إذَا رَأى رُؤْيا قَصَّها على النبيِّ ﷺ، فَتَمَنَّيْتُ أنْ أرَى رُؤْيا أقُصُّها على النبي ﷺ، وكُنتُ غُلاماً شَاباً عَزَباً أنام في المسجد على عهد رسول اللهِ ﷺ، فرأيتُ في المنام كأنَّ مَلَكَيْنِ أخَذَاني فَذَهَبا بِي إلى النَّارِ، فإذا هي مَطْوَّيةٌ كطيِّ البئرِ، وإذا لها قَرْنانِ كَقَرْنَيِ البئرِ، وإذا فيها أُناسٌ قد عَرَفْتُهُمْ، فجعلتُ أَقولُ: أعوذُ بالله من النار. ولمسلم في أخرى: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، ثَلاث مَرَّاتٍ، فَلَقِيهُما مَلَكٌ آخرُ، فقال لي: لمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُها على حَفصة، فقصَّتْها حفصةُ على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «نِعمَ الرجلُ عبدُ الله (١) ، لو كانَ يُصلِّي من اللَّيل» قال سالم: فكان عبد الله لا ينامُ من اللَّيْل إلا قليلاً. هذه رواية البخاري، ومسلم. وللبخاري أيضاً: أنَّ ابنَ عُمَرَ قال: رَأَيتُ في النَّومِ: كأنَّ في كَفِّي سَرَقَة مِنْ حريرٍ، لا أهْوي بها إلى مكانٍ في الجنةِ إلا طَارتْ بي إليه، فَقَصَصْتُها على حَفصة، فقصَّتْها حفصةُ على النبي ﷺ، فقال: إنَّ أَخاكِ رجلٌ صالحٌ» ، أو قَالَ: «إنَّ عبدَ الله رجلٌ صالحٌ. ⦗٥٤٢⦘ وفي أخرى له قال: إِنَّ رِجَالاً من أصحابِ رسولِ الله ﷺ كانُوا يَرْونَ الرؤيا على عهدِ رسولِ الله ﷺ، فَيقُصُّونَها على رسولِ اللهِ ﷺ، فَيقُولُ [فيها] رسولُ الله ﷺ [ما شاء الله] وأنا غلامٌ حديثُ السنِّ، بيتي المسجدُ قبلَ أنْ أَنْكِحَ، فقلتُ في نفسي: لو كان فيكَ خيرٌ، لَرَأيْتَ ما يَرَى هؤلاء، فلمَّا اضْطَجعتُ ليلة قلتُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنتَ تَعلمُ فيَّ خَيراً، فَأرِني رؤْيا، فَبينا أنا كذلك إذْ جاءني مَلَكانِ، في يدِ كل واحدٍ منهما مِقْمَعَةُ حَدِيدٍ، فحملاني إلى جَهَنمَ، وأنا بينهما أدُعو الله: اللهم إنِّي أعُوذُ بِكَ من جَهَنَّم، ثم أُرَاني لَقِيني مَلَكٌ في يدِه مِقْمعةٌ من حديدٍ، فقال: لمْ تُرَعْ، نِعْمَ الرجلُ أنتَ، لَوْ تُكْثِرُ الصَّلاة، فَانْطلقُوا بِي، حتى وقَفُوا بي على شَفِير جَهنمَ، فإذا هي مَطْوِيّةٌ كطيِّ البئرِ، لها قُرُونٌ كقُرُونِ البئرِ (٢) ، بينَ كلِّ قَرْنَينِ مَلَكٌ بيدِهِ مقمعةٌ من حديدٍ، وأرى فيها رجالاً مُعلَّقِينَ بالسَّلاسِلِ، رُؤُوُسُهمْ أسْفَلُهُم، عَرَفْتُ فيها رجالاً من قُريْشٍ، فَانصَرفُوا بي [عن] ذات اليمين، فَقَصَصْتُها على حَفصة، فقصَّتْها حفصةُ على رسول الله ﷺ فقال رسولُ الله ﷺ: «إنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صالِحٌ» ، قال نافِعٌ: فلم يَزلْ بعدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلاةَ. وفي رواية لمسلم: رأيتُ في المنامِ كأنَّ في يَدِي قِطْعَةَ إسْتَبْرَقٍ، وليس ⦗٥٤٣⦘ مَكانٌ من الجنَّةِ أُريدُ إلا طَارَتْ بي إليه، فَقَصَصْتُهُ على حَفصة، فقصَّتْهُ حفصةُ على النبيِّ ﷺ، فقال النبي ﷺ: «أرَى عبدَ اللهِ رجُلاً صالِحاً» . وفي أخرى قال: رأيتُ على عهد النبي ﷺ كأنَّ بِيَدي قِطعَةَ إسْتبْرَقٍ، فكأنِّي لا أُريِدُ مكاناً من الجنَّةِ إلا طَارتْ بي إليه، ورأيتُ كأنَّ اثْنَيْنِ أتياني أرَادَا أنْ يَذْهَبَا بي إلى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ: لم تُرَعْ، خَلِّيا عنه، فََقصّتْ حَفْصَةُ إحْدَى رْؤيَتَيَّ على النبي ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ اللهِ، لو كان يُصَلِّي باللَّيْلِ» ، فكان عبدُ اللهِ يُصَلِّي من الليل، وكانوا لا يَزَالونَ يَقُصُّوَن على النبي ﷺ الرؤيا: أنها في الليلة السابعة من الْعَشْرِ الأَواخِرِ - يعني ليلةَ القَدْرِ - فقال النبيُّ ﷺ: «أَرَى رؤْياكُمْ قَدْ تَواطَأتْ في العشر الأواخر، فمن كان مُتَحَرِّياً، فَلْيَتَحَرَّها في العشْر الأواخِرِ» . هكذا أخرج الحميدي هذا الحديث في مسند حَفْصَةَ، وجعله حديثاً واحداً كما سَرَدْناهُ، وكأنَّهُ حديثان؛ لأن المنامَيْن في مَعنيَين. أحدهما: ذِكرُ المْلَكَينِ، والنار، والآخر: ذكر السَّرَقةِ الحرير والجنة. إلا أن يكون حيث اشتملت هذه الرواية الأخيرة على المعنيين جَعَلهُ حديثاً واحداً، فَنَعَمْ، ولذلك اقْتَدَيْنا به، فذكرناه حديثاً واحداً كما ذكر (٣) . ⦗٥٤٤⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (سرقة) السرقة [بفتحتين] : الحرير، وجمعها: سرق. (لم ترع) : أي لم تفزع. (أهوى) بيده إلى الشيء: مدها إليه ليأخذه. (مقمعة) المقمعة: واحدة المقامع، وهي سياط تعمل من حديد رؤوسها معوجة. (شفير جهنم) شفير الوادي: جانبه وحرفه. (إستبرق) الإستبرق: ما غلظ من الديباج. (تواطأت) المواطأة: الموافقة، كأن كلاً منهما وطىء ما وطئه الآخر. (متحرياً) التحري: القصد وطلب الشيء بجد واجتهاد. ١٠١٧ - (خ م ت د) ابن عباس ﵄: قال: إنَّ رجُلاً أَتى رسولَ الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني رأيتُ الليلةَ في المنام: كأنَّ ظُلَّة تَنْطِفُ السَّمْنَ والعَسَلَ، وأرى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ منها بأيديهم، فالمُسْتكْثِرُ (١) والمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا بِسَبَبٍ واصِلٍ من الأرضِ إلى السماءِ، فأراكَ أخَذْتَ به فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ به رجُلٌ آخر فعلا بِهِ، ثُمَّ أخذَ به رجل آخرُ، ⦗٥٤٥⦘ فانْقَطَع به، ثُمَّ وُصِِلَ له فَعَلا، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله ﷺ بِأبي أنتَ، واللهِ لَتَدَعَنِّي فَأعْبُرَها، فقال النبيُّ ﷺ: «اعْبُرْها» ، قال أبو بكرٍ: أمَّا الظُّلَّةُ، فَظُلَّةُ الإسلام، وأمَّا الذي يَنْطِفُ من العسلِ والسَّمْنِ، فالقرآنُ: حَلاوَتُهُ وَليِنُهُ. وأمَّا ما يَتَكَفَّفُ النَّاسُ من ذلك، فالمستكثِر من القرآن والمستقِل، وأما السَّبَبُ الواصل من السماء إلى الأرض، فالحقُّ الذي أنتَ عليه، تأخُذُ به فَيعليِكَ اللهُ [به] ، ثُمَّ يأخُذُ به رجلٌ من بعدِكَ فَيَعْلُو به، ثم يأخذ به رجلٌ آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجلٌ آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخْبِرْني يا رسولَ الله، بأبِي أَنتَ، أصَبْتُ، أمْ أَخْطَأْتُ؟ قال النبي ﷺ: «أصَبْتَ بعضاً، وأَخطَأْتَ بعْضاً» ، قال: فواللهِ لتُحَدِّثَنِّي بالذي أَخْطَأْتُ، قال: «لا تُقسِمْ» . وفي رواية قال: جاء رَجُلٌ إلى النبي ﷺ مُنْصَرَفَهُ من أُحُدٍ، فقال: يا رسول الله، إنِّي رأَيتُ اللَّيْلَةَ ... وذكر الحديث بمعناه. وفي رواية عن ابن عباس أو أبي هريرة وكان مَعْمَرٌ يقولُ أحْياناً: عن ابن عباسٍ، وأحياناً: عن أبي هريرة. وفي رواية: أَنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ مِمَّا يقولُ لأصحابِهِ: مَنْ رأى منكم رؤيا فَلْيَقُصَّها أَعْبُرُها، قال: فجاء رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، رأيتُ ظُلَّة - وذكر نحوه. أخرجه البخاري، ومسلم. وأخرج الترمذي، وأبو داود الرواية الأولى، وجَعَلاهُ عن ابنِ عباسٍ، عن أبي هريرة. ⦗٥٤٦⦘ وأخرجه أبو داود أيضاً في رواية أخرى عن ابن عباسٍ عن النبي ﷺ وزاد في آخره: فأَبَى أن يُخْبِرَهُ (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ظلة) الظلة: كالسحابة، تظل من تحتها. (تنطف) أي: تقطر. (يتكففون) التكفف: مد الأيدي للأخذ، أي: يأخذون بأكفهم. (السبب) : الحبل، وكل ما يتوصل به إلى ما يتعذر الوصول إليه، فهو سبب. (فاعبرها) عَبَرت الرؤيا وعَبَّرْتها - مخففاً ومثقلاً - أَعْبُرها [وأُعَبِّرُها] عَبْراً وتعبيراً: إذا أخبرت بما يؤول إليه أمرها.