عمر: هل تحسُّ اليوم منها بشيء؟ قال: أمَّا مُذ علَّمني الله القرآن فلا. حدثنا عبد الله بن محمد البلويّ، بمصر، قال: ثنا عُمارة بن زيد، حدثني عيسى بن زيد، عن صالح بن كيسان، عَمَّن حدّثه، عن مرداس بن قيس الدَّوسيّ، قال: حضرتُ النّبي الله عليه وسلّم، وقد ذُكرت عنده الكناهة، وما كان من تعبيرها عند مخرجِهِ. فقلت: يا رسولَ الله، قد كان عندنا من ذلكَ شيءٌّ، أُخبرك أَنَّ جاريةً منّا يقال لها خلصَة، لم نعلمْ عليها إِلاَّ خيراً، إِذا جاءَتنا فقالت: يا معردوس، العَجَبَ العَجَب لِمَا أَصابني! هل علمتم إلاّ خيراً؟ قلنا: وما ذاك؟ قالت: إنّي لفي غنمي، إذا غشيتني ظلمةٌ، ووجدت كحسِّ الرجل مع المرأة، فقد خشيت أن أكون قد حبلت. حتى إذا دنت ولادتها، وضعت غلاماً أغضف له أذنان كأذني الكلب، فمكث فينا حتى إنه ليلعب مع الغلمان، إذا وثب وثبةً، وألقى إزاره، وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويله يا ويله، يا عوله يا عوله، يا ويل غنم، ويا ويل فهم، من قابس النار "من الرجز": الخيلُ واللهِ وراءَ العقبة ... فيهنّ فتيانٌ حِسانٌ نَجَبَه قال: فركبنا وأخذنا الأداة، وقلنا: ويلك ما ترى؟ قال: هل من جاريةٍ طامث؟ قلنا: ومن لنا بها؟ فقال شيخٌ منّا: هي والله عندي، عفيفة الأمّ. فقلنا: فجعلها؛ وأتى بالجارية، وطلع الجبل، وقال للجارية: اطرحي ثوبك واخرجي في وجوههم. وقال للقوم: اتبعوا أثرها. وصاح برجل منّا يُقال له: أحمر بن حابس، فقال: يا أحمر بن حابس، عليك أول فارسٍ. فحمل أحمر فطحن أول فارس فصرعه، وانهزموا وغنمناهم. قال: فابتنيا عليه بيتاً وسميناه: ذا الخلصة. وكان لا يقول لنا شيئاً إلاّ كان كما يقول. حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله، قال لنا يوماً: يا معشر دوس نزلت بنو الحارث بن كعب فاركبوا، فركبنا، فقال لنا: أكدسوا الخيل كدساً، واحشوا القوم رمساً، القوهم غُدَيَّة، واشربوا الخمر عشيَّة. قال: فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فرجعنا إليه فقلنا: ما حالك؟ وما الذي صنعت بنا؟ فنظرنا إليه وقد احمرت عيناه، وابيضَّت أُذناه، وانزمَّ غضباً، حتى كاد أن ينفطر، وقام. فركبنا واغتفرنا هذه له. ومكثنا بعد ذلك حيناً، ثم دعانا، فقال: هل لكم في غزوة تهب لكم عِزاً، وتجعل لكم حرزاً، وتكون في أيديكم كنزاً؟ قلنا: ما أحوجنا إلى ذلك. فقال: اركبوا، فركبنا، وقلنا: ما تقول؟ قال: بنو الحارث بن مسلمة، ثم قال: قفوا، فوقنا. ثم قال: عليكم بفهم، ثم قال: ليس لكم فيه دمٌ؛ عليكم بمضر، هم أرباب خيل ونعم. ثم قال: لا، زهط بن دريد الصِّمَّة. قليل العدَّة، وفيِّ الذِّمة، ثم قال: لا، ولكن عليك بكعب بن ربيعة، واشكرها صنيعة، عامر بن صعصعة، فلتكن بهم الوقيعة. قال: فلقيناه فهزمونا وفضحونا، فرجعنا وقلنا: ويلك! ما تصنعّ بنا؟ قال: ما أدري، كذبني الذي كان يصدقني؛ اسجنوني في بيتي ثلاثا ثم ائتوني ففعلنا به ذلك، ثم أتينا بد ثالثةٍ، ففتحنا عند فإذا هو كأنه جمرةٌ نار. فقال: يا معشر دوس حرست السماء، وخرج خير الأنبياء. قلنا: أين؟ قال: بمكة؛ وأنا ميت فادفنوني في رأس جبل فإني سوف اضطرم ناراً، وإن تركتموني كنت عليكم عاراً. فإذا رأيتم اضطرامي وتلهُّبي فاقذفوني بثلاثة أحجار، ثم قولوا من كل حجرٍ: باسمك اللهم. فإني أهدأ وأطفأ. قال: وإنه مات فاشتعل نارا، ففعلنا بعه ما أمر فقذفناه بثلاثة أحجار نقول مع كلّ حجر باسمك اللهم. فخمد وطفئ. وأقمنا حتى قدم علينا الحاجُّ فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله. حدثنا عبد الله بن محمد البَلَويّ، قال: قال عُمارة ثنا عبد الله بن العلاء، عن الزهري، عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطّلب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لمّا توجَّه رسول الله ﷺ يريد مكة في العام الذي رَدَّته قريش عن البيت، وهو عام الحديْبِيَة، فلما سار رسول الله ﷺ مرحلتين أو ثلاثاً، قدم عليه بشر بن سفيان العتكي، فسلّم عليه. فقال له رسول الله ﷺ: يا بشر هل عندك علمٌ أنّ أهل مكة علموا بمسيري إليهم؟ فقال بشر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ أخبرك أني كنت أطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا "وسمَّى الليلة التي أمر بها رسول الله ﷺ أصحابه بالسَّير فيها إلى مكة" وقريش في أنديتها حول البيت، إذا صرخ صارخٌ من أعلى جبل أبي قُبيس، بصوت أسمع أهل مكة بعيدهم وداينهم، وهو يقول "من البسيط": هبُّوا فساحركم منّا صحابتُه ... سيروا إليه وكونوا معشراً كُرُما بعد الطوافِ وبعد السعي في مَهَلٍ ... وأَن يحوزهمُ من مكة الحرما شاهت وجوهكمُ من معشرٍ نَكُلٍ ... لا ينصرون "إِذا ما حاربوا" صَنَما قال: فما هو إلاّ أن سمع القوم ذلك حتى ارتجّت مكة، وقام أبو سفيان في جماعة من أشراف قريش، منهم عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أُمية، في جماعة معهم، فاجتمعوا عند الكعبة وتحالفوا وتعاقدوا ألاّ تدخل عليهم مكة في عامهم هذا، وتركتهم يجمعون لك. فقال رسول الله ﷺ: أمّا الهاتف الذي سمعت فهو سلفع شيطان الأصنام، يوشك أن يقتله الله، إن شاء الله، فسر إلى مكة وانظر ما هم فاعلون ثم تعودُ إليَّ يكسبك الله بذلك أجراً. قال: فرجع بشر بن سفيان إلى مكة، فبينا هو يطوف بالبيت، إذا رأته قريش، فهتفت به فجاءهم، فقالوا: إيه يا بشر، هل عندك علم من محمد؟ أتراه يريد الدخول إلى مكة في عامه هذا؟ فقلت: إنما أنا كواحد منكم، ولقد سمعت الهاتف الذي هتف بكم يُؤْذنكم بذلك، وما رأى هذا حقاً. قالوا: بلى يا بشر إنه لكائن، هذا هُبَل حَرَّكَنا لنصرته، والمحاماة عليه، وما جَرَّبنا عليه كذباً قط؛ وليعلمنّ محمدٌ إن جاءنا أنها الفيصل فيما بيننا وبينه. قال: فبينما هم كذلك، إذ سمعوا من أعلى الجبل صوتاً وهو يقول "من البسيط": شاهت وجوهُ رجالٍ حالفوا صَنَماً ... وخابَ سعيُهُم ما أَقصر الهِمَمَا ما خيرَ في حجرٍ لا يستجيبُ لهم ... إِذا دَعَوا حولهُ وَلاَّهُمُ صَمَمَا إِنّي قتلتُ عدوَّ الله سلفعةً ... شيطانَ أَوثانكم، سحقاً لمن ظَلَمَا وقد أَتاكم رسول الله في نفرٍ ... وكلُّهم محرمٌ لا يسفكون دَمَا حدثنا عليّ بن حرب، قال: سمعتُ أبا المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن عبد المجيد بن أبي عبس، عن أشياخه، قال: لمّا هاجر رسول الله ﷺ، خفي على قريش خبره، فبينا قريش في أنديتها حول البيت، إذا سمعوا صوتاً من أبي قبيس، يقول "من الطويل": إِنْ يُسلم السَّعدان يصبحْ محمدٌ ... بمكةَ لا يخشى خلافَ المخالفِ فقالت قريش: أي السعود؟ سعد هذيم؟ سعد تميم؟ سعد مَذحج؟ فلما كانت القابلة سمعوا في ذلك الموضع صوتاً يقول "من الطويل": يا سعدُ سعدَ الأَوسِ كن أَنت ناصراً ... ويا سعدُ سعدَ الخزرجين الغطارفِ أَجيبا إِلى داعي الهدى وتمنّيا ... على الله في الفردوسِ منية عارفِ قال عليّ بن حرب: وزادني فيه ابن زبّان عنه، فلما سألتُه لم يحفظه: فإِن ثوابَ اللهِ للطالب الهدى ... جنانٌ من الفردوسِ ذاتُ رفارفِ فعلمت قريش أَنّ ناصري النبي ﷺ من الأوس والخزرج: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة. حدثنا عبد الله بن محمد البلويّ، بمصر، قال: ثنا عُمارة بن زيد، قال: حدثني عبد الله بن العلاء، قال: حدثني يحيى بن عروة، عن أبيه: أنّ نفراً من قريش منهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قُصيّ، وزيد بن عمرو بن نُفيل، وعبيد الله بن جحش بن رئاب، وعثمان بن الحويرث؛