صرْحة هذا المسجد، فنادى بأعلى صوته: " إن السجد لا يحِل لجنب ولا لحائض "؛ زاد ابن أبي حاتم: " إلا للنبي، ولأزواجه، وعلي، وفاطمة بنت محمد ". ثم قال: " قال أبو زرعة: يقولون: عن جسرة عن أم سلمة. والصحيح: عن عائشة ". قال: " قد روى أفلت بن خليفه عن جسرة عن عائشة عن النبي ﷺ ... هذا الحديث؛ غير أنه لم يذكر فيه: " إلا للنبي ولأزواجه "؛ وإنما يدل (كذا! ولعل الأصل: قال) : " لا يصلح لجنب ولا لحائض " فقط ". قلت: قد ثبتت هذه الزيادة في رواية البخاري كما سبق؛ وهي مما تزيد الحديث وهناً على وهن؛ فإن ابن القيم في " التهذيب " ذهب إلى أنها موضوعة. وأوردها ابن حزم في " المحلى " (٢/١٨٥) من طريق أبي الخطاب الهجري، ثم قال: " وأما محدوج؛ فساقط، يروي المعضلات عن جسرة. وأبو الخطاب الهجري مجهول ". ثم إن في قول أبي زرعة المتقدم: " يقولون: عن جسرة " إشارة إلى أن محدوجاً لم يتفرد بهذا الإسناد، وهو كذلك، فقد ذكره ابن حزم من طريق عبد الوهاب عن عطاء الخفاف عن ابن أبي غنية عن إسماعيل عن جسرة بنت دجاجة ... به؛ وفيه الزيادة. ثم أعله ابن حزم بقوله: " وأما عطاء الخفاف؛ فهو عطاء بن مسلم، منكر الحديث، وإسماعيل مجهول ". قلت: هكذا في " المحلى ": " عبد الوهّاب عن عطاء الخفاف "، وقال مصححه الشيخ أحمد محمد شاكر: " في الميمنية: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف وهو خطأ ". قلت: وما في هذه النسخة: هو الموافق لما نقله ابن القيم عن ابن حزم؛ ولذلك أخذ يرد على ابن حزم تضعيفه إياه، ظناً منه أنّه عبد الوهاب بن عطاء، لا عطاء والد عبد الوهاب، ونقل كلمات الأئمة في الثناء عليه! وهو بلا شك أحسن حالاً من أبيه. لكن الصواب أن الراوي هنا إنما هو والده عطاء، كما في النسخ الصحيحة من " المحلى "، وهو ضعيف لسوء حفظه، وقد قال فيه ابن معين: " ليس به بأس، وأحاديثه منكرات ". وهذا عمدة ابن حزم في قوله فيه: " منكر الحديث ". وعليه؛ فكلام ابن القيم غير وارد على ابن حزم. على أنه قد ختم تعقيبه عليه بقوله: " وبعد؛ فهذا الاستثناء باطلٌ موضوع من زيادة بعض غلاة الشيعة، ولم يخرجه ابن ماجه في الحديث ". قلت: قد أخرجه البخاري وابن أبي حاتم وابن حزم من الطرق الثلاث؛ فهي بلا شك ثابتة في الحديث؛ ومدارها كلها على جسرة، وقد عرفت حالها. وقد قال ابن حزم عقبها: " وهذا كله باطل ". ومما تقدم بيانه؛ تعلم أن قول الشوكاني في " نيل الأوطار " (٢/٢٠٠) : " إن الحديث صحيح " - تبعاً لابن خزيمة-! غير صحيح. وقوله: " قال ابن سيد الناس: ولعمري إن التحسين لأقل مراتبه؛ لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج "! ففيه نظر بين؛ لأن الشواهد المشار إليها: كلا شواهد؛ لأن مدارها- كما علمت- على جسرة، ولم يرد من غير طريقها من وجه مقبول؛ وإلا لذهبنا إليه. فقد رواه ابن حزم من طريق محمد بن الحسن بن زُبالة عن سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ لم يكن أذن لأحد أن يجلس في المسجد، ولا يمر فيه وهو جنب؛ إلا علي بن أبي طالب. وهذا- مع أنه مرسل-؛ فإن ابن زبالة؛ قال المصنف وابن معين: " كذاب ". زاد الأخير: