الزُّبَيرُ وكانَ مِن أحدَثِهِم سِنًّا: أنا. فنَفَخوا له قِربَةً، فجَعَلَها في صَدرِه، ثُمَّ خَرَجَ يَسبَحُ عَلَيها في النّيلِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّقَّةِ الأُخرَى إلَى حَيثُ التَقَى النّاسُ، فحَضَرَ الوَقعَةَ فهَزَمَ اللهُ ذَلِكَ المَلِكَ وقَتَلَه، وظَهَرَ النَّجاشِيُّ عَلَيه، فجاءَنا الزُّبَيرُ فجَعَلَ يُليحُ (١) إلَينا برِدائِه، ويَقولُ: ألا أبشِروا، فقَد أظهَرَ الله النَجاشِيَّ. فواللهِ ما فرِحنا بشَىءٍ فرَحَنا بظُهورِ النَّجاشِىِّ (٢) . قال الشّافِعِيُّ رَحِمَه الله: رُوِىَ عن الأوزاعِىِّ: يَعودُ في إسارِهِم إن لَم يُعطِهِمُ المالَ. قال: ومَنَ ذَهَبَ مَذهَبَ الأوزاعِىِّ ومَن قال بقَولِه فإِنَّما يَحتَجُّ - فيما أُراه- بما رُوِىَ عن بَعضِهِم أنَّه رَوَى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالَحَ أهلَ الحُدَيبيَةِ أن يَرُدَّ مَن جاءَه مِنهُم بَعدَ الصُّلحِ مُسلِمًا، فجاءَه أبو جَندَلٍ فرَدَّه إلَى أبيهِ، وأبو بَصيرٍ فرَدَّه، فقَتَلَ أبو بَصيرٍ المَردودَ مَعَه، ثُمّ جاءَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: قَد وفَيتَ لَهُم، ونَجّانِي اللهُ مِنهُم. فلَمْ يَرُدَّه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولَم يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيه وتَرَكَه، فكانَ بطَريقِ الشّامِ يَقطَعُ على كُلِّ مالٍ لِقُرَيشٍ، حَتَّى سألوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَضُمَّه إلَيه لِما نالَهُم مِن أذاه. قال الشّافِعِيُّ: وهَذا حَديثٌ قَد رَواه بَعضُ أهلِ المَغازِى كما وصَفتُ، ولا يَحضُرُنِي ذِكرُ إسنادِهِ (١) . قال الشَّيخُ: أخبرَناه أبو عبدِ الله الحافظُ، أخبرَنا أحمدُ بنُ جَعفَرٍ القَطيعِيُّ، حدثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ، حَدَّثَنِي أبي، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعمَرٍ، قال الزُّهرِيُّ: أخبرَنِي عُروَةُ بنُ الزُّبيرِ، عن المِسوَرِ ابنِ مَخرَمَةَ ومَروانَ بنِ الحَكَمِ. فذَكَرَ حَديثَ صُلحِ الحُدَيبيَةِ، وذَكَرَ فيه قِصيَّةَ أبي جَندَلٍ وأَبِى بَصيرٍ بنَحوٍ مِن هذا وأَتَمَّ مِنه (٢) . قال الشَّيخُ: وإِنَما رد النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا جَندَلٍ إلَيهِم لأنّه كان لا يُخافُ عَلَيه في الرَّدِّ لِمَكانَ أبيه، وكَذَلِكَ أشارَ على أبي بَصيرٍ بالرُّجوعِ إلَيهِم في الابتِداءِ لِذَلِكَ والله أعلمُ، وسَيَرِدُ كَلامُ الشّافِعِيِّ إن شاءَ اللهُ عَلَيه في كِتابِ الجِزيَةِ (٣) .