لا نُورَثُ ما تركْنَا صدقة ؟» قالوا : نعم ، ثم أَقْبَلَ على العبَّاسِ ، وعليّ ، فقال : أنْشُدُكما باللَّهِ الذي بإذْنِه تَقومُ السماءُ والأرض ، أتَعْلَمَانِ أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال : «لا نُورَثُ ، ما تركْنَا صَدقَة ؟» قالا : نعم ، قال عمر: إنَّ الله كان خَصَّ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم بخاصَّةٍ لم يَخْصُصْ بها أحدا غيره ، فقال : { ما أفَاءَ الله على رسولِه مِنْ أَهْلَ القُرَى : فَلِلَّهِ وللرَّسولِ } ( الحشر : آية ٧ ) . وفي رواية وقال : { وما أفاءَ الله على رسوله منهم فما أوْجَفْتُمْ عليه من خَيْلٍ ولا ركاب } ( الحشر : آية ٩) ، قال : فَقَسمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموالَ بَني النَّضِير، فواللهِ ما اسْتَأْثَرَها عليكم ، ولا أخَذها دُونكم حتى بَقيَ هذا المالُ ، فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يأْخُذُ منه نَفَقة سنَةٍ ، ثم يجعلُ ما بقي أسْوَةَ المال - وفي رواية : ثم يجعلُ ما بقي مَجْعَلَ مالِ الله - ثم قال: أنشُدُكمْ بالله الذي بإذْنِهِ تَقَومُ السموات والأرض ، أتَعْلَمُونَ ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم نَشدَ عَباسا وعليّا بمثل ما نَشَدَ به القومَ : أتَعْلَمَانِ ذلك ؟ قالا : نعم ، قال : فلما تُوفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكرْ : أنا وَليُّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - زاد في رواية : فَجِئْتُمَا ، تَطْلُبُ أَنت ميراثكَ من ابنِ أخِيكَ ،ويطلبُ هذا ميراث امرأتهِ من أبيها ؟ فقال أبو بكرٍ : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :لا نُورَثُ ، ما تركْنَا صَدقَةٌ ، ثم اتَّفَقا - ثم تُوفِّيَ أَبو بكرٍ ، وأنا وَليُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَوَليُّ أبي بكْرٍ ، فَوَلِيتُها ، ثم جئتَني أنت وهذا ، وأنْتما جميعٌ ، وأمرُكما واحدٌ ، فَقُلتُمْ : ادْفَعْها إلينا، فقلتُ : إنْ شِئتُمْ دَفعْتُها إليكم ، على أنَّ عليكما عهدَ الله وأَنْ تَعْمَلا فيها بالذي كانَ يعملُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأَخذْتُماها بذلك ، أكَذَلكَ ؟ قالا : نعم ، قال : ثم جئتُماني لأقضيَ بينكما،ولا والله ، لا أَقْضِي بينكما بغير ذلك ، حتى تقومَ الساعةُ ، فإنْ عَجَزْتُما عنها فَرُدَّا إليَّ. وفي رواية : وأنَّ عمر قال : كانت أموالُ بني النضيرِ مِمَّا أفاءَ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يُوجِفْ عليه المسلمون بخيلٍ ،ولا ركابٍ ، فكانت للنبيِّ خاصة ، فكان يُنفِقُ على أهله نَفقَةَ سَنةٍ. وفي رواية : ويَحْبِسُ لأهلِه قُوتَ سَنَتِهمْ ، وما بقيَ جَعَلهُ في الكُراعِ والسلاح ، عُدَّة في سبيل الله. هذه رواية البخاري ومسلم بموجب ما أخرجه الحميدي. وقال الحميدي : وقد تركنا من قول عمر - في مُعاتبتِهما ومن قولهما ألفاظا ليستْ من المُسْنَد. والذي وجدتُه في كتاب البخاري من تلك الألفاظ - زيادة على ما أخرجه الحميدي بعد قوله : اْقضِ بَيْني وبين هذا الظالم - اسْتَبَّا، قال : وهما يختصمانِ فيما أفَاءَ الله على رسوله من بني النضير. فقال الرَّهطُ - عُثمانُ وأصحابه: يا أمير المؤمنين ، اقْض بينهما ، وأرحْ أحدهما من الآخر. وبعد قوله : فقال أبو بكرٍ : أنا وَلِيُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبضها فعمل فيها بما عمل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأنتما حينئذ - وأقْبلَ على عَلِيٍّ وعباس - تَزْعُمَانِ : أن أبا بكر فيها كذا،واللهُ يَعْلَمُ إنَّه فيها صادقٌ ، بارٌّ رَاشِدٌ ، تابعٌ للحقِّ ، وكذلك زاد في حق نفسه ، قال : والله يعلم أَنّي فيها صادق، بارٌّ ،راشد ،تابع للحق. وزادَ في آخر الحديث : فإنْ عَجَزْتُمَا عنها ، فادْفَعَاهَا إليَّ ، فأنا أكْفِيكُماهَا. وفي كتاب مسلم : فقال عَبَّاسٌ : يا أميرَ المؤمنين : اقْضِ بيْني وبين هذَا الكاذِبِ الْغَادِرِ الخَائِن. وفيه قال أبو بكرٍ : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «لا نُورَثُ ، ما تركْنَا صَدقَة» فَرَأَيْتُماهُ كاذِبا آثما ، غادرا خائنا ، واللهُ يعلم إنَّهُ لصادقٌ ، بارٌّ ،راِشدٌ ، تابِعٌ للحَقِّ ، ثم تُوُفِّىَ أبو بكر، فقلتُ : أنا وليُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ووليُّ أبي بكرٍ ، فرأيْتُماني كاذِبا آثما، غادِرا خائنا ، واللَّهُ يعلمُ إنِّى لصادقٌ ، بَارٌّ راِشدٌ، تابعٌ للحق ، فَوَلِيتُها. وأخرجه الترمذي مختصرا ، وهذا لفظه : قال مالكُ بن أوس : دخلتُ على عمرَ بن الخطاب ، ودخل عليه عثمانُ بنُ عفَّان ،والزبيرُ بنُ العوام ، وعبدُ الرّحمن بنُ عوفٍ ، وسعدُ بن أبي وقَّاصٍ ، ثم جاء علىٌّ والعبَّاسُ يختصمان ، فقال عمر لهم : أنْشُدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتَعْلمونَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا نُورَثُ ، ما تركْنَا صَدقَةٌُ ؟» قالوا : نعم ، قال عمر : فلمَّا تُوفِّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكرٍ : أنا وليُّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فجئتَ أنتَ وهذا إلى أبى بكرٍ ، تطلبُ أنتَ ميراثكَ من ابن أخيك ، ويطلبُ هذا ميراثَ امرأته من أبيها ، فقال أبو بكر : إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا نُورَثُ ، ما تركْنَا صَدقَة» والله يعلمُ إنه صادقٌ ، بارٌّ راشدٌ ، تابع للحقِّ. قال الترمذي : وفي الحديث قِصة طويلة ، ولم يذكرها. وأخرجه أبو داود بطوله ، زاد فيه: «والله يعلم إنه صادق ، بارٌّ راشدٌ ، تابعٌ للحق» . ثم قال أبو داود : إنما سألا : أن يُصَيِّرَه نصفين بينهما ؟ لا أنهما جهلا عن ذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : «لا نُورَثُ ، ما تركْنَا صَدقَة» فإنهما كانا لا يطلبان إلا الصواب ، فقال عُمرُ: لا أوقِعُ عليه اسم القَسْمِ ، أدَعُهُ على ما هو. وفي رواية أخرى له بهذه القصة : قال : «وهما - يعني عليّا والعباس - يخْتصمان فيما أفاءَ اللهُ على رسَوُلهِ من أموالِ بني النضير» . وأخرجه النسائي بنحوٍ من هذه الرواية ، وهذه أتمُّ لفظا. وزاد : ثم قال : { واعْلَمُوا : أنَّما غَنِمتُمْ من شيءٍ فأَنَّ للَّه خُمُسَهُ ، وللَّرسُولِ،ولذي القُربى واليتامي ، والمساكين } ( الأَنْفَال : آية ٤١) هذه لهؤلاء { إنَّما الصدقاتُ للفقراءِ والمساكينِ ، والعاملين عليها والمؤلَّفَةِ قلوبهم ، وفي الرِّقاب والغارمين ، وفي سبيل الله وابن السبيل } ( التوبة : آية ٦٠) هذه لهؤلاء { وما أفاءَ الله على رسوله منهم فما أَوْجَفْتُمْ عليه من خَيْلٍ ولا ركابٍ } ( الحشر : آية٦) قال : قال الزهري : هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصَّة ، قُرى عُرَيْنَة. قال : كذا وكذا { ما أفَاءَ اللَّه على رسولِه مِنْ أَهْل القُرَى : فَلِلَّهِ وللرَّسُولِ } (الحشر : آية٧ ) ،و { لِلْفُقَراءِ المهاجرينَ الذين أُخرِجُوا من ديارهم وأَموالهم } ( الحشر : آية ٨) ، {والذين تَبوّءوا الدَّارَ والإيمان من قبلهم } ( الحشر : آية ٩) ، { والذين جاءو من بعدهم } ( الحشر : آية ١٠ ) ، فاسْتَوَعبَتْ هذه الآيةُ النّاسَ ، فلم يبق رَجُلٌ من المسلمين إلا وله في هذا المالِ حقٌٌّ- أو قال : حظٌٌّ- إلا بَعضَ مَنْ تَمْلِكُونَ من أَرِقَّائِكمْ ، ولَئنْ عِشتُ - إن شاء اللهُ - لَيأْتِيَنَّ على كلِّ مُسلمٍ حقُّهُ -أو قال : حظُّهُ. وأخرج أبو داود عن الزهري قال:قال عمر: {فما أوْجَفْتُمْ عليه من خَيْلٍ ولا ركاب } . وفي رواية أخرى لأبي داود. قال أبو البُختري : سمعتُ حديثا من رجلٍ ، فأعجبني.فقلت: اكتُبْه لي ، فَأتَى به مكتوبا مُذَبَّرا : دَخلَ العباسُ وعلىٌّ على عمرَ ، وعنده طلْحَةُ ، والزبيرُ ،وعبدُ الرحمن ،وسعدٌ ، وهما يختصمان ، فقالَ عمرُ لطلحةَ،والزبير،وعبد الرحمن ، وسعيدٍ : ألم تعلموا : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : «كلُّ مالِ النبيِّ صَدقَةٌ ، إلا ما أطعمهُ أهَله ، أو كَسَاُهم ، إنا لا نُورَث ؟» قالوا : بَلى ، قال : فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ من ماله على أهله ، ويتصدَّقُ بِفَضْلِهِ ، ثمَّ توفِّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فولِيها أبو بكرٍ سَنَتَيْنَ ، وكان يَصَنعُ الذي كان يصنعُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم .. ثم ذكر شيئا من حديثِ مالك بن أوس. وفي رواية أخرى عن مالك بن أوس قال : كان فيما اْحتَجَّ به عمر أنْ قال : كانتْ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثُ صَفَايا : بَنُو النَّضير وخَيْبَر وفدكُ ، فأمَّا بَنُو النَّضير : فكانت حَبْسا لِنَوائبِه ، وأما فدكُ :فكانَتْ حَبْسا لأبناءِ السبيل ، وأما خيبر فجزَّأها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثَة أجزاءٍ : جُزْئينِ بين المسلمين ، وجزءا نفقة لأهله ، فما فَضَلَ عن نَفَقَةِ أَهْلِهَ ، جعله بين فُقراءِ المهاجرين. قال الزهري : وكانت بنُو النَّضير لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، لم يَفْتَحُوهَا عَنْوة افتتحُوهَا على صُلحٍ ، فَقَسَمَها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ،ولم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئا ، إلا رُجلَيْن كانت بهما حَاجَةٌْ. وفي رواية مختصرة للترمذي ، وأبي داود ، والنسائي ، عن مالك بن أوس قال:سمعتُ عمرَ بن الخطاب يقولُ: كانت أموالُ بَني النضير ، مِمَّا أفَاء الله على رسولِهِ ، مِمَّا لم يُوجِفْ عليه المسلمونَ بخَيْلٍ ولا ركابٍ ،وكانت لرسوِلِ الله صلى الله عليه وسلم خالِصا، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْزِلُ نَفَقَةَ أهلِهِ سنة ، ثم يجعلُ ما بقَي في الكُراع ،والسِّلاحِ : عُدَّة في سبيلِ الله. قال الحميديُّ في كتابه : زادَ البَرْقاني في روايته : قال : فَغَلَبَ على هذه الصدقِة علىٌّ رضي الله عنه ، فكانت بيدِ عليٍّ ، ثم كانت بيد حسنِ بن عَلِيّ ، ثم كانت بيد حُسينٍ ، ثم كانت بيد علي بن حسْينٍ ، ثم كان بيد الحسنِ بن الحسن ، ثم كانت بيدِ زيد بن الحسن ، ثم كانت بيد عبد الله بن الحسن ، ثمَّ ولَيها بنُو العبَّاسِ.