كعبٌ: لم أتخلَّفُ عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قَطُّ إِلا في غزوة تبوك، غير أنِّي تخلَّفتُ في غزوة بَدْرٍ، ولم يُعاتِبْ أحداً تَخلَّفَ عنها، إِنما خرجَ رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عِيرَ قُرَيْشِ، حتى جَمَع الله بينهم وبين عَدُوِّهمْ على غير ميعادٍ، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العَقَبة (١) ، حين تواثَقْنَا (٢) على الإِسلام، وما أُحِبُّ أَنَّ لي بها (٣) مَشْهَدَ بَدْرٍ وإن كانت بدرٌ أذْكَرَ في الناس منها، وكان مِنْ خَبَري حين تخَلَّفْتُ عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أقوَى، ولا أيْسرَ منِّي حين تَخَلَّفْتُ عن رسولِ الله ﷺ في تلك الغزوةِ، واللهِ ما جمعتُ قَبْلَها راحلتين قَطُّ، حتى جَمَعْتُهُما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسولُ الله ⦗١٧٣⦘ ﷺ في حَرٍّ شَديدٍ، واستقْبَلَ سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عَدُوّاً كثيراً فَجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبوا أُهْبَةَ (٤) غزوهم، وأخبرهم بوجْهِهم الذي يريدُ، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير (٥) لا يجمعهم كتابُ حافظٍ - يريد بذلك الديوانَ (٦) - قال كعبٌ: فقلَّ رجل يريد أن يَتَغَيَّبَ، إلا ظَنَّ أنَّ ذلك سَيَخْفى ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله ﷿، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمارُ والظِّلالُ، فأنا إِليها أصعَرُ، فتهجر (٧) رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطَفِقْتُ أغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ معهم، فأرجعُ ولم أَقضِ شيئاً، وأقول في نفسي: أَنا قادرٌ على ذلك إِذا أردتُ، فلم يزل ذلك يتمادَى بي، حتى استمرَّ بالناس الجِدُّ، فأَصبح رسول الله ﷺ غادِياً، والمسلمون معه، ولم أقضِ من جَهازي شيئاً، ثم غدوتُ فرجعتُ، ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى [بي] حتى أسرعوا، وتفارطَ الغزوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فأُدْرِكَهُمْ، فيا ليتني فَعَلْتُ، ثم لم يُقدَّر ذلك لي، فَطَفِقْتُ إِذا خرجت في الناس - بعد خروج رسول الله ﷺ يَحْزُنُني أني لا أرى لي أُسْوَة، إِلا رجلاً مغموصاً عليه في النِّفاق، أَو ⦗١٧٤⦘ رجلاً ممن عذَرَ اللهُ من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغَ تبوكاً (٨) فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعبُ بن مالك؟» ، فقال رجل من بني سَلِمَةَ: يا رسول الله، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ، فقال له معاذ بن جَبَل: بِئْسَ ما قُلْتَ (٩) ، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إِلا خيراً، فسكتَ رسولُ الله ﷺ، فبينا هو على ذلك رأى رجُلاً مُبَيِّضاً (١٠) يَزُول به السَّرابُ، فقال رسول الله ﷺ: «كُنْ أَبا خَيثَمَة (١١) » ، فإِذا هُوَ أبو خَيثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تصدَّق بصاعِ التمرِ حين لمزَه المنافقون، قال كعبٌ: فلما بلغني أَن رسولَ الله ﷺ قد توَجَّه قافِلاً من تبوك، حضرني بَثِّي، فطفقتُ أَتذكَّرُ الكذبَ، وأَقول: بم أَخرجُ من سَخَطِهِ غداً؟ وأستعينُ على ذلك ⦗١٧٥⦘ بكلِّ ذي رأيٍ من أَهلي، فلما قيل: إِنَّ رسولَ الله ﷺ قد أَظَلَّ قادماً، زاحَ عنِّي الباطِلُ، حتى عرفتُ أني لن أَنجوَ منه بشيءٍ أبداً، فأجمعْتُ صِدْقَهُ (١٢) ، وَصَبَّحَ رسولُ الله ﷺ قادماً، وكان إِذا قَدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناسِ، فلَمَّا فَعل ذلك جاءهُ المُخَلَّفُونَ، فطَفِقُوا يعتذرون إِليه، ويحلفون له، وكانوا بِضعة وثمانين رجُلاً، فقَبِلَ منهم عَلانيتَهم، وبايَعهم، واستغفر لهم، ووَكَل سرائرهم إِلى الله، حتى جئتُ، فلمَّا سلَّمتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّم المُغْضَبِ، ثم قال: «تعالَ» ، فجئتُ أَمْشي، حتى جَلَسْتُ بين يديْهِ، فقال لي: «ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكن قدِ ابتعتَ ظَهرَكَ؟» قلتُ: يا رسول الله، إِنِّي - واللهِ- لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أَنِّي سأخرُجُ من سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، لقد أُعطِيتُ جَدَلاً، ولكني -والله- لقد علمتُ لَئنْ حَدَّثْتُك اليومَ حَديثَ كذِبٍ ترضى به عني، ليوشكنَّ اللهُ أن يُسخِطَكَ عليَّ، ولئَن حَدَّثتُكَ حديثَ صِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إِني لأرجو فيه عُقْبى الله ﷿ وفي رواية: عفو الله -[والله] ما كان لي من عُذْرٍ، والله ما كنتُ قَطُّ أَقْوَى ولا أيْسرَ منِّي حين تَخَلَّفْتُ عنك، قال: فقال رسول الله ﷺ: «أَمَّا هَذا فقد صدق، فَقُمْ حتى يَقْضيَ اللهُ فيك» ، فقمتُ، وثارَ رجالٌ من بني سَلِمةَ، فاتَّبعوني، فقالوا لي: واللهِ ما علمناكَ أَذنبتَ ذنباً قَبلَ هذا، لقد عَجَزتَ في أن لا تكونَ اعتَذَرْتَ ⦗١٧٦⦘ إِلى رسول الله ﷺ بما اعتذَرَ إِليه المُخَلَّفون، فقد كان كافِيَكَ (١٣) ذَنْبَكَ استغفارُ رسولِ الله ﷺ لك، قال: فَوَ الله ما زالوا يُؤنِّبُونَني حتى أردتُ أَنْ أرجعَ إِلى رسول الله ﷺ، فأُكَذِّبُ نَفسي، قال: ثم قُلتُ لهم: هل لَقِي هذا مَعي من أحَدٍ؟ قالوا: نعم، لَقِيهُ مَعَكَ رَجُلانِ، قالا مِثلَ ما قُلتَ، وقيل لهما مثلَ ما قِيلَ لكَ، قال: قلتُ: مَن هما؟ قالوا: مُرارةُ بن الرَّبيع العامِريُّ (١٤) ، وهِلالُ ابنُ أُمَيَّة الواقِفيُّ (١٥) ، قال: فذكروا لي رجُلين صالحَيْنِ قد شَهِدا بَدراً، ففيهما أُسْوَةٌ، قال: فمضيتُ حين ذكروهما لي، قال: ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلامنا أَيُّها الثلاثةُ (١٦) من بينِ من تَخَلَّفَ عنه، قال: فَاجْتَنَبَنَا ⦗١٧٧⦘ الناسُ - أو قال: تغيَّرُوا لنا - حتى تنكَّرَتْ ليَ في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبِثْنَا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحِبايَ فاستكانا، وقَعَدَا في بيوتهما يَبكيان، وأَما أَنا فكنتُ أَشَبَّ القومِ وأَجلَدَهُمْ، فكنتُ أخرُجُ، فأَشهَدُ الصلاةَ، وأطوفُ في الأسواق، فلا يكلِّمُني أحدٌ، وآتِي رسولَ الله ﷺ، فَأُسَلِّمُ عليه - وهو في مجلِسِهِ - بعدَ الصلاةِ، فأقولُ في نفسي: هل حرَّكَ شَفَتَيْهِ بِردِّ السلام، أمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قريباً منه، وأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فإِذا أَقْبَلْتُ على صَلاتِي نَظَرَ إِليَّ، وإِذا الْتَفَتُّ نحوه أَعْرَضَ عنّي، حتى إِذا طَالَ عليَّ ذلكَ مِن جَفْوَةِ المُسلمينَ، مَشَيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِطِ أَبي قتادة - وهو ابنُ عَمِّي، وأحَبُّ النَّاس إِليَّ - فسلَّمْتُ عليه، فو اللهِ ما رَدَّ عليَّ السلام، فقُلْتُ له: يا أَبَا قتادة، أَنشُدُكَ بالله، هل تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ ورَسولَه؟ قال: فسكتَ، فعُدتُ فناشَدْتُهُ، فسكتَ، فعدتُ فناشدْتُهُ، فقال: اللهُ ورسولُهُ أعلم (١٧) ، ففاضت عَيْنَايَ، وتوَّليتُ حتى تَسوَّرتُ الجدارَ، فبينا أَنا أَمْشي في سُوقِ المدينة، إِذا نَبَطِيٌّ من نَبَطِ أَهل الشام (١٨) ، مِمَّنْ قَدِمَ بِطعامٍ يبيعه بالمدينةِ، يقول: مَنْ يَدَلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ؟ قال: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشيرونَ له إِليَّ، حتى جاءني، فدفعَ إِليَّ كتاباً من ملك غسانَ، وكنتُ كاتباً، فقرأتُهُ، فإِذا فيه: ⦗١٧٨⦘ أَما بعد، فإِنَّهُ قد بلغنا أن صاحبك قد جَفاك، ولم يجعلك اللهُ بدارِ هوانٍ، ولا مَضيَعةٍ، فالْحَقْ بنا نُوَاسِكَ (١٩) ، قال: فقلتُ حين قرأتُها (٢٠) : وهذه أَيضاً من البلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بها التَّنُّورَ، فسَجَرْتُها، حتى إِذا مَضتْ أَربعون من الخمسين، واسْتَلْبَثَ الوَحْيُ، فَإِذا رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ يأتيني، فقال: «إِنَّ رسولَ الله ﷺ يأمْرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امرأَتكَ» ، قال: فقلتُ: أُطَلِّقُها، أمْ ماذا أفعلُ؟ قال: «لا، بل اعتَزِلها فلا تقرَبَنَّها» ، قال: وأَرسل إِلى صَاحِبيَّ بمثل ذلك، قال: فقلتُ لامرأتي: الْحَقِي بأَهلِك، فكوني عندهم حتى يَقْضِيَ اللهُ في هذا الأمرِ، قال: فجاءَتْ امرأةُ هلال بنِ أُميةَ رسولَ الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله إِنَّ هِلالَ بن أُمَيَّةَ شيخٌ ضائِعٌ، ليس له خادمٌ، فهل تكرهُ أَن أَخْدُمَه؟ قال: «لا، ولكن لا يَقْرَبنَّكِ» ، فقالت: إِنَّهُ واللهِ ما به حَرَكةٌ إِلى شيءٍ، ووَاللهِ ما زال يبكي، منذُ كان من أَمرِهِ ما كان إِلى يومه هذا، قال: فقال لي بعْضُ أَهلي: لو اسْتَأْذَنتَ رسولَ الله ﷺ في امرأَتِكَ، فقد أذِنَ لامْرَأةِ هلالِ بن أُمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَه؟ قال: فقلتُ: لا أَسْتَأْذِن فيها رسولَ الله ﷺ، وما يُدْريني ما يقولُ رسول اللهِ ﷺ إِذا استأذْنتُهُ فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ؟ قال: فَلبِثْتُ بذلك عَشْرَ ليالٍ، فكَمُل لنا خمسونَ ليلة من حين نُهي عن كلامنا، قال: ⦗١٧٩⦘ ثم صليتُ صلاةَ الفجر صَبَاحَ خمسين ليلة، على ظَهْرِ بيتٍ من بُيُوتنا، فَبَيْنما أنا جالسٌ على الحالِ التي ذكرَ اللهُ ﷿ منَّا: قد ضاقَتْ عَليَّ نَفْسي، وضاقَتْ عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سمعتُ صوتَ صارخٍ أَوْفَى على سَلْعٍ (٢١) يقول بأعلى صوتِهِ: يا كَعْبَ بنَ مالِكٍ، أَبْشِرْ، قال: فَخَرَرْتُ ساجداً، وعلمتُ أَنْ قد جاءَ فَرَجٌ، قال: وآذَنَ رسولُ الله ﷺ بتوبَةِ اللهِ علينا حين صلَّى صلاةَ الفجر، فذهب النَّاسُ يُبَشِّرُونَنا، فذهبَ قِبَلَ صاحِبيَّ مُبَشِّرون، وركَضَ رَجلٌ إِليَّ فرساً، وسعَى ساعٍ من أَسْلَمَ قِبَلي، وأوْفَى على الجبل، وكانَ الصوتُ أَسرعَ من الفرسِ، فلما جاءني ال ذي سمعتُ صوتَهُ يُبَشِّرُني، نَزَعتُ له ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُما إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، والله ما أَمْلِكُ غيرَهُما يومئذٍ، واستَعَرْتُ ثوبين فلَبِسْتُهُما، وانْطَلَقْتُ أَتَأمَّمُ رسولَ الله ﷺ، يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً، يُهَنِّؤوني بالتَّوْبةِ، ويقولون: لِتَهْنِئْكَ توبةُ الله عليك، حتَّى دخلتُ المسجد، فإِذا رسولُ الله ﷺ حَوْلَهُ النَّاسُ، فقام طَلْحَةُ بنُ عُبيْدِ اللهِ (٢٢) يُهَرْوِلُ، حتى صافَحَني وهَنَّأَنِي، والله ما قام رجلٌ من المهاجرين غيرُهُ، قال: فكان كعبٌ لا يَنْسَاها لِطَلْحةَ، قال كعبٌ: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال- وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ من السرور -: «أَبْشِر بِخَيْرِ يومٍ مرَّ عليك منذُ وَلَدتْكَ أُمُّكَ» ⦗١٨٠⦘، قال: فقلتُ: أمِن عندِكَ يا رسولَ اللهِ، أَم من عنْدِ الله؟ فقال: «بلْ مِن عِنْدِ اللهِ» ، وكان رسولُ الله ﷺ إِذا سُرَّ اسْتَنَارَ وجهُهُ، حتى كأنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمرٍ، قال: وكُنَّا نَعْرِفُ ذلك، قال: فلمَّا جلستُ بين يديه، قلتُ: يا رسولَ الله، إِنَّ من تَوْبَتي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مالي صَدَقَة إِلى الله وإِلى رسول الله، فقال رسولُ الله ﷺ: «أَمْسِكْ بعْضَ مَالِكَ، فهو خيرٌ لك» ، قال: فقلتُ: فإني أُمْسِكُ سَهْمي الذي بِخَيْبَرَ، قال: وقلت: يا رسول الله، إِن الله إِنَّمَا أَنجاني بالصِّدق، وإِن من توبتي أَن لا أُحَدِّثُ إِلا صِدْقاً ما بَقِيتُ، قال: فوالله ما علمتُ أَحداً من المسلمين أَبْلاهُ الله في صِدق الحديث منذُ ذكرْتُ ذلك لرسول الله ﷺ أَحْسَنَ مما أبلاني الله (٢٣) ، وَوَاللهِ ما تَعَمَّدْتُ كَذْبَة مُنْذُ قلت ذلك لِرَسُولِ الله ﷺ إِلى يومي هذا، وإِني لأرْجو أن يَحْفَظَنِيَ اللهُ فيما بَقِيَ، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿لَقَد تابَ اللهُ على النبيِّ والمُهَاجرينَ والأَنصارِ الذينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بعدِ ما كَادَ يَزِيغُ قُلوبُ فريق منهم ثم تابَ عليهم إِنَّهُ بهم رؤوفٌ رَحيمٌ. وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا حتى إِذَا ضَاقَتْ عليهمُ الأرضُ بِمَا رَحُبَتْ وضاقَتْ عليهم أَنفُسُهُم وظنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلا إِليه ثم تابَ عليهم ليتوبوا إِنَّ اللهَ هو التَّوابُ الرحيم. يا أيُّها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩] ، قال كعبٌ: واللهِ ما أَنعمَ اللهُ عليَّ ⦗١٨١⦘ من نِعْمَةٍ قَطُّ - بعدَ إِذْ هداني للإِسلام - أعْظَمَ في نفسي من صِدْقِي رسولَ الله ﷺ: أَنْ لا أكونَ (٢٤) كَذَبْتُهُ فأهْلِكَ كما هَلَكَ الذين كَذَبُوا، إِنَّ اللهَ قال للذينَ كَذَبوا حين أَنْزَلَ الوْحيَ شَرَّ ما قال لأَحَدٍ، فقال الله: ﴿سَيَحْلِفُونَ باللهِ لكم إِذا انقَلَبْتُم إِليهم لِتُعْرِضُوا عنهم فأَعْرِضُوا عنهم إِنَّهُم رِجْسٌ ومأْواهم جهنَّمُ جزاءً بِمَا كانوا يكسبون. يحلفون لكم لتَرْضَوْا عنهم فإِن تَرْضَوْا عنهم فَإِنَّ اللهَ لا يَرضَى عن القومِ الفاسقين﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] ، قال كعب: كُنَّا خُلِّفْنا - أَيُّها الثلاثةَ - عن أمْرِ أُولئِكَ الذين قَبِلَ منهم رسولُ الله ﷺ حين حَلفُوا له، فبايَعَهُم واستغفر لهم، وأَرجأ رسولُ الله ﷺ أمْرَنا، حتى قَضَى اللهُ تعالى فيه بذلك، قال اللهُ ﷿: ﴿وَعلى الثلاثةِ الذين خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] ، وليس الذي ذُكِرَ مما خُلِّفْنا عن الغَزْو، وإِنَّمَا هو تَخْلِيفه إِيَّانا، وإِرجاؤه أَمْرَنا عَمَّن حَلَفَ له، واعتذر إِليه فَقَبِلَ منه. وفي رواية: ونهى النبيُّ ﷺ عن كلامي وكلام صاحبَيَّ، ولم يَنْهَ عن كلامِ أَحدٍ من المتخلِّفين غيرِنا، فاجْتَنَبَ الناسُ كلامَنَا، فَلَبِثْتُ كذلك، حتى طال عليَّ الأمْرُ، وما من شيءٍ أَهَمُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ، فلا يُصَلِّي عليَّ النبيُّ ﷺ أو يموتَ رسولُ الله ﷺ، فأَكون من النَّاسِ بتلكَ المنزلَةِ، فلا يكلِّمني أَحَدٌ ⦗١٨٢⦘ منهم، ولا يُسَلِّمُ عليَّ، ولا يُصَلِّي عليَّ، قال: فأَنزل الله تَوْبَتنا على نبيِّهِ ﷺ، حين بقي الثلثُ الأَخيرُ من الليل، ورسولُ الله ﷺ عند أُمِّ سَلَمَةَ، وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَة في شأني مَعْنيَّة (٢٥) بأمري، فقال رسولُ الله ﷺ: «يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ على كَعْبٍ» ، قالت: أَفلا أُرْسِلُ إِليه فأُبَشِّرُهُ؟ قال: إِذاً يَحْطِمُكُمُ الناسُ، فيمنعونكم النوْمَ سائرَ الليْلِ، حتى إِذا صَلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الفجر، آذَنَ رسولُ الله ﷺ بتوبةِ الله علينا. وفي رواية: أَنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ يومَ الخميس في غزوة تبوك، وكان يحبُّ أن يخرجَ يومَ الخميس. وفي رواية طَرَفٌ من هذا الحديث، وفيها زيادة معنى: أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان لا يَقْدَمُ من سَفَرٍ إِلا نهاراً في الضُّحَى، فإِذا قَدِمَ بدأَ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه. هذه روايات البخاري ومسلم (٢٦) . ⦗١٨٣⦘ وأَخرج الترمذي طَرَفاً من أوَّلِهِ قليلاً: ثم قال ... وذكر الحديث بطوله، ولم يذكر لفظه ... ثم أَعادَ ذِكْر دُخُولِ كعبٍ على النبيِّ ﷺ في المسجد، بعد نزول القرآن في شأنه ... إِلى آخر الحديث. وأَخرجه أبو داود مُجْمَلاً، وهذا لفظُهُ: أَنَّ عبد الله بن كعبٍ - وكان قائدَ كعبٍ من بَنيه حين عَمِيَ - قال: سمعتُ كعبَ بن مالك - وذكر ابنُ السَّرحِ قِصَّةَ تَخَلُّفِهِ عن رسول الله ﷺ في غزوةِ تبوك - قال: ونهى رسولُ الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّهَا الثلاثةُ، حتى إِذا طالَ عليَّ تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حائط أبي قتادة - وهو ابنُ عَمي- فسلَّمتُ عليه، فو الله ما ردَّ عليَّ السلامَ - ثم ساق خبر تنزيل تَوْبته، هذا لفظ أبي داود. وأَخرج أيضاً منه فصلاً في كتاب الطلاق، وهذا لفظه: أنَّ عبد اللهِ بن كعب - وكان قائدَ كعب من بَنِيهِ حين عَميَ - قال: سمعتُ كعب بن مالك - وساق قصته في تبوك - قال: حتى إذا مَضَتْ أربعون من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يَأْتِيني، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يأْمُركَ أن ⦗١٨٤⦘ تعتزل امرأَتَك، قال: فقلتُ: أُطَلِّقها، أم ماذا أَفْعَلُ؟ قال: لا، بل اْعتَزِْلها فلا تَقْرَبَنَّها، فقلتُ لامرأَتي: الحقي بأهلك، وكوني عندهم حتى يَقْضيَ الله في هذا الأمر. وأخرج أيضاً منه فصلاً في كتاب الجهاد، في باب إعطاء البشير، قال: سمعتُ كعبَ بن مالك يقول: كان النبيُّ ﷺ إذا قَدِمَ مّنْ سَفَرٍ بدأَ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، - قال أبو داود: وقَصَّ ابنُ السَّرْح الحديثَ - قال: ونهى النبيُّ ﷺ عن كلامنا أَيُّها الثلاثةُ، حتى إذا طالَ علي، تَسَوَّرْتُ جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عَمِّي - فسَّلمتُ عليه، فو الله ما رَدَّ عليَّ السلامَ، ثم صلَّيتُ الصبْح صباحَ خمسين ليلة، على ظَهْر بيتٍ من بيوتنا، سَمعْتُ صارخاً: يا كعبَ بن مالكٍ، أبْشِرْ، فلما جاء الذي سَمِعْتُ صوتهُ يُبشِّرُني نزَعْتُ له ثوبَيَّ، فكَسَوْتُهُما إيِّاهُ، فانطلقتُ، حتى إذا دخلتُ المسجدَ، فإذا رسول الله ﷺ جالسٌ، فقام إليَّ طَلْحَةُ بنُ عبيد الله يُهَرْوِلُ، حتى صافحني وهنَّأني. وأخرج أيضاً منه فصلاً آخر في كتاب النذُور، قال: فقلتُ: يا رسول الله، إِنِّي أَنْخَلِعُ من مالي صدَقة إلى الله ﷿، وإلى رسوله، قال رسول الله ﷺ: أَمْسك عليك بعض مالك فهو خَيْرٌ لك، قال: فقلتُ: إني مُمْسِكٌ سَهْمِي الذي بخَيْبَرَ. وفي أخرى له قال: قال كعب للنبي ﷺ أوْ أبُو لُبَابَةَ، أو مَنْ ⦗١٨٥⦘ شاء الله -: إِنَّ من توبتي: أَن أهجُر دارَ قَوْمي التي أصبتُ فيها الذَّنْبَ، وأن أَنْخَلِعَ من مالي كُلِّهِ صدَقة، قال: ويُجْزئُ عنك الثُّلُثُ. وأخرج النسائي منه فصلاً، قال: عبدُ اللهِ بنُ كعبٍ: سمعت كعبَ بن مالك يحدِّثُ حديثه، حين تَخلَّفَ عن رسول الله ﷺ في غزْوة تبُوكَ، قال: وصَبَّحَ رسولُ الله ﷺ قادماً - وكان إذا قَدِمَ من سفرٍ بَدأَ بالمسجد فركعَ فيه ركعتين، ثم جلس للناس - فلما فعل ذلك: جاءهُ المُخلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يعتذرون إليه، ويَحلِفُونَ له، وكانوا بِضْعاً وثمانين رجلاً، فقبل رسولُ الله ﷺ عَلانيتَهم، وبايعهم، واسْتَغْفَرَ لهم، وَوَكَلَ سَرائرهم إلى الله تعالى، فجئُت حتى جلستُ بين يديه، فقال: مَا خَلَّفكَ؟ أَلم تكنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، واللهِ لو جلستُ ... وذكر الحديث إلى قوله: قُمْ، حتى يقْضِي اللهُ فيك، فَقُمْتُ فَمضيْتُ. وأخرج منه أيضاً: أمْرَه باعتزال امرأته. وأخرج منه فصلاً في كتاب النذور، مثلَ ما أخرجَ أبو داود (٢٧) . ⦗١٨٦⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (عير) العير: الإبل والحمير تحمل الميرة والتجارة، ونحو ذلك. (تواثقنا) التواثق: تفاعل من الميثاق، وهو العهد والحلف. (راحلتين) الراحلة: الجمل والناقة القويان على الأسفار والأحمال، والهاء فيه للمبالغة. كداهية (٢٨) ، وراوية، وقيل: إنما سميت راحلة، لأنها تُرَحَّل، أي: تحمّل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كقوله تعالى ﴿في عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي: مرضية. (ورّى) عن الشيء: إذا أخفاه وذكر غيره. (مفازاً) المفاز والمفازة: البرية القفر، سميت بذلك تفاؤلاً بالفوز والنجاة، وقيل: بل هو من قولهم: فوَّز: إذا مات. (فجلا) جلا الشيء: إذا كشفه، أي: أظهر للناس مقصده. (بوجههم) وجه كل شيء: مستقبله، ووجههم: جهتهم التي يستقبلونها ومقصدهم. (أصعر) : أميل. (فتهجّر) التهجير: معناه: المبادرة إلى الشيء في أول وقته، ويجوز أن ⦗١٨٧⦘ يريد به وقت الهاجرة. (استمر الجد) أي تتابع الاجتهاد في السير. (يتمادى) التمادي: التطاول والتأخر. (تفارط) الغزو: تقدم وتباعد: أي بعد ما بينه وبين النبي ﷺ وأصحابه من المسافة. (طفقت) مثل جعلت. (أسوة) الأسوة - بكسر الهمزة وضمها-: القدوة. (مغموصاً) المغموص: المعيب المشار إليه بالعيب. (والنظر في عِطْفيه) يقال: فلان ينظر في عطفيه. إذا كان معجباً بنفسه. (يزول به السراب) زال به السراب يزول: إذا ظهر شخصه خيالاً فيه. (لمزه) اللمز: العيب، وقد ذُكر. (قافلاً) القافل: الراجع من سفره إلى وطنه. (بثي) البث: أشد الحزن، كأنه من شدته يبثه صاحبه: أي يظهره. (أظل) الإظلال: الدنو، وأظلك فلان: أي دنا منك، كأنه ألقى عليك ظله. (زاح) عني الأمر: زال وذهب. ⦗١٨٨⦘ (فأجمعت) أجمعت على الشيء: إذا عزمت على فعله. (المخلَّفون) جمع مخلَّف، وهم المتأخرون عن الغزو، خلفهم أصحابهم بعدهم فتخلَّفوهم. (بضعة) البضع: ما بين الثلاث إلى التسع من العدد. (ووكل سرائرهم) وكلت الشيء إليك: أي رددته إليك، وجعلته إليك. والمراد به: أنه صرف بواطنهم إلى علم الله تعالى. (ظهرك) الظهر هنا: عبارة عما يركب. (ليوشكن) أوشك يوشك: إذا أسرع. (تجد) تجد من الموجدة: الغضب. (يؤنبونني) التأنيب: الملامة والتوبيخ. (فاستكانا) الاستكانة: الخضوع. (تسوَّرت) الجدار: إذا ارتفعت فوقه وعلوته. (مَضِيعَة) المضيعة: مفعلة من الضياع: الاطراح والهوان، كذا أصله، فلما كانت عين الكلمة ياء، وهي مكسورة، نقلت حركتها إلى الفاء وسكنت الياء، فصارت بوزن معيشة، والتقدير فيهما سواء، لأنهما من ضاع وعاش. (نُواسِك) المواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق ونحو ذلك. ⦗١٨٩⦘ (فتيممت) التيمم: القصد. (استلبث) : استفعل، من لبث: إذا قام وأبطأ. (رحب) الرحب: السعة. (أوفى) على الشيء: إذا أشرف عليه. (سَلع) : جبل في أرض المدينة. (ركض) الركض: ضرب الراكب الفرس برجليه ليسرع في العدو. (آذن) : أعلم. (أتأمم) بمعنى: أتيمم: أي أقصد. (فوجاً) الفوج: الجماعة من الناس. (يبرق) برق وجهه: إذا لمع وظهر عليه أمارات السرور والفرح. (أنخلع) أنخلع من مالي: أي أخرج من جميعه، كما يخلع الإنسان قميصه. (ساعة العسرة) سمي جيش تبوك جيش العسرة، لأن رسول الله ﷺ ندب الناس إلى الغزو في شدة الحر، فعسر عليهم. وكان وقت إدراك الثمار. (رِجْس) الرجس: النجس. (إرجاء) الإرجاء: التأخير. ⦗١٩٠⦘ (يحطمكم) الناس: أي يطؤونكم ويزدحمون عليكم، وأصل الحطم: الكسر.