عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ قُلْتَ هَذِهِ الَأْبَيَاتَ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ وَلا أَكْذِبُكَ. كُنْتُ وَحُصَيْنُ بْنُ خَالِدِ ابْنِ عَمِّي دَنِيَّةَ لا يَجْرِي الْمَاءُ بَيْنَنَا صَفَاءً، وَلِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا، وَقَدْ سُمِّيتُ لَهَا، وَسُمِّيَتْ لِي، فَلَبِثْتُ أَنْتَظِرُ أَنْ أُصِيبَ لَهْوَةً مِنْ مَالٍ فَأَتَزَوَّجُهَا وَأَبْنِي بِهَا. فَأَقْبَلَ الْحُصَيْنُ عَلَى أُمِّهَا فَخَدَعَهَا وَعَطَفَ لُبَّهَا عَنِّي. حَتَّى غَلَبَتْ زَوْجَهَا فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَبْتَنِي بِهَا، قَعَدْتُ لَهُ فَرَمَيْتُهُ بِسَهْمٍ. فَوَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ أَصَابَهُ، وَهَوَى فِيهِ كَأَنَّهُ مَاتَ مُنْذُ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأُخِذْتُ فَحُبِسْتُ. فَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ الْعَامِلُ لِي فِي أَمْرِي وَالْمُسْتَخْرِجُ لِي مِنَ الْبَلِيَّةِ الَّتِي وَقَعْتُ فِيهَا. وَيَعْلَمُ الرَّبُّ عِلْمًا صَادِقًا أَنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَذْعُرَهُ، وَلَمْ أَرِدْ قَتْلَهُ. فَمَضَى الْقَدَرُ السَّابِقُ وَأَعْزَزَ عَلَيَّ بِمَصْرَعِهِ. وَاللَّهِ إِنْ كَانَ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَوَسِيمًا، جَمِيلا نَبِيلا، وَإِنِّي لَعَلَى خِلافِهِ، وَإِنَّ عُذْرَ ابْنَةِ عَمِّي فِي اخْتِيَارِهَا إِيَّاهُ عَلَيَّ لَبَيِّنٌ وَاضِحٌ. أَنَا كَمَا قَدْ تَرَى، وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ عَنِ ابْنِ عَمِّي مَا سَمِعْتَ. قَالَ عُرْوَةُ: فَتَبَسَّمْتُ. قَالَ: الْحَقُّ وَاللَّهِ قُلْتُ. فَإِنْ شِئْتَ فَاضْحَكْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاكْفُفْ، فَإِنَّ اللَّهَ صَادِقٌ يُحِبُّ الصِّدْقَ وَأَهْلَهُ، وَيُبْغِضُ الْكَذِبَ وَأَهْلَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ اللَّبِيبَ أَعْلَمُ بِعَيْبِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنِّي وَاللَّهِ وَإِنْ أَقْحَمَتْنِي عَيْنُكَ، وَنبَتَ عَنِّي كَمَا قَالَ الأَوَّلُ. هَلْ تَدْرِي مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَسْمَعْ شَيْئًا. قَالَ: عَجِلْتُ، وَمِنْ عَجَلَةٍ خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولا. قُلْتُ: هَاتِ. قَالَ: أَغَرَّكُمُ أَنِّي بِمَعْرُوفِ شِيمَتِي ... رَفَيقٌ وَأَنِّي بِالْفَوَاحِشَ أَخْرَقُ وَمِثْلِي إِذَا لَمْ يُجْزَ أَحْسَنَ سَعْيِهُ ... تَكَلَّمُ نِعْمَاهُ بِفِيهَا فَيَنْطِقُ قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حَاجِبُ بْنُ زَرَارَةَ. قَالَ: قُلْتُ: الدَّارِمِيُّ، قَالَ: فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ أَنَّ بِحَاجِبٍ لَغِنًى عَنْ دَارَمٍ. وَاللَّهِ إِنَّهَا مِنْكَ لَهَفْوَةٌ حِينَ جَهِلْتَهُ حَتَّى تَنْسِبَهُ إِلَى دَارَمٍ أَكَذَاكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: الصِّدْقُ خَيرٌ عَاقِبَةً. ثُمَّ انْقَطَعَ حَدِيثُنَا، وَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَأَعْوَزَنَا الْإِذْنُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَمَكَثْنَا لَيَالِيَ ثُمَّ مَرَّ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ: أَهَلا وَمَرْحَبًا بِامْرِئٍ ظَهَرَ لَنَا جَفَاؤُهُ، وَقَلَّ وَفَاؤُهُ. قَالَ: هِيهِ، الْآنَ هُوَ سُلْطَانٌ. وَلا نَصَفَةَ لِي مِنْهُ. فَدَخَلَ، فَلا أَظُنُّهُ وَصَلَ حَتَّى قِيلَ: الضَّحَّاكُ بْنُ عُمَارَةَ الْعَدَوِيُّ، فَقُلْتُ: لا تَنْسَ أَخَاكَ. قَالَ: إِنِّي كَمَا قَالَ الأَوَّلُ الْقَبِيحُ الشَّحِيحُ الْقَلِيحُ. فَمَا أَظُنُّهُ زَادَ عَلَى السَّلامِ حَتَّى دُعِيتُ: أَيْنَ عُرْوَةُ بْنُ يَعْمُرَ؟ قَالَ: فَدَخَلْتُ وَإِنَّهُ لَبَارِكٌ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدِ اسْتَحْسَنَ شِعْرًا لَهُ يُنْشِدُهُ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي إِنْشَادِهِ إِيَّاهُ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ بِيَدِهِ عَلَيَّ، وَأَلَحَّ فِي النَّظِرِ إِلَيْهِ، والِاسْتِماعِ مِنْهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى الضَّحَّاكِ، ثُمَّ قَالَ: أَعْقِبْ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلٌ، وَأَيُّ رَجُلٍ لِدُنْيَا وَآخِرَةٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: دَعْ عَنَّا ابنَ يَعْمُرَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ. هُوَ رَجُلُ نَفْسِهِ. قَالَ عَاصِمٌ: قَالَ الْمُتَوكِّلُ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عُرْوَةُ بْنُ يَعْمُرَ، فَحَفِظْتُ مِنْ شِعْرِهِ الَّذِي أَنْشَدَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ: وَإِنْ لا أَمُتْ أَشْهَدْ سَوَابِقَ غَارَةٍ ... تُسَاقُ الْمَنَايَا بِالْوَشِيجِ الْمُقَوَّمِ بِكُلِّ رُدَيْنِيٍّ كَأَنَّ سِنَانَهُ ... سَنَا لَهَبٍ فِي عَارِضٍ مُتَضَرِّمِ فَكَمْ رَوْقَةٍ بَيْضَاءَ دَنَّسْتُ لَوْنَهَا ... بِمُعْتَبِطٍ مِنْ قَانِي الْجَوْفِ أَسْحَمِ وَرَدْتُ بِهَا بَيْضَاءَ ثُمَّ رَدَدْتُهَا ... وَقَدْ شَرِبَتْ مِنْ جَوْفِ أَبْيَضِ خَضْرَمِ سَقَاهَا فَرَوَّاهَا مِنَ الدَّمِّ فَانْطَوتْ ... عَلَى عَلَقٍ فِي ثَعْلَبٍ مُتَهَضِّمِ قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بَجَائِزَةٍ سَنَيَّةٍ، وَكَتَبَهُ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَلأتُ يَدَيْكَ. قَالَ: وَإِنَّكَ لَتَذْكُرُ يَوْمَ يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَدْ أَعْمَلَنِي إِلَيْكَ حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ شَيخٍ مِنْ قُرَيشٍ، قَالَ: " إِنِّي وَفِتْيَةٌ مِنْ قُرَيشٍ عِنْدَ قَيْنَةٍ مِنْ قِيَانِ الْمَدِينَةِ، وَمَعَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، إِذِ اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَكَرِهْنَا دُخُوَلَهُ، وَشَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيَسُرُّكُمْ أَلا يَجْلِسَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَمُرُوهَا إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ، رَفَعَتْ عَقِيرَتَهَا تُغَنِّي: أَوْلادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمُ ... قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفْضِلِ يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرَّ كِلابُهُمْ ... لا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ قَالَ: فَوَاللَّهِ بَكَى حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيَلْفِظُ نَفَسَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِيكُمُ الْفَاسِقُ؟ لَعَمْرِي لَقَدْ كَرِهْتُمْ مَجْلِسِي