لا نَذْرَ في معصية وكفارتُه كَفَّارَةُ اليمين". فهذا حديث رواه وبنى عليه مذهبَه، واحتج به، ثم قال في رواية حنبل: هذا حديث منكر. والمقصودُ أنه ليس كُلُّ ما رواه، وسَكَتَ عنه يكونُ صحيحاً عنده وحتى لو كان صحيحاً عنده، وخالفه غيرُه في تصحيحه لم يكن قولُه حُجَّةً على نظيره. وبهذا يُعرف وهم الحافظ أبي موسى المديني في قوله في "خصائص المسند" ص ٢٤: إنَّ ما خَرَّجه الإِمام أحمد في مسنده، فهو صحيحٌ عنده، فإن أحمد لم يقل ذلك قط، ولا قال ما يَدُلُّ عليه، بل قال ما يَدُلُّ على خلافِ ذلكَ كما قال أبو العز بنُ كادش كما في "خصائص المسند" ص ٢٧: إن عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال لأبيه؟ ما تقول في حديث ربعي عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد؟ قلتُ: يصح؟ قال: لا، الأحاديثُ بخلافه، وقد رواه الحفاظ عن ربعي عن رجلٍ لم يسمه، قال: فقلت له: قد ذكرتَه في "المسند"؟ فقال: قصدت في المسندِ الحديثَ المشهورَ وتركتُ الناسَ تحت سِتر الله، ولو أردتُ أن أَقْصِدَ ما صَحَّ عندي، لم أَرْوِ هذا المسندَ إلا الشيءَ بعدَ الشيء، ولكنك يا بني تَعْرِفُ طريقتي في الحديث لستُ أُخَالِفُ ما فيه ضعفٌ إذا لم يَكُنْ في البابِ شَيءٌ يدفعه. فهذا تصريحٌ منه رحمه الله تعالى بأنه أخرج فيه الصحيحَ وغيرَه. وقد استشكل أبو موسى المديني هذه الحكاية في "خصائص المسند" ص ٢٧ وظنها كلاماً متناقضاً، فقال: ما أظن هذا يَصِحُّ، لأنَّه كلامٌ متناقض، لأنه يقولُ: لَسْتُ أخالِفُ ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في هذا الحديث: الأحاديثُ بخلافه، قال: وإن صحَّ، فلعله كان أولاً، ثم أخرج منه ما ضعف، لأني طلبته في المسند، فلم أجده. قال ابن القيم: ليس في هذا تناقضٌ من أحمد رحمه الله تعالى، بل هذا هو أصله الذي بنى عليه مذهبه وهو لا يُقَدِّمُ على الحديث الصحيحِ شيئاً لا عملاً ولا قياساً، ولا قولَ صاحب، وإذا لم يكن في المسألة حديثٌ صحيح، وكان فيها حديثٌ ضعيف، وليس في الباب شيء يَرُدُّه، عَمِلَ به، فإن عارضه ما هو أقوى منه تركه للمُعَارِضِ القوي، وإذا كان في المسألة حديث ضعيف وقياسٌ، قدَّمَ الحديثَ الضعيفَ على القياس انتهى. وقد نَقَلَ ابنُ الجوزي من خط القاضي أبي يعلى الفَرَّاء في مسألة النبيذ، قال: إنما روى أحمدُ في "مسنده" ما اشتهر، ولم يقصِدِ الصحيحَ ولا السقيمَ (١). وقال عبدُ الله: هذا "المسندُ" أخرجه أبي ﵀ من سبع مئة ألف حديث (١)، وأخرج فيه أحاديث معلولةً، بعضُها ذَكَر علَلَها، وسائرها في كتاب "العلل" لئلا يخرَّج في الصحيح (٢). وقد صوَّرَ لنا ابنُ الجوزي استغرابَ معاصريه من أن يكونَ في "المسند" ما ليس بصحيح، فقال: كان قد سألني بعضُ أصحاب الحديث: هل في "مسند الإمام أحمد" ما ليس بصحيح؟ فقلتُ: نعم. فعظَّمَ ذلك جماعةٌ ينتسبون إلى المذهب، فحَمَلْتُ أمرَهم على أنهم عوامُّ، وأهملتُ فكر ذلك، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعةٌ من أهل خُراسان منهم أبو العلاء الهَمَذاني، يُعظمون هذا القولَ ويردُّونَه، ويُقَبِّحون قولَ من قاله، فبقيتُ دَهِشاً متعجباً، وقلتُ في نفسي: واعجباً، صار المنتسبونَ إلى العلم عامَّةً أيضاً! وما ذاك إلا أنهم سَمِعُوا الحديثَ، ولم يَبحَثُوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أنَّ مَنْ قال ما قلتُه قد تعرَّض للطَّعْنِ فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك، فإن الإِمام أحمد روى المشهورَ والجيدَ وَالرديء، ثم هو قد رَدَّ كثيراً مما روى ولم يَقُلْ به، ولم يجعله مذهباً له، ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنَّفَه أبو بكر الخلّال رأى أحاديثَ كثيرةً كلها في "المسند" وقد طعن فيها أحمد (٣). وقال الحافظ السخاوي في "شرح الألفية" ١/ ٨٩: والحق أن في مسند أحمد أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضُها أشدُّ في الضَّعف من بعض حتى إنَّ ابنَ الجوزي أدخل كثيراً منها في موضوعاته، ولكن قد تعقَّبَهُ في بعضها