ابن مسعود: يا أُبيّ بن كعب أهكذا تقرؤها؟ فصمت عنه أُبي وكانوا في الجمعة، فلما فرغ النبيُّ قال أُبيّ لابن مسعود: لم تجمِّع اليوم. فأتى النبيَّ فسأله. فقال النبي: "صدق أُبيّ". وهذا إِسناد صحيح مرسل؛ الحسن هو ابن محمد بن علي بن أبي طالب وهو من التابعين. وقد وردت القصة عن ثلاثة آخرين من الصحابة باختلاف عن حديث جابر. وفيما يلي بيان ذلك: أولًا: حديث أُبيّ بن كعب: وفيه وجهان: (١) القصة فيه بين أبي ذرّ وأُبيّ بن كعب، وفيه السؤال عن نزول سورة "تبارك" وقد ورد من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِر، عن عطاء بن يسار، عن أُبيّ بن كعب، أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة "تبارك" وهو قائم فذكرنا بأيَّام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ إني لم أسمعها إلَّا الآن. فأشار إليه أن اسكت. فلما انصرفوا= = قال: سألتك متى أُنزلت هذه السورة فلم تخبرني؟ فقال أُبيّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلَّا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال أُبيّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صدق أُبيّ". أخرجه ابن ماجه (١/ ١٩٩: ١٩٨) من طريق مُحْرِز، حدثنا عبد العزيز به. وتابعه مصعب بن عبد الله الزبيري، حدثنا عبد العزيز بن محمد به. أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥/ ١٤٣) قال المنذري في "الترغيب" (١/ ٥٠٥): وهذا إِسناد حسن. وقال الألباني في "الإرواء" (٣/ ٨٠: ٦١٩): إِسناده جَيِّد، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢١٠): هذا إِسناد صحيح رجاله ثقات. قلت: هو حسن، فيه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال في التقريب (٣٥٨: ٤١١٩): صدوق. وقال البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٢٠) عن هذا الحديث: "ورواه عبد الله بن جعفر، عن شريك، عن عطاء، عن أبي الدرداء، عن أُبيّ بن كعب، وجعل القصة بينهما". (ب) وقال: "ورواه حرب بن قيس، عن أبي الدرداء، وجعل القصة بينهما". وقال المنذري في "الترغيب" (١/ ٥٠٦): ورواه أحمد (٥/ ١٩٨) من رواية حرب بن قيس، عن أبي الدرداء ولم يسمع منه. اهـ. ثانيًا: حديث أبي هريرة: وفيه أن القصة وقعت بين أبي ذر وأُبيّ بن كعب، وفيه أنَّ السؤال كان عن سورة لم يحددها. وهذا من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قال أبو ذر لأبي بن كعب: متى أنزلت هذه السورة، فلم يجبه، فلما قضى صلاته قال له: مالك من= = صلاتك إلَّا ما لغوت. فأتى أبو ذر النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ له. فقال: "صدق أُبيّ". أخرجه الطيالسي (٣١٢: ٢٣٦٥)، واللفظ له. قال: حدثنا حماد بن سلمة به. قلت: هذا إِسناد حسن، رجاله ثقات غير محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة، وفيه اختلاف كما قال الهيثمي (٢/ ١٨٥)، وابن علقمة هذا أخرج له البخاري مقرونًا، ومسلم متابعة، والراجح تحسين حديثه. انظر: التهذيب (٩/ ٣٧٥). وقد أخرجه البزَّار (١/ ٣٠٨: ٦٤٣ زوائد) من هذا الطريق قال: حدثنا إبراهيم بن زياد، حدثنا أسود بن عامر، عن حماد به، نحوه. ثم قال -البزار-: "رواه حماد وعبد الوهاب، وحماد أفضل". وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٢٠) من طريق الطيالسي به. وقال البيهقي: "وقد رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن مرسلًا بين أبي ذر وبين أُبيّ بن كعب في شيءٍ سأله عنه". قلت: وهذا أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٢٢٤: ٥٤٢٤) عن ابن شريح، عن رجل، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: بينما النبي على المنبر يوم الجمعة إذ قرأ آية فسمعها أبو ذر. فقال أبو ذر لأُبيّ بن كعب: متى أنزلت هذه الآية؟ فانصت عنه أُبيّ ثلاثًا، كل ذلك ينصت عنه، حتى إذا نزل النبي قال أُبيّ لأبي ذر: ليس لك من جمعتك إلَّا ما قد مضى منها، فسأل أبو ذر النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فقال: "صدق أُبيّ". وهذا إِسناد ضعيف، فيه علتان: ١ - جهالة الرجل الراوي عن أبي سلمة. ٢ - إرسال أبي سلمة. والله أعلم. ثالثًا: حديث أبي ذر: وفيه أن القصة أيضًا بين أبي ذر وأُبيّ بن كعب، وأن السؤال عن نزول سورة "براءة".= = وهذا من طريق سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثنا شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عن عطاء بن يسار، عن أبي ذر قال: دخلت الْمَسْجِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فجلستُ قريبًا من أُبيّ بن كعب، فقرأ النبي ﷺ سورة "براءة" فقلت لأُبيّ: متى نزلت هذه السورة؟ ... الحديث. أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٧، ٢/ ٢٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٩) من طريق سعيد بن أبي مريم به. ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. قال الذهبي: ما أحسب عطاء أدرك أبا ذر. قلت: ولم أجد من قال بمثل قول الذهبي سواه. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١٥٤) قال: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان، حدثنا ابن أبي مريم به. وزاد تمام الحديث: قال -أبو ذرّ-: فَتَجَهَّمني ولم يكلِّمني، ثم مكثتُ ساعة، ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني ثم مكثت ساعة، ثم سألته، فتجهمني ولم يكلمني. فلما صلى النبي ﷺ قلت لأُبيّ: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني! قال أُبيّ: مالك من صلاتك إلَّا ما لغوت. فذهبت إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يا نبي الله كنت بجنب أُبيّ وأنت تقرأ "بَرَاءَة"، فسألته متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني، ثم قال: مالك من صلاتك إلَّا ما لغوت. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "صَدَقَ أُبيّ". رابعًا: حديث ابن عباس: وفيه أن القصة بين رجل غير مسمَّى وبين عبد الله بن مسعود، وأن المصيب عبد الله بن مسعود بدل أُبيّ، وأن السؤال عن نزول آية خطب بها الرسول ﷺ يوم الجمعة. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١٥٥) من طريق حسين بن عيسى-يعني الحنفي-، حدثنا الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ تلا آية، فقال رجل -وهو إلى جنب عبد الله بن= = مسعود- متى أنزلت هذه الآية؟ فإنّي لم أسمعها إلَّا الساعة؟ فقال عبد الله: سبحان الله. فسكت الرجل ثم تلا آية أخرى. فقال الرجل لعبد الله مثل ذلك. فقال عبد الله: سبحان الله. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصلاة قال ابن مسعود للرجل: إنك لم تجمع معنا. قال: سبحان الله. قال؟ فذهب إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ له ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صدق ابن أم عبد ... صدق ابن أم عبد". وهذا إِسناد ضعيف؛ الحسين بن عيسى الحنفي قال الحافظ في التقريب (١٦٨: ١٣٤١): ضعيف. قال البيهقي (٣/ ٢٢٠): [وليس في الباب أصح من الحديث الذي ذكرنا إِسناده والله أعلم، وقد رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن مرسلًا بين أُبيّ ذر وبين أُبيّ بن كعب في شيء سأله عنه، وأسنده مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أُبيّ سَلَمَةَ، عَنْ أُبيّ هريرة]. قلت: يريد بذلك الحديث: حديث أُبيّ ذر، إذ القصة بينه وبين أُبيّ بن كعب. ويُرَجِّح ذلك بالإضافة إلى ما ذكره البيهقي: - أن الحديث رواه خمسة من الصحابة: * حديث جابر: وفيه أنَّ القصة بين ابن مسعود وأُبيّ. * حديث اُبيّ: وله وجهان: أن القصة بين أُبيّ وأبي ذر. أن القصة بين أبي الدرداء وأُبيّ. * حديث أبي هريرة: وفيه أن القصة بين أُبيّ وأبي ذر. * حديث أبي ذر: أن القصة بين أُبيّ وأبي ذر. * حديث ابن عباس: وفيه أن القصة بين رجل غير مسمى وبين عبد الله بن مسعود، وإسناده ضعيف. وأكثر هذه الطرق عن الصحابة على أنها بين أُبيّ وأبِي ذر، بالإضافة إلى أنها أصح من غيرها. والله أعلم.=