الترمذي، بعد روايته لهذا الحديث متصلًا كما سبق ومرسلًا كما هنا: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث الحسن عن أنس خطأ، وروى ابن عون عن الحسن، عن أنس قال: رآني عمر وأنا أصلي إلى قبر. اهـ. قلت: وقد تابع ابن عون، منصور بن زاذان -كما في الطريق الثانية لحديث الباب-. ورواه الطبراني في الأوسط- كما في مجمع البحرين (١/ ١١٩ أ)، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة بين القبور. من طريق حسين بن يزيد الطحان، ثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن محمد بن سيرين، عَنْ أَنَسٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، نهى أن يصلى على الجنازة بين القبور). قال الطبراني: لم يروه عن عاصم إلَّا حفص، تفرد به حسين. اهـ. وقال الهيثمي (المجمع ٣/ ٣٦): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. اهـ. قلت: وليس كما قال، لأن حسين بن يزيد الطحان، لين الحديث. (التقريب ص ١٦٩)، وهو بهذا اللفظ خاص بالصلاة على الجنازة، لكنه بالألفاظ السابقة عام لكل صلاة.= = وقد روي من طريق عاصم، عن أنس، مباشرة، بطريق أصح من هذه ولم يرفعه أنس. انظر: رواية البزار الآتية. ورواه البزار -كما في كشف الأستار (١/ ٢٢١: ٤٤١)، كتاب الصلاة، باب النهي عن الصلاة بين القبور- من طريق عبد الله بن الأجلح، عن عاصم، عن أنس، قال: (نهي عن الصلاة بين القبور). وعبد الله بن أجلح، صدوق. (التقريب ص ٢٩٥). وعاصم هو الأحول وهو ثقة. (التقريب ص ٢٨٥). فالإسناد حسن، لكنه هنا محتمل للرفع والوقف فليس صريحًا في أحدهما، فقد يكون أنسًا أراد بالناهي الرسول ﷺ، وقد يكون أراد عمر بن الخطاب ﵁. وقد أعله الدارقطني بالوقف، فقال في العلل (٤/ ١٩ أ): يرويه عبد الله بن الأجلح، عن عاصم الأحول، عن أنس. وخالفه عبد الواحد بن زياد، وعلي بن مسهر، وأبو معاوية، ومحاضر، فرووه عن عاصم الأحول، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كره ذلك. وهو الصحيح. اهـ. والخلاصة: أن هذا الحديث لا يثبت رفعه، والأقرب للصواب والله أعلم أنه خطأ كما قال البخاري ﵀، لأنه تفرد بروايته عن أشعث بن عبد الملك، وعمران بن حدير -إن صحت هذه الطريق-: حفص بن غياث، وهو ثقة، لكن قال أبو زرعة في الجرح (٣/ ١٨٦): ساء حفظه بعدما استُقْضي، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلَّا فهو كذا. اهـ. وأيضًا: قد وصفه ابن سعد -الطبقات (٦/ ٣٨٩) -، وأحمد -جامع التحصيل (ص ١٠٦) - بالتدليس، وقد عنعن هنا ولم أره صرح بالتحديث في شيء من طرق الحديث، لكن الأئمة احتملوا تدليسه. وقد خالفه يحيى بن سعيد القطان، وهو أوثق منه بلا شك، فروى هذا الحديث عن أشعث عن الحسن مرسلًا -كما في رواية الترمذي السابقة- وأيضًا: الحسن البصري مدلس، لا يقبل من حديثه إلَّا ما صرح فيه بالسماع عند في أهل العلم -كما= = قال العلائي في جامع التحصيل (ص ١١٣) حيث اعتبره من أهل المرتبة الثالثة، ولا عبرة بكلام الحافظ ابن حجر حيث ذكره في أهل المرتبة الثانية، لأنه ثبت أنه يُحْسِن الظن بمن حدثه فيحذف اسمه وقد يكون ضعيفًا- وقد عنعن هنا ولم يصرح بالسماع من أنس، فلعله سمعه من ضعيف فدلسه. وأيضًا: فقد رواه ابن عون -كما ذكر البخاري- ومنصور بن زاذان -كما في الطريق الثانية لحديث الباب- عن الحسن عن أنس قال: (رآني عمر ... الحديث) ولم يرفعه، وهذه العلة الأخيرة قد لا تكون قادحة لأنه يمكن أن يرويه الحسن عن أنس مرفوعًا، وموقوفًا، ويكون كل واحد منهما صحيحًا في محله، لكنها صارت دليلًا على الضعف بسبب ما سبقها من العلل، ولأن هذه الرواية -أي الموقوفة- هي التي تابع الناس الحسن البصري على روايتها عن أنس، أما المرفوعة فلم يتابع عليها من طريق صحيح ولا حسن صريح في الرفع. وقد صحح هذا الحديث مرفوعًا العلامة الألباني. صحيح الجامع (٦/ ٤٤: ٦٧١١، ٦/ ٥٥: ٦٧٧٠). والأولى هي رواية الطبراني، وهي لا تصح كما بينت سابقًا، والثانية: رواية ابن حبان، وفيها ما ذكرت من كلام البخاري، والعلل، لكن كأن الشيخ نظر إلى الحديث من خلال رجال سنده، وما له من الشواهد الصحيحة، ولم يعبأ بغير ذلك.