لَهُمْ: الْمَوْتُ أَرْوَحُ مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَأَيُّكُمْ يُطِيعُنِي؟ قَالُوا: كُلُّنَا. فَبَدَأَ بِالأَكْبَرِ. فَقَالَ: خُذْ سَيْفِي هَذَا فَضَعْهُ عَلَى صَدْرِي ثُمَّ اتَّكِئْ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي. فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلُ أَبَاهُ؟ فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. فَأَبَوْا إِلا عُيَيْنَةَ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَتِ أَلَيْسَ لَكَ فِيمَا تَأْمُرُنِي بِهِ رَاحَةٌ وَهَوًى؟ وَلَكَ مِنِّي طَاعَةٌ. قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمُرْنِي كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: أَلْقِ السَيْفَ يَا بُنَيَ، فَإِنِّي أَرَدْتُ أَنَّ أَبْلُوَكُمْ فَأَعْرِفَ أَطْوَعَكُمْ لِي فِي حَيَاتِي، فَهُوَ أَطْوَعُ لِي بَعْدَ مَوْتِي، فَاذْهَبْ أَنْتَ سَيِّدُ وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، وَلَكَ رِيَاسَتِي. فَجَمَعَ بَنِي بَدْرٍ فَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ. فَقَامَ عُيَيْنَةُ بِالرِّيَاسَةِ بَعْدَ أَبِيهِ وَقَتَلَ كَرْزًا. مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَلَقْمَةِ بْنِ حُرٍّ السُّلَمِيِّ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ ابن وَثِيمَةَ النَّضْرِيَّ، وَابْنَ عَارِضٍ الْجُشَمِيَّ، فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا: فَقَالَ ابْنُ عَارِضٍ: كُنْتُ مَعَ أَبِي قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَوَجَدْتُ فِي الطَّرِيقِ خِشْفًا فَصِدْتُهُ لابْنَةٍ لأَبِي كَانَ يُحِبُّهَا. فَخَرَجْتُ مُحْتَضِنَهُ حَتَّى وَقَفْنَا عَلَى دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ. وَقَدْ فُنِدَ عَقْلُهُ وَهُوَ عُرْيَانُ يَكُومُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ الْبَطْحَاءَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى الْخِشْفَ، فَقَالَ: كَأَنَّهَا رَأْسُ حِضْنٍ ... فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَدَخَنٍ كَالْخِشْفِ هَذَا الْمُحْتَضِنِ ... أَحْسَنُ مِنْ شَيْءٍ حَسَنٍ ثُمَّ قَامَ فَسَقَطَ، فَقَالَ: لأَنْهَضَنَّ فِي مِثْلِ زَمَانِي الأَوَّلِ ... مُحَدَّبَ السَّاقِ شَدِيدَ الأَسْفَلِ يَا أَوَّلِي يَا أَوَّلِي يَا أَوَّلِي