أَهْلُ دِمَشْقَ: هَذَا غُلامٌ شَابٌّ وَلا عِلْمَ لَهُ بِالأُمُورِ. وَسَيَسْمَعُ مِنَّا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، عِنْدِي نَصِيحَةٌ. قَالَ لَهُ: لَيْتَ شِعْرِي مَا هَذِهِ النَّصِيحَةُ الَّتِي ابْتَدَأْتَنِي بِهَا مِنْ غَيْرِ يدٍ سَبَقَتْ مِنِّي إِلَيْكَ؟ ! . قَالَ: لِي جَارٌ عَاصٍ مُتَخَلِّفٌ عَنْ ثَغْرِهِ. فَقَالَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، وَلا أَكْرَمْتَ أَمِيرَكَ، وَلا حَفِظْتَ جِوَارِكَ، إِنْ شِئْتَ نَظَرْنَا فِيمَا تَقُولُ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَنْفَعْكَ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا عَاقَبْنَاكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَقَلْنَاكَ. قَالَ: أَقِلْنِي، أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ. قَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ لا يَصْحَبُكَ اللَّهُ، إِنِّي أَرَاكَ شَرَّ جِيلِ رَجُلٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ دِمَشْقَ، أَمَا أَعْظَمْتُمْ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا الْفَاسِقُ، إِنَّ السِّعَايَةَ أَحْسَبُ مِنْهُ سَجِيَّةً، وَلَ وْلا أَنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْوَالِي أَنْ يُعَاتِبَ، كَانَ لِي فِي ذَلِكَ رَأْيٌ، فَلا يَأْتِنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ بِسِعَايَةٍ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الصَّادِقَ فِيهَا فَاسِقٌ، وَالْكَاذِبَ فِيهَا بَهَّاتٌ. فَحَدَّثْتُ بِهِذَا الْحَدِيثِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ، فَقَالَ: مَا أَشْبَهَ هَذَا الْكَلامَ بِكَلامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ! ! فَقُلْتُ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَالُهُ ٢١١ - حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ بمِكَّةَ، عَنِ ابْنٍ لأَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيّ، وَكَانَ وَصَّافًا عَنْ حِلْيَةِ النَّبِيِّ ﵌، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ تَصِفَ لِي مِنْهَا شَيَئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَطْولَ مِنَ الْمَرْبُوعِ، وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ، رَجِلَ الشَّعْرِ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَ، وِإِلا فَلا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ، وَاسِعَ الْجَبِينِ، أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ، سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرْنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، ضَلِيعَ الْفَمِ، أَشْنَبَ، مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ، دَقِيقَ الْمَسْرَبَةِ، كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ، مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، بَادِنًا مُتَمَاسِكًا، سَواءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، عَرِيضَ الصَّدْرِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِينِ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ، مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللُّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ، عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، أَشْعَرَ الذِّارَعيَنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ، وَأَعَالِي الصَّدْرِ، طَويلَ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبَ الرَّاحَةِ، سَبْطَ الْقَصَبِ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَسَائِرِ الأَطْرَافِ، خُمْصَانَ الأَخْمَصَيْنِ، مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ، يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ، إِذَا زَالَ زَالَ قُلْعًا، يَخْطُو تَكَفُّؤًا وَيَمْشِي هَوْنًا، ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ كَأَنَّمِا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفْتَ جَمْعًا، خَافِضَ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلاحَظَةُ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ، يَبْدُرُ مِنْ لَقِيَهُ بِالسَّلامِ» . قُلْتُ: صِفْ لِي مَنْطِقَهُ. قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مُتَواصِلَ الأَحْزَانِ، دَائِمَ الْفِكْرَةِ، لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ، لا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، طَوِيلَ السَّكْتِ، يَفْتَحُ الْكَلامَ وَيَخْتَتِمُهُ بِأَشْدَاقٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعَ الْكَلِمِ، فَصْلا، لا فُضُولَ، وَلا تَقْصِيرَ، دَمِثًا، لَيْسَ بِالْجَافِي، وَلا الْمُهِينِ، يُعَظِّمُ الْمِنَّةَ، وَإِنْ دَقَّتْ، لا يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئًا، وَلا يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلا يَمْدَحُهُ، لا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا، فَإِذَا تُعُوطِيَ الْحَقَّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَلا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، وَلا يَنْتَصِرُ لَهَا، إِذَا أَشَارَ بِكَفِّهِ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَاطِنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ» .