الرُّكْنَ اليمانيَّ، وتَغَيّبُوا عن قُريْشٍ، مَشَوْا، ثم يَطْلُعُونَ عليهم يَرْمُلُون، فتقول قُرَيْشٌ: كأنهم الغزلانُ، قال ابن عباس: فكانت سُنَّة» (٣) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (وهنَتْهم) : أي أضعفتهم ووعكتهم. (أن يرملوا) : الرمل: سرعة المشي والهرولة. (أشواط) : جمع شوط، والمراد به: المرة الواحدة من الطواف بالبيت. ⦗١٦٤⦘ (جلَدَهم) : الجلد: القوة والصبر. (أطواف) : جمع طوف. والطوف: مصدر طُفت بالبيت أطوف به طوفاً وطوافاً. (استأمن) الرجل: طلب الأمان. (اضطبع) : الاضطباع المأمور به في الطواف: هو أن تُدخِلَ الرِّداء من تحت إبطك الأيمن وتجمع طرفيه على عاتقك الأيسر فيبدو منكبك الأيمن ويتغطى الأيسر. وسمي بذلك لإبداء الضبعين. وهما العضدان ما تحت الإبط. ١٤٢٩ - (م د) أبو الطفيل ﵁ قال: قُلْتُ لابْنِ عبَّاسٍ: «أرأيْتَ هذا الرَّمَلَ بالبيت ثلاثَةَ أطْوَافٍ، ومَشْيَ أربْعَةِ أطوافٍ: أسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإنَّ قومَكَ يَزعُمُونَ أنه سُنَّةٌ، قال: فقال: صَدَقُوا وكذَبُوا (١) ، قال: قلت: ماقولك: صَدَقُوا وكَذَبُوا؟ قال: إنَّ رسولَ الله ⦗١٦٥⦘ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فقال المشركون: إنَّ مُحَمَّداً وأصحابَهُ لا يَسْتَطِيعونَ أنْ يَطُوفُوا بالبيت من الهُزَالِ، وكانُوا يَحْسُدُونهُ، قال: فأمرَهُمْ رسولُ الله ﷺ: أنْ يَرْمُلُوا ثَلاثاً، ويَمْشُوا أربعاً، قال: قلتُ له: أخْبِرْني عن الطَّوَافِ بيْنَ الصَّفا والمروةِ راكباً: أسُنَّةٌ هُوَ؟ فإنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أنه سُنَّةٌ، قال: صَدَقُوا وكذَبوا، قال: قُلْتُ: وما قولُكَ: صدقوا وكَذَبُوا؟ قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ كثُرَ عليه النَّاسُ، يقولون: هذا مُحَمَّدٌ، هذا محمدٌ، حتَّى خَرَجَ الْعَواتِقُ (٢) مِنَ البُيُوتِ، قال: وكان رسول اللهِ ﷺ لا يُضرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كثُرَ عليه رَكبَ، والمشيُ والسعيُ أفْضَلُ» . هذه رواية مسلم. وفي رواية أبي داود قال: قلت لابن عباس: «يَزْعُمْ قوْمُكَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قد رَمَلَ بالْبيْتِ، وأنَّ ذلك سنَّةٌ؟ قال: صَدَقُوا وكذَبوا، قلتُ: ما صدقوا، وما كَذَبوا؟ قال: صدقوا: قد رَمَلَ رسولُ الله ﷺ، وكَذَبُوا: لَيْس بسُنَّةٍ، إنَّ قُرَيشاً قالت - زَمنَ الحديبية -: دَعُوا محمداً وأصحابَهُ، حتى يمُوتُوا موتَ النَّغَفِ، فَلَمَّا صَالَحُوهُ على أنْ يَجيؤوا من ⦗١٦٦⦘ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فيقيموا بمكة ثَلاثَةَ أيامٍ فَقَدِمَ رسولُ الله ﷺ، والمشركُونَ من قِبَل قُعَيْقعان: فقال رسول الله ﷺ لأصحابِهِ: ارْمُلُوا بالبَيْتِ ثَلاثاً، ولَيْسَ بسنَّةٍ، قُلْتُ: يزعم قومُك: أنَّ رسولَ الله ﷺ طَافَ بين الصَّفا والمروةِ على بعيرٍ، وأَنَّ ذلك سُنَّةٌ؟ قال: صدقوا وكذَبوا، قلت: ما صدقوا، وما كذبوا؟ قال: صدقوا، [قد] طَافَ رسولَ الله بَيْنَ الصَّفَا والمروةِ على بعير، وكذبوا، ليست بسُنَّة: كان النَّاسُ لا يُدَفعُونَ عَنْ رسول الله ﷺ، ولا يُضْرَبُونَ عَنْهُ (٣) ، فطافَ على بعيرٍ لِيَسْمَعُوا كلامَهُ، ولِيَرَوْا مَكَانهُ، ولا تَنَالُهُ أيْدِيهِمْ» (٤) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (النغف) : جمع نغفة، وهي الدودة البيضاء التي تكون في أنف الغنم والإبل.