الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
أمير المؤمنين وهو يسأل قضاته

لِلْوَازِنِ: «زِنْ فَأَرْجِحْ» وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الرُّجْحَانِ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْعُو الْعُلَمَاءَ بِاللَّهِ، الْفُقَهَاءَ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ الْغُلامُ يَزِنُهُ، وَيَقُولُ: وَيْلُكَ عَجِّلْ فِدَاكَ أَهْلُكَ، وَقَدْ دَنَا الصُّبْحُ، وَذَهَبَتْ نَفْسِي أَوْ كَادِتْ. فلَمَّا اسْتَوْفَى الْوَزْنَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، لا يَدْرِي أَرْضًا تَوَسَّدَ أَمْ وِسَادًا، وَكَذَلِكَ حَالُ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ مِنْ وَلَدِهِ وَعِيَالِهِ. فَمَا انْتَبَهَ وَاحِدٌ مِنْهُمِ لِفِرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ إِلا بِحَرِّ الشِّمْسِ. فَهَذَهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَالُ مَنْ أَحْمَدْتَ فِقْهَهُ وَعَدْلَهُ وَرَأْيَهُ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، مَا أَعْجَبَ حَالُكَ عَلَى كَلِّ حَالٍ، وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَى أَبِيكَ فِي مَقَامِكَ هَذَا فَمَا لَكَ فِي الأَرْضِ نَظِيرٌ، وَلا فِي الدُّنْيَا شَبِيهٌ، وَلَئِنْ كُنْتَ حَكَيْتَ عَنْهُ عَيَانًا أَوْ كَفَافًا فَلَقَدْ أَجَدْتَ الْحِكَايَةَ وَأَحْسَنْتَ الْعِبَارَةَ، وَمَا لأَبِيكَ شَبِيهٌ، وِإِنَّكَ لَتَغْمُرُ مَسَاوِيَكَ بِمَحَاسِنِكَ، فَلا تَذْكُرَنَّ شَيْئًا بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ، فَإِنَّ عَيْبَهُ فِينَا أَقْدَحُ مِنْهُ فِي أَبِيكَ. قَالَ: فَذَهَبَ عَلِيٌّ لِيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: لا تَعَضَّ عَلَى لِسَانِكَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلْتُ عَمِّي مُصْعَبًا: هَلْ كُنْتَ حَاضِرًا لِهَذَا الْمَجْلِسِ، فَإِنَّ الصَّنْعَةَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي مَنْ كَانَ حَاضِرًا بَعْدَ مَوْتِ الْمَأْمُونِ بِسَنَتَيْنِ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: " إِنَّ مَلِكَ الرُّومِ بَعَثَ رَسُولا دَاهِيَةً مُنَكَّرًا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، وَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ وَأَلْطَافٍ وَطَرَائِفَ، فَأَمَرَ عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ بَالرُّصَافَةِ، فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى الْجِسْرِ نَظَرَ الرُّومِيُّ إِلَى زَمْنَى عَلَى الْجِسْرِ يَتَصَدَّقُونَ، فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لِهَذَا، يَعْنِي عِمَارَةَ: الَّذِي عِنْدَكُمْ زَمْنَى يَتَصَدَّقُونَ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِكَ أَنْ يَرْحَمَ هَؤُلاءِ مِنْ زَمَانَتِهِمْ، وَيَكْفِيهِمْ مَئُونَةَ أَنْفُسِهِمْ وَعِيَالاتِهِمْ، وَلا يَحْمِلُ عَلَيْهِمُ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ مَعَ الزَّمَانَةِ. فَقَالَ عُمَارَةُ: قُلْ لَهُ: إِنَّ الأَمْوَالَ لا تَسَعُهُمْ. وَمَضَى إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الرُّومِيُّ، وَرَدَّهُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ، الأَمْوَالُ وَاسِعَةٌ لَهُمْ، وَلَكِنَّ عُذْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مَا وَصَفْتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرُّومِيِّ، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي مَقَالَتُكَ لِرَسُولِي، وَرَدُّهُ عَلَيْكَ، وَكَذَبَ، الأَمْوَالُ وَاسِعَةٌ تَسَعُهُمْ , وَلَكِنْ كَرِهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَأَهْلِ سُلْطَانِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْفَضْلِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَحَبَّ أَنْ يُشْرِكُوهُ فِي أُجُورِ الزَّمْنَى وَالْمَسَاكِينِ، وَأَنْ يُنِيلُوهُمْ مِنْ ذَاتِ أَيْدِيهِمْ وَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ نَجَاةً لَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ، وَسَعَةً عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ. فَقَالَ الرُّومِيُّ بِيَدِهِ، وَعَقَدَ ثَلاثِينَ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ، قَالَ: وَإِنَّ هَذَا، أَيْ: جَيِّدٌ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ، صَلَّى عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ، وَكُنْتُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَدَخَلَ قَبْرَهُ، وَعَلَيْهِ سَيْفُهُ وَقَلَنْسُوَتُهُ وَطَيْلَسَانُهُ، وَأَخَذَ بِرَأْسِهِ، فَأَعَانُوهُ حَتَّى وَضَعَهُ فِي لَحْدِهِ، وَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي الْقَبْرِ دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْكِرَامِ الْجَعْفِيُّ، فَكَلَّمَهُ لَمَّا رَأَى مِنْ رِقَّتِهِ، وَذَكَرَ حَاجَتَهُمْ، فَغَضِبَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: هَذَا م َوْضِعُ ذَا! وَانْقَطَعَ بُكَاؤُهُ، فَقَالَ: هَا هُنَا وُلِدَ الرَّشِيدُ وَوُلِدَ الْهَادِي وَوُلِدَ الْمَهْدِيُّ وَوُلِدَ الْمَنْصُورُ، فَإِذَا نَظَرْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَأَصْلَحْتُ شَأْنَهُمْ فَأَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، قَالَ: جَاءَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الصَّنْعَةِ، فَقَالَ: اذْكُرْنِي لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي يَوْمٍ وَبَعْضِ يَوْمٍ آخَرَ. فَقُلْتُ: يَا هَذَا، أَرِحْ نَفْسَكَ الْعَنَاءَ، وَاجْلِسْ فِي بَيْتِكَ، وَلا تَعِزَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْكَ، قَالَ: فَالْحِلُّ عَلَيْهِ حَرَامٌ، يَعْنِي بِهِ الطَّلاقُ، وَمَالُهُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ صَدَقَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ حُرٌ إِنْ كَانَ كَذَبَكَ فِيمَا قَالَ لَكَ، وَاللَّهِ مَا آخُذُ مِنْكُمْ شَيْئًا عَاجِلا، وَقَدِ ادَّعَيْتُ أَمْرًا فَامْتَحِنُونِي فِيهِ، فَإِنْ جَاءَ كَمَا ادَّعَيْتُ، كَانَ الأَمُرُ فِيَّ لَكُمْ، وَإِنْ وَقَعَ بِخِلافِ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَأَخْبَرْتُ الْمَأْمُونَ بِمَا قَالَ: فَتَمَثَّلَ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَقِ: وَقَبْلُكَ مَا أَعْيَيْتُ كَاسِرَ عَيْنِهِ ... زِيَادًا فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيَّ حَبَائِلُهُ ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ هَذَا أَرَادَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا فَاحْتَالَ بِهَذِهِ، وَلَيْسَ الرَّأْيُ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْنَا أَحَدٌ عِلْمًا فَنُظْهِرُ الزُّهْدَ فِيهِ، فَأَحْضِرْهُ. قَالَ: فَجِئْتُ بِالرَّجُلِ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَأْمُونُ، فَأَحَضَرْتُ أَدَاةَ الْعَمَلِ، فَإِذَا هُوَ بِحِلِّ الطَّلْقِ أَجْهَلُ مِنِّي بِمَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. فَنَظَرَ إِلَيَّ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: أَتَزْعُمُ أَنَّهُ حَلِفَ بَالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ وَصَدَقَةِ مَا كَانَ يَمْلِكُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ حَنَثَ. فَقُلْتُ لِلْرَجُلِ، وَالْمَأْمُونُ يَسْمَعُ: أَلَمْ تَحْلِفْ بِالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ وَصَدَقَةِ مَا تَمِلُكُ؟ قَالَ: بَلَى، فَقَدْ حَنَثْتُ، قَالَ: لَيْسَتْ لِيَ امْرَأَةٌ. قُلْتُ: فَالْعِتَاقُ؟ قَالَ: مَا أَمْلِكُ خَيْطًا وَلا مَخِيَطًا. قُلْتُ: كَذَبَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ غُلامٌ وَدَابَةٌ. قَالَ: هُمَا، وَحَقِّ رَأْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، عَارِيَةٌ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ بِحِلِّ الدَّرَاهِمِ أَعْلَمُ مِنْهَ بِحِلِّ الطَّلْقِ. ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُعْطَى لَهُ خَمْسَةُ آلافِ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِلْعُتْبِيُّ: رُدَّهُ، فَرَدَّهُ، قَالَ: زِيدُوهِ فِإِنَّهُ لا يَجِدُ فِي كِلِّ وَقْتٍ مَنْ يُمَخَرِقُ عَلَيْهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدِي بَابٌ مِنَ الْحِمْلانِ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهُ. قَالَ: احْمِلْهُ عَلَى هَذِهِ الدَرَاهِمِ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا صِرْتَ مَلِكًا فِي أَقَلِّ مِنْ شَهْرٍ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادٍ عَنْ أَخْلاقِ أَبِي عَبَّادٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَحَدُّ مِنْ سَيْفِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَأَنْزَقُ مِنْ مَجْنُونِ الْبَكَرَاتِ. قَالَ: مَا أَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِيهِ. قَالَ: لِمَوْضِعِ الْخِلافَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَرَّكْتَهُ تَحَرْكَ، فَأَرَادَ الْمَأْمُونُ أَنْ يَمْتَحِنَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَعَرَضَ مَا مَعَهُ مِنَ الْحَوَائِجِ، فَأَمَرَ أَنْ يُوَقِّعَ فِيهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْبَابِ، قَالَ: رُدُّوهُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: افْعَلْ فِي أَمْرِ الأَهْوَازِ بِحَسْبِ مَا قُلْتُ لَكْ، وَلا تَعْرِضْ بِهِ مُؤَامَرَةً. قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْبَابِ، قَالَ: رُدُّوهُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: قُلْ لِعَمْرِو بْنِ مَسْعَدَةَ: أَخِّرْ أَمْرَ أَبِي دُلْفٍ حَتَّى آمُرَكَ فِيهِ بِمَا أُرِيدُ، قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْبَابِ، قَالَ: رُدُّوهُ، فَجَاءَ الرَّسُولُ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَتَنَاوَلَ الدَّوَاةَ مِنْ غُلامِهِ، وَقَالَ: السَّاعَةَ أَضْرِبُ وَجْهَكَ الْقَبِيحَ يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ، فَقَالَ الْغُلامُ: وَمَا ذَنْبِي أَبْقَاكَ اللَّهُ؟ قَالَ: ذَاكَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ قَدْ ذَهَبَ إِلَى النَّارِ. فَرَجَعَ، فَقَالَ: ارْفَعْ غَدًا رُقْعَةَ الْهَاشِمِيِّينَ، قَالَ: نَعَمْ، وَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لا أَرْجِعُ بَعْدَهَا حَتَّى أَسْتَطِيرَ. قَالَ: امْضِ رَاشِدًا، وَلَهُ يَقُولُ دَعْبَلٌ: أَوْلَى الأُمُورِ بِضَيْعَةٍ وَفَسَادٍ ... أَمْرٌ يُدَبِّرُهُ أَبُو عَبَّادٍ خَرِقٌ عَلَى جُلَسَائِهِ بِدَوَاتِهِ ... فَمُرَمَّلٌ وَمَخَضَّبٌ بِمِدَادِ وَكَأَنَّهُ مِنْ دِيرِ هِزْقَلَ مُفْلِتٌ ... حَرِدٌ يَجُرُّ سَلاسِلَ الأَقْيَادِ فَاشْدُدْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَثَاقَهُ ... فَأَصَحُّ مِنْهُ بَغِيَّةَ الْحَدَّادِ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، قَالَ: حَجَجْنَا سَنَةً فَنَزَلْنَا ضَرِيَّةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَسَأَلْنَا عَنِ الْوَالِي، فَقِيلَ لَنَا: أَعْرَابِيٌّ عَمَّا قَلِيلٍ يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ. فَلمَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ عَلَيْنَا وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ كَأَنَّهَا رُحًا، مُتَنَكِّبًا قَوْسًا عَرَبِيَّةً، فَصَعِدَ عَلَى كَثِيبٍ لَهُ مِنْ رَمْلٍ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَنَا بِوَجْهِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍ، وَالآخِرَةَ دَارُ مَقَرٍّ، فَخُذُوا لِمَقَرِّكُمْ مِنْ مَمَرِّكُمْ، وَلا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، أَخْرِجِوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِي الدُّنْيَا حَيِيتُمْ، وَلِلآخِرَةِ خُلِقْتُمْ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ السُّمِّ النَّاقِعِ، يَأْكُلُهُ مَنْ لا يَعْرِفُهُ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَالْمَدْعُو لَهُ الْخَلِيفَةُ، ثُمَّ الأَمِيرُ جَعْفَرٌ، قُومُوا لِصَلاتِكُمْ، بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ ". حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيبٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ فِيهِ أَبُو البَخْتَرِيِّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الأَصَمِّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَضَغَطَنِي الْبَوْلُ، فَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ أَصْنَعُ. فَالْتَفَتُّ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ الأَصَمِّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي: بِي مِثْلُ الَّذِي بِكَ، قَالَ: فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ بَصَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ، قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: أَبِكَ بَوْلٌ؟ قُلْتُ: أَيْ هَاءَ اللَّهِ. قَالَ: يَا رَجُلُ، قُمْ مَعَهُ حَتَّى يَبُولَ، فَقُمْتُ فَبُلْتُ وَرَجَعْتُ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ هَاتِ بَيْتًا أَنْظُرُ فِي مَعْنَاهُ، فَقُلْتُ: فَلا غَرْوَ إِلا جَارَتِي وَسُؤَالَهَا ... أَلا هَلْ لَنَا أَهْلٌ سُئِلَتْ كَذَلِكَا فَجَعَلَ يُفَكِّرُ فِيهِ، وَهَمَّ أَنْ يَقُولَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِدْ نَظَرًا، فَقَالَ: وَكَيْفَ عَلِمْتَ. قُلْتُ: رَأَيْتُ نَاظِرَيْكَ يَجُولانِ، وَقَدِ اسْتَقَرَّا، كَانَ أَوْضَحَ لإِصَابَتِكَ، فَضَحِكَ حَتَّى انْثَنَى ثُمَّ قَالَ: فَأَصَابَ. فَقُلْتُ: أَصَبْتَ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَحْسَنْتَ. قَالَ: فَسُرَّ بِإِصَابَتِهِ وَارْتَاحَ لَهَا، وَأَمَرَ لِي بِصِلَةٍ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا أَصْمَعِيُّ نَنْظُرُ إِلَى الْهِلالِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، وَصَعِدَ بَابَ دَرَجِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَّكِئُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِيَ الْخَادِمُ: أَتَتَّكِئُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْتُ: لا، فَصَعِدْنَا فَرَأَيْنَاهُ ". حَدَّثَنِي مُبَارُكٌ الَطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ، يَقُولُ: " إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ لَمَّا بُويِعَ بِالْخِلافَةِ دَخَلَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَيْتِهِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ فَهَنَّئُوهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِأَرْغَبِ النَّاسِ فِيهَا، وَلا أَحْرَصَهُمْ عَلَيْهَا، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ لا يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ ﷾ سِتْرٌ، وَأَنْ أَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَبَثِّ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، رَاجِيًا الْعَدْلَ وِإِمَاتَةَ الْجَوْرِ، وَالأَخْذَ لِفَيْئِكُمْ مِنْ حَقِّهِ، وَوَضْعَهُ فِي مَوَاضِعِهِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا السُّنَّةُ، وَنَزَلَ بِهَا الْكِتَابُ، وَمَنْعَهُ مِنْ بَاطِلِهِ، لِيُقَرِّبَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ، وَيَزِيدَنِي فَضْلَهُ لَدَيْهِ، وَكَرَامَةً عِنْدَهُ مَعَ قَرَابَتِي مِنْ نَبِيِّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَرَبُّنَا الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ خَالَفَ قَوْلَهُ َفِعْلَهُ، وَعِظَتَهُ وَعَمَلَهُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ أُمُّ جَعْفَرٍ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ يَحْيَى الرَّبَعِيُّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شُبْرَمَةَ " دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَسَلَّمْتُ، وَكُنْتُ لَهُ صَدِيقًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَى جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، لَهُ فِقْهٌ وَعِلْمٌ. فَقَالَ لِي جَعْفَرٌ: لَعَلَّهُ الَّذِي يَقِيسُ الدِّينَ بِرَأْيِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ؟ قَالَ: وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ إِلا ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نَعَمْ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَقِسِ الدِّينَ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ، إِذْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالسِّجُودِ لآدَمَ، فَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢ ٍ] ثُمَّ قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: هَلْ تُحْسِنُ أَنْ تَقِيسَ رَأْسَكَ مِنْ جَسَدِكَ؟ فَقَالَ: لا، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُلُوحَةِ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَعَنِ الْمَرَارَةِ فِي الأُذُنَيْنِ، وَعَنِ الْمَاءِ فِي الْمِنْخَرَيْنِ، وَعَنِ الْعُذُوبَةِ فِي الشَّفَتَيْنِ لأَيِّ شَيْءٍ جُعِلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لا أَدْرِي. قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ خَلَقَ الْعَيْنَيْنِ فَجَعَلَهُمَا شَحْمَتَيْنِ، وَجَعَلَ الْمُلُوحَةَ فِيهِمَا مَنًّا مِنْهُ عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَلَولا ذَلِكَ لَذَابَتَا فَذَهَبَتَا، وَجَعَلَ الْمَرَارَةَ فِي الأُذُنَيْنِ مَنًّا مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلَولا ذَلِكَ لَهَجَمَتِ الدَّوَابُّ فَأَكَلَتْ دِمَاغَهُ. وَجَعَلَ الْمَاءَ فِي الْمِنْخَرَيْنِ لِيَصْعَدَ مِنْهُ النَفَسُ وَيَنْزِلَ، وَيَجِدَ مِنْهُ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ مِنَ الرِّيحِ الرَّدِيَّةِ. وَجَعَلَ الْعُذُوبَةَ فِي الشَّفَتَيْنِ لِيَجِدَ ابْنُ آدَمَ لَذَّةَ مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ. ثُمَّ قَالَ لأَبِي حَنِيفَةَ: أَخْبِرْنِي عَنْ كَلِمَةٍ أَوَّلُهَا شِرْكٌ وَآخِرُهَا إِيمَانٌ مَا هِيَ؟ قَالَ: لا أَدْرِي. قَالَ: قُوْلُ الرَّجُلِ «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ» ، فَلَوْ قَالَ: «لا إِلَهَ» ، ثُمَّ أَمْسَكَ كَانَ مُشْرِكًا، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ أَوَّلُهَا شِرْكٌ وَآخِرُهَا إِيمَانٌ. ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ أَيُّمَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أَمِ الزِّنَا؟ قَالَ: لا بَلْ قَتْلُ النَّفِسِ. قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ قَدْ رَضِيَ وَقَبِلَ فِي قَتْلِ النَّفْسِ بِشَاهِدَيْنِ، وَلَمْ يَقْبَلْ فِي الزِّنَا إِلا أَرْبَعَةً، فَكَيْفَ يَقُومُ لَكَ قِيَاسٌ؟ ثُمَّ قَالَ: أَيُّمَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، الصَّوْمُ أَمِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: لا بَلِ الصَّلاةُ. قَالَ: فَمَا بَالُ الْمَرَّأَةِ إِذَا حَاضَتْ تَقْضِي الصِّيامَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَلا تَقِسْ، نَقِفْ نَحْنُ غَدًا وَأَنْتَ وَمَنْ خَالَفَنَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ﷿، فَنَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، قَالَ اللَّهُ ﷿، وَتَقُولُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ: سَمِعْنَا وَرَأَيْنَا، فَيَعْمَلُ بِنَا وَبِكُمْ مَا يَشَاءُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: " خَرَجَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ يَوْمًا يَتَصَيَّدُ وَهُوَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ، قَدْ تَفَرَّدَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ عَلَى أَتَانٍ لَهُ هَزِيلٍ وَمَعَهُ عَجُوزٌ لَهُ. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْمَآثِرِ وَالْحَسَبِ، قَالَ: أَفَأَنْتَ إِذًا مِنْ مُضَرَ، فَمِنْ أَيِّهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مَنَ الْمُطَاعِنِينَ عَلَى الْخُيُولِ، الْمُعَانِقِينَ عِنْدَ النُّزُولِ. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مِنْ عَامِرٍ، فَمِنْ أَيِّهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مِنَ الطَّالِبِينَ الثَّارَ، وَالْمَانِعِينَ الْجَارَ. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مِنْ كِلابٍ، فَمِنْ أَيِّهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْوَفَادَةِ وَالرِّيَاسَةِ. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مِنْ جَعْفَرٍ، فَمِنْ أَيِّهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَدْرِهَا وَشَمْسِهَا، وَلُيُوثِهَا وَخِيسِهَا. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مِنَ الْحَوْصِ، فَمَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبِلادَ؟ قَالَ: تَتَابُعُ السِّنِينَ وَقِلَّةُ رِفْدِ الرَّافِدِ. قَالَ: فَمَنْ أَرَدْتَ بِهَا؟ قَالَ: أَمِيرَكُمُ الَّذِي رَفَعَتْهُ إِمْرَتُهُ، وَحَطَّتْهُ أُسْرَتُهُ. قَالَ: فَمَا أَرَدْتَ مِنْهُ؟ قَالَ: كَثْرَةَ دَرَاهِمِهِ لا كَرَمَ آبَائِهِ. قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلا قُلْتَ فِيهِ شِعْرًا. قَالَ: فَقَالَ: لامْرَأَتِهِ: أَنْشِدِيهِ. قَالَتْ: كَمْ تَجَشَّمْنَا مَدَحَ اللَّئِيمِ مُنْذُ الْيَوْمِ، إِنَّ مَدَحَ اللَّئِيمِ ذُلٌّ. قَالَ: فَأَنْشِدِيهِ، فَأَنْشَدَتْ تَقُولُ: إِلَيْكَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِالْحَمْدِ أَرْقَلَتْ ... بِنَا الْبَيْدَ عِيسٌ كَالْقِسِيِّ سَوَاهِمُ عَلَيْهَا كِرَامٌ مِنْ ذُؤَابَةِ عَامِرٍ ... أَضَرَّ بِهِمْ جَدْبُ السِّنِينَ الْعَوَارِمُ يُرِدْنَ امْرَءًا يُعْطِي عَلَى الْحَمْدِ مَالَهُ ... وَهَانَتْ عَلَيْهِ فِي الثَّنَاءِ الدَّرَاهِمُ فَإِنْ تُعْطِ مَا نَهْوَى فَهَذَا ثَنَاؤُنَا ... وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَمَا لامَ لائِمُ فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا أَعَجَبَكَ وَشِعْرَكَ، جِئْتَ عَلَى أَتَانٍ هَزِيلٍ وَتَزْعُمُ أَنَّكَ جِئْتَ عَلَى عِيسٍ، وَقَدْ ذَكَرْتَ الرَّجُلَ فِي شِعْرِكَ بِخِلافِ مَا ذَكَرْتَهُ فِي كَلامِكَ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، مَا تَجَشُّمُنَا مِنْ مَدْحِ اللَّئِيمِ كَانَ أشدَّ مِنَ الْكَذِبِ فِي شِعْرِنَا. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: أَتَعْرِفُ خَالِدًا؟ قَالَ: لا. فَقَالَ خَالِدٌ: أَنَا خَالِدٌ وَأَنَا مُعْطِيكَ وَغَيْرُ مُكَافِيكَ. فَقَالَ: يَا أُمَّ جَحْشٍ، اصْرِفِي وَجْهَ أَتَانِكِ، وَمَضَى. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لا تَفْعَلْ، وَقُمْ فَإِنِّي مُحْسِنٌ إِلَيْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لا رَزَأْتَ لأَمْرِي دِرْهَمًا أَسْمَعْتَهُ، وَضَرَبَ وَجْهَ أَتَانِهِ وَمَضَى. فَقَالَ خَالِدٌ: بِمِثْلِ هَذَا الصَّبْرِ نَالَ هَذَا وَأَبُوهُ مِنَ الشَّرَفِ مَا نَالُوهُ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ حَفْصٍ التَّمِيمِيِّ، عَنْ حَرْبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: انْصَرَفَ أَعْرَابِيٌّ عَنِ الْمَوْسِمِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَقَطَ بَعِيرُهُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَقْبَلَ بِرَحْلِهِ يَحْمِلُهُ حَتَّى أَتَى بَابَ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ فَحَرَمَهُ، فَأَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، فَقَالَ لآذِنِهِ: إِنَّ مَعِي هَدِيَّةً فَأَعْلِمْهُ. فَدَخَلَ إِلَى ابْنِ جَعْفَرٍ فَأَعْلَمَهُ، فَقَالَ قُلْ لَهُ: أَنْتَ تَحْمِلُ هَدِيَّتَكَ أَمْ يَحْمِلُهَا غَيْرُكَ؟ قَالَ: بَلْ أَحْمِلُهَا أَنَا، قَالَ: أَدْخِلْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ، قَالَ: هَاتِ، فَأَنْشَدَهُ: أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نُبُوَّةٍ ... صَلاتُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ طَهُورُ أَبَا جَعْفَرٍ إِنَّ الْجِيَادَ تَوَاكَلَتْ ... فَأَدْرَكَهَا عِنْدَ الْحِضَارِ فُتُورُ أَبَا جَعْفَرٍ يَا ابْنَ الشَّهِيدِ الَّذِي لَهُ ... جَنَاحَانِ فِي أَعَلَى الْجِنَانِ يَطِيرُ أَبَا جَعْفَرٍ ضَنَّ الأَمِيرُ بِمَالِهِ ... وَأَنْتَ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ أَمِيرُ أَبَا جَعْفَرٍ إِنَّ الْحَجِيجَ تَرَجَّلُوا ... وَلَيْسَ لِرَحْلِي فَاعْلَمَنَّ بَعِيرُ فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى إِبِلِي فَاخْتَرْ أَفْضَلَ نَاقَةٍ فِيهَا أَوْ جَمَلٍ فَخُذْهُ. فَمَضَى الأَعْرَابِيُّ إِلَى الإِبِلِ، وَكَانَ بِهَا بَصِيرًا، فَأَخَذَ نَاقَةً لابْنِ جَعْفَرٍ تَعْدِلُ رَحْلَهُ، فَأَبَى غُلامُ ابْنِ جَعْفَرٍ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ، فَرَجَعَ الأَعْرَابِيُّ إِلَى ابْنِ جَعْفَرٍ فَأَعْلَمَهُ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَسُولا، وَقَالَ لَهُ: أَعْطِهِ الَّذِي طَلَبَ، وَالْعَبْدُ الَّذِي مَنَعَهُ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ أَيْضًا. فَدَفَعَهُمَا إِلَيْهِ، وَأَخَذَهُمَا الأَعْرَابِيُّ، وَرَجَعَ إِلَى ابْنِ جَعْفَرٍ يَتَشَكَّرُ لَهُ، فَقَالَ الْعَبْدُ لابْنِ جَعْفَرٍ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، صُحْبَتِي؟ فَقَالَ: لِلأَعْرَابِيِّ: أَتَبِيعُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِثَلاثِمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ: هِيَ لَكَ فَأَعْطَاهُ ثَلاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَعْطَاهُ سَيْفًا، وَقَالَ: لا تَخْدَعَنَّ عَنْهُ، فَإِنِّي أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ لِلْعَبْدِ: إِنَّ لَكَ حَقًا وَإِنَّكَ لَطَوِيلُ الصُّحْبَةِ، فَأَعْتَقَهُ وَأَهْلَهُ وَوَلَدَهُ. فَأَنْشَأَ الأَعْرَابِيُّ، يَقُولُ: سَأُثْنِي بِمَا أَوْلَيْتَنِي يَا ابْنَ جَعْفَرٍ ... وَمَا شَاكِرٌ عُرْفًا كَمَنْ هُوَ كَافِرُهْ فَيَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ نَفْسًا وَوَلَدًا ... وَأَكْرَمَهُمْ لِلْجَارِحِينَ يُجَاوِرُهْ حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: " أَشَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْمَهْدِيِّ أَنْ يَنْزِلَ الرَّافِقَةَ، وَأَرَادَ أَنْ يُبْعِدَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، فَكَتَبَ أَبُو دُلامَةَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ وَالْمَهْدِيَّ إِنْ قَرُبَا فَنَحْنُ فِي حِنْثٍ، لا مَاءٌ، وَلا شَجَرٌ، وَلا نَهَارٌ، وَلا لَيْلٌ يَطِيبُ لَنَا، وَلا يَطِيبُ لَنَا شَمْسٌ وَلا قَمَرٌ، اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي نَاصِحٌ لَكُمْ فِيمَا أَقُولُ، وَإِنِّي حَيَّةٌ ذَكَرٌ أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعَانِ بِهِ مِنَ الْحَسُودِ، وَفِي فِيَّ الْحَاسِدُ الْحَجَرُ. فَرَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَهْدِيَّ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي نُزُولِ الرَّافِقَةَ، وَلَمْ يُبَاعِدْهُ عَنْهُ

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.