لِأَصْحَابِهِ: " أَتَعْجَبُونَ مِنْ أَخْلاقِي وَعِلْمِي؟ إِنَّمَا هَذَا شَيْءٌ اسْتَفَدْتُهُ مِنْ عَمِّي صَعْصَعَةَ، فَإِنِّي أَنَا فِي ذَوْدٍ لِأَبِي أَرْعَاهَا إِذْ عَرَضَ لِي وَجَعٌ فِي بَطْنِي، فَلَبِثْتُ أَيَّامًا أَشْتَهِي أَنْ أَرَى بَعْضَ أَهْلِي، فَأَشْكُو إِلَيْهِ، إِذْ مَرَّ بِي عَمِّي صَعْصَعَةُ يَنْتَجِعُ أَرْضًا، فَمَشَيْتُ مَعَهُ. أَوْ قَالَ: سِرْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ، فَأَسْكَتَنِي، ثُمَّ مَشَيْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ فَأَسْكَتَنِي، أَحْسَبُهُ قَالَ: الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لا تَشْكُ الَّذِي يَنْزِلُ بِكَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّمَا الْحَيَاةُ رَجُلانِ: صَدِيقٌ فَيَسُوءُهُ مَا تَشْكُو إِلَيْهِ، أَوْ عَدُوٌّ فَيَسُرُّهُ، وَلا تَشْكُ الَّذِي يَنْزِلُ بِكَ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِكَ لا يَسْتَطَيْعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِكَ. وَلَكِنِ اشْكُ ذَلِكَ إِلَى الَّذِي ابْتَلاكَ، وَالَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُفَرِّجَهُ عَنْكَ، يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ تَرَى عَيْنِي هَذِهِ؟ مَا أَبْصَرْتُ بِهَا سَهْلا وَلا جَبَلا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، مَا أَطْلَعْتُ عَلَى ذَلِكَ زَوْجَتِي، وَلا أَحَدًا مِنْ أَهْلِي حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: " كَانَ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ رَجُلٌ مِنْ رَبِيعَةَ، يُقَالُ لَهُ: جَحْدَرُ بْنُ مَالِكِ الْعِجْلِيُّ، وَكَانَ شَاعِرًا شُجَاعًا فَاتِكًا، وَقَدْ أَبَرَّ أَبَدًا عَلَى أَهْلِ حَجْرٍ، وَمَا يَلِيهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ الْحَجَّاجَ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى الْيَمَامَةِ، يُؤَنِّبُهُ وَيَلُومُهُ بِتَلَعُّبِ جَحْدَرٍ بِهِ، وَيَأْمُرُهُ بِالتَّجَرُّدِ فِي طَلَبِهِ، وَالْبَعْثِ بِهِ إِلَيْهِ إِنْ ظَفِرَ بِهِ.