اتفق مالك وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وعبد الله بن عون وأيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ورفعوه وأرسله أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية وهؤلاء كلهم ثقات أو أَسند هذان وأرسل أولئك اعتبرت فوق نافع هل روى هذا الخبر عن ابن عمر أحد من الثقات غير نافع مرفوعاً أو من فوقه ـ على حسب ما وصفنا ـ؟. فإذا وجد قبلنا خبر من أتى بالزيادة في روايته ـ على حسب ما وصفنا ـ. وفي الجملة يجب أن يعتبر العدالة في نَقَلَةِ الأخبار فإذا صحت العدالة في واحد منهم قُبِلَ منه ما روى من المسند ـ وإن أوقفه غيره ـ والمرفوع ـ وإن أرسله غيره من الثقات ـ إذ العدالة لا توجب غيره فيكون الإرسال والرفع عن ثقتين مقبولين والمسند والموقوف عن عدلين يقبلان ـ على الشرط الذي وصفناه ـ. وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئاً منها إلا عن مَن كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويَعلمُه حتى لا يشكَّ فيه أنه أزاله عن سننه أو غيَّره عن معناه أم لا؟ لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدِّثين فإذا رَفَعَ مُحدِّثٌ خبراً وكان الغالب عليه الفقه لم أقبل رفعَه إلا من كتابه لأنه لا يعلم المسند من المرسل ولا الموقوف من المنقطع وإنما هِمَّتُه إحكام المتن فقط. وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظةٍ في الخبر لأن الغالب عليه إحكام إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ إلا من كتابه هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ وأما المنتحلون المذاهب من الرواة ـ مثل الإرجاء والترفُّض وما أشبههما ـ فإنا نحتج بأخبارهم إذا كانوا ثقات ـ على الشرط الذي وصفناه ـ ونَكِلُ مذاهبهم وما تقلدوه ـ فيما بينهم وبين خالقهم ـ إلى الله ـ جل وعلا ـ إلا أن يكونوا دعاة إلى ما انتحلوا فإن الداعي إلى مذهبه والذابَّ عنه ـ حتى يصير إماماً فيه ـ وإن كان ثقة ثم روينا عنه ـ جعلنا للأتباع لمذهبه طريقاً وسوَّغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله فالاحتياط ترك رواية الأئمة الدعاة منهم والاحتجاج بالرواة الثقات منهم على حسب ما وصفناه. ولو عمدنا إلى ترك حديث الأعمش وأبي إسحاق وعبد الملك بن عمير وأضرابهم ـ لما انتحلوا ـ وإلى قتادة وسعيد بن أبي عروبة وابن أبي ذئب وأسنانِهم ـ لما تقلدوا ـ وإلى عمر بن ذَرٍّ وإبراهيم التَّيْميِّ ومسعر بن كدام ـ لما اختاروا ـ فتركنا حدثهم لمذاهبهم لكان ذلك ذريعة إلى ترك السنن كلها حتى لا يحصل في أيدينا من السنن إلا الشيء اليسير. وإذا استعملنا ما وصفنا أعنا على دحض السنن وطمسها بل الاحتياط في قبول رواياتهم الأصل الذي وصفناه دون رفض ما رَوَوْهُ جملة. وأما المختلطون في أواخر أعمارهم ـ مثل الجريري وسعيد بن أبي عروبة وأشباههما ـ فإنا نروي عنهم في كتابنا ـ هذا ـ ونحتج بما رووا إلا إنا لا نعتمد من حديثهم إلا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم وما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى لأن حكمهم ـ وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم وحُمِلَ عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم ـ حكمُ الثقة إذا أخطأ أن الواجب ترك خَطَئِهِ إذا عُلِمَ , والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطىء فيه. وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين كان سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء. وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا ـ مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المُتَّقين وأهل الورع في الدين ـ لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يُبيِّنِ السماع فيه ـ وإن كان ثقة ـ لَزِمَنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لا يدري لعل هذا المدلس دَلَّسَ هذا الخبر عن ضعيف يَهِي الخبر بذكره إذا عُرِفَ اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلَّس ـ قط ـ إلا عن ثقة فإذا كان كذلك قُبِلَتْ روايته وإن لم يبين السماع. وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يُدلِّسُ ولا يُدلِّسُ إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثلِ نفسه. والحكم في قبول روايته لهذه العلة ـ وإن لم يبيِّن السماع فيها ـ كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه وإنما قبلنا أخبار أصحاب رسول الله ﷺ ما رووها عن النبي ﷺ وإن لم يُبيِّنُوا السماع في كل ما رووا ـ. وبيقين نعلم أن أحدهم ربما سمع الخبر عن صحابي آخر ورواه عن النبي ﷺ من غير ذكر ذلك الذي سمعه منه لنهم ﵃ أجمعين ـ كلهم أئمة سادة قادة عدول نَزَّهَ الله ﷿ أقدار أصحاب رسول الله ﷺ عن أن يَلزَق بهم الوهن. وفي قوله ﷺ: ((ألا ليُبلِّغِ الشاهد منكم الغائب)) أعظم الدليل على أن الصحابة ـ كلهم ـ عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير مجروح ولا ضعيف لاستثنى في قوله ﷺ وقال: ((ألا لِيُبلِّغ فلان وفلان منكم الغائب)) فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم ـ كلهم ـ عدول وكفى بمن عدَّلَهُ رسول الله ﷺ شرفاً. فإذا صحَّ ـ عندي ـ خبر من رواية مُدلِّسِ أنه بَيَّنَ السماع فيه لا أبالي أن أذكُرَه من غير بيان السماع في خبره ـ بعد صِحَّتِه عندي من طريق آخر ـ. وإنا نملي ـ بعد هذا التقسيم وذكر الأنواع ـ وصف شرائط الكتاب قِسماً قِسماً ونوعاً نوعاً بما فيه من الحديث على الشرائط التي وصفناها في نقلها من غير وجود قطعٍ في سندها ولا ثُبُوت جرح في ناقليها ـ إن قضى الله ذلك وشاءه ـ وأتنكَّب عن ذكر المعاد فيه إلا في موضعين إما لزيادة لفظة لا أجد منها بُدًّا أو للاستشهاد به على معنى في خبر ثان. فأما في غير هاتين الحالتين فإني أتنكَّب ذكر المعاد في هذا الكتاب.